بستان الموسيقي

نشر في 09-02-2011
آخر تحديث 09-02-2011 | 00:01
 زاهر الغافري الصُّوْرَةُ النَاقصةُ

إلى أين ستمضي هذه الليلةَ والرَّغبةُ تدعوكَ من الأقاصي البعيدةِ. تَحْلُمُ، تَحْلُمُ أَنْ تظلَّ البراري وفيَّةً للسِّرِّ، لعَيْنٍ ظامئةٍ تريدُ أنْ ترى المشهدَ كاملاً. هنا « الوردةُ الأخيرةُ» وهناك طرقُ أوروبيا التي أغوتكَ مبكراً. الصورةُ أسلوبُ حياةٍ. تذكر هذا! في نيويورك أو في باريس عَرَبةٌ من الأحلام تسيرُ في قلبِ الليل. في الماضي كانت الحياةُ تلمع على الشاشةِ مثلَ جرحِ الولادةِ. لكنَّ الشاشةَ الآنَ اتّسَعَتْ والأبطالَ تفرقوا أو ناموا تحت ظلالِ الشجرة. اليأسُ ما يزال يُشْرِقُ في عينيكَ وأنتَ تنظرُ عبرَ النافذةِ إلى نهرِ حياتِكَ وهو يجري، يجري كمشهدٍ أخيرٍ على حَافَّةِ الصحراء.

رِحْلَةُ النائم

بعد أنْ نمتُ على الرملِ واستيقظتُ حالماً في جزيرةٍ مهجورةٍ، استقبلني النَّدَمُ بثيابِ المُعْجِزَة. حتى سمعتُ صرختي ترحَلُ إلى الآفاقِ وأشرقَ المجهولُ في عينيَّ حيواناً برَّياً لا يعرفُ النوم. نظرتي حُرَّةٌ لكن الخوفَ أَزْهَرَ على جبيني وأنا أَقْطَعُ المسافة القاتِلةَ بين النومِ واليقظةِ مِثْلَ عرَّافٍ خَانَهُ القَدَرُ في اللحظةِ الأخيرةِ.

الزَّائِر

دعوني أمرُّ أنا الزائِرُ الغريبُ، أَحْمِلُ فوق جناحيَّ غبارَ الليالي. وفي جوفي تَسْكُنُ جمرةٌ هي شمسُ السنين الطويلة. لا أحدَ إلايَ يريدُ أن يروي ما حدثَ في الماضي. لا أحدَ إلاَّيَ أنا العُقْعُقُ أميرُ العصورِ وسيِّدُ القِلاع. وفي تحْديقَتي النارِيَّةِ تتجمَّعُ حقائقٌ وأحلام. وبين مخالبي أسمعُ أنفاسَ الأفعى الأخيرةَ. ومع ذلك فانَّ قلبي، قلبُ ملاكٍ رَحيم.

تلك الأعوام

أحياناً أترُكُ حياتي هناكَ، بين أشقاءِ الألم. تحت جُدْرَانِ المَصائرِ العالية، ثم أمضِي هادئاً كمنْ يعبرُ بستاناً مليئاً بروائح الماضي. أَزْعُمُ أنني كُلَّمَا جلستُ بين ضِفَافِ الأنهارِ تتراءى لي ابتسامةٌ مصنوعةٌ من شُعلَةِ الليل. الأحلامُ أيضاً، موجةً بعد موجةٍ تتمرَّغُ على العُشْبِ برَّاقةً مثلَ ذهبٍ خالص. أعيشُ في بلدةٍ تَطفو في الذاكرةِ. أبي حارسُ الزمانِ في حدائقَ مهجورةٍ وأمي حطَابةٌ في البَرَّيَّة. في تلك الأعوامِ كانت حياتي شبيهةً برحلةٍ تتدلى منها عناقيدُ الخسارةِ، لكنني رغم ذلك عرفتُ كيف أتسلَّقُ القلاعَ تحت شمسِ الظهيرة.

رِحْلاتٌ لا تنتهي

هكذا... ترحلُ دائماً إلى حيث تُقِيمُ المغامرةُ ولائِمَهَا الكبرى. تطرقُ بابَهَا، تطرقُ ثم تطرقُ البابَ بقوةٍ كأنما تطاردُ أيامَكَ ولياليِكَ كتيبةٌ من الأشباح. أخيراً تنفتحُ لكَ هاويةٌ، نبعٌ منه تشربُ الكلمةُ ضوءَها الأسودَ. لكِنَّكَ تعرفُ بأنَّ الطرقَ كلَّها ستعيدُكَ إلى نقطةٍ واحدةٍ، ومنها ستنطلقُ حياتُكَ ثانية. من هناك، بين «لَيْلَةٍ وضُحَاهَا» ستنطلقُ الحياةُ ثانيةً مِثْلَ سهمٍ يتطوَّحُ في الفضاء. كلُّ خريطةٍ مِخْلبٌ من نارٍ وأنتَ الضيفُ الذي يحفظُ أمنيةَ الفراشةِ عن ظَهْرِ قلب. في دَيْرٍ أو غابةٍ، في صحراءَ أو جزيرةٍ نائية مصيرُكَ لؤلؤةٌ مُعَلَّقَةٌ في الأفق مثلَ تميمةِ الأجداد. في أحلامك تنامُ مدنٌ غيرُ مرئيةٍ، كهوفٌ وحاناتٌ تنتظرُ الإشارةَ التي ستصلُ حتماً كالقذيفةِ لتفجِّرَ أسرارَ الرحلةِ التي لا تنتهي.

بُسْتَانُ الموسيقيِّ

تَرِكَةٌ ثقيلةٌ تلك، وها أنا أحْمِلُهَا على ظهري مثلَ تابوت. الصَّرْخَةُ خرجتْ من هناك. والموسيقى تترددُ من منبعٍ سريٍّ للنوم، كما لو أنها آتيةٌ من أحراشٍ الجحيم. ينظرُ القتلةُ إلى بستانِكَ المفتوحِ وأنتَ تَقِفُ أمام النافذةِ، شبحاً يستقبلُ غبارَ القوافلِ والحروب. ما الذي سيحدث بعد كُلِّ هذا. القيامةُ ترتطم بحافَّةِ الليلِ، الحقيقةُ تطوفُ في أرضِ الخسرانِ وانفجارُ مَجرَّاتٍ هائلةٍ في الدماغ. وحدَها النغمةُ تأتي مِنْ بعيد لتشتري ذخيرةَ الحياة. لو كنتَ هناك، لو كنتَ حقاً هناك

لأتاكَ الصباحُ بذراعين نديتين وكان دَلِيَلَك إلى المَرْثِّيِة الأخيرة.

back to top