الثقافة العربيّة لعبد الله إبراهيم... الاستشراق يختزل ثقافة الاختلاف

نشر في 28-10-2010 | 00:00
آخر تحديث 28-10-2010 | 00:00
صدر أخيراً عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» وعن «دار الأمان» كتاب «الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة» للكاتب العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم.

يرى المؤلف أن المسار الخاص بتطوّر الثقافة العربية يكشف صورة شديدة التعقيد تتضارب فيها التصورات، والرؤى والمناهج، والمفاهيم، والمرجعيات، ولا يأخذ هذا التضارب شكل تفاعل وحوار، إنما يمتثل لمعادلة الإقصاء والاستبعاد من جهة، والاستحواذ السلبي والاستئثار من جهة ثانية. وقد أفضى تعارض الأنساق الثقافية فيها إلى نتيجة خطيرة، وهي أن الثقافة العربية الحديثة أصبحت ثقافة «مطابقة» لا ثقافة اختلاف.

فهذه الثقافة، في جملة ممارساتها العامة واتجاهاتها الرئيسة، تهتدي بـ{مرجعيات» متّصلة بظروف تاريخية مختلفة عن ظروفها، فتارة تتطابق مع مرجعيات ثقافية أفرزتها منظومات حضارية لها شروطها الخاصة، وطوراً تتطابق مع مرجعيات ذاتية تجريدية متّصلة بنموذج فكري قديم، ترتبط مضامينه بالفروض الفكرية والدينية الشائعة آنذاك. فتندرج الثقافة في علاقة ملتبسة يشوبها الإغواء الأيديولوجي مع «الآخر» و{الماضي»، ليصبح حضورهما «استعارة» جُرّدت من شروطها التاريخية، ووُظّفت في سياقات مختلفة.

يتابع إبراهيم أنه من الطبيعي أن يؤدي هذا الواقع إلى تمزيق نسيج الثقافة العربية الحديثة الداخلي إلى درجة أصبحت فيها التناقضات ظاهرة لا تخفى، فتتجلى بصور النبذ والإقصاء، والاستبعاد المتبادل بين الممارسات الفكرية التي تستثمر هذه المرجعية أو تلك ضد الأخرى، ومن خلال أشكال التمويه والتخفّي والإكراه، والتنكّر التي تأخذها المفاهيم والمناهج والرؤى، وهي توظّف بأساليب لا تأخذ في الاعتبار درجة الملائمة بين هذه العناصر والسياقات التي تستعمل فيها. وإلى هذا يُضاف التعسّف في إخضاعها لأنساق لا صلة لها بأنساقها الأصلية، الأمر الذي نتج منه إبهام في كل ما يتصل بتلك العناصر، وهذا كلّه يعمق نوعاً من الثقافة المسطّحة التي تغيب عنها الفرضيات الكبرى، والأسئلة الجوهرية.

أسباب

يوضح عبد الله إبراهيم أن لذلك كلّه أسبابه التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتتوزع ليتّصل بعضها بالثقافة «الغربية» وبعضها بالثقافة «العربية». فمن ناحية، تمكّن الغرب من بناء نموذجه الثقافي بمظاهره العلمية والفلسفية والسياسية والاقتصادية منذ عصر النهضة، وبفعل جملة التطورات الخاصة به، تمركز ذلك النموذج حول ذاته في حركة محورية، أدت إلى ظهور «المركزية الغربية» بإشكالياتها كافة التي صاغت الفكر الغربي الحديث صوغاً يوافق مقولات التفوق العرقي والثقافي والديني، وتطورت نزعة التمركز، فطرحت مفهوماً متصلاً بفرضية التمركز نفسها، وهو مفهوم العولمة، وبهذا امتد الطموح ليشمل العالم بأجمعه ويدرجه ضمن رؤية غربية مستمدة من الفرضية المذكورة، مع مراعاة شرط التراتب والتفاضل والتمايز بين ما هو غربي وما ليس كذلك.

من ناحية أخرى، لم تفلح الثقافة العربية في بلورة ملامح خاصة بها، وظلت أسيرة مجموعة من الرهانات المتّصلة بغيرها. ولذلك أسبابه الكثيرة، بعضها يتعلّق بكيفيات التحديث، وبعضها الآخر يتعلق بطبيعة الصلة مع الماضي. وهذا الاصطراع مزّق نسيج الثقافة العربية الداخلي، وأدخل في ممارساتها عناصر متضادة ومتعارضة، استخدمت بوصفها منشطات أكثر مما هي مكونات فاعلة.

يفيد الكاتب بأن كثراً أكدوا أن غاية نزعة العولمة الأساسية هي تركيب عالم متجانس تحل فيه وحدة القيم والتصورات والغايات والرؤى والأهداف مكان التشتت والتمزق وتقاطع الأنساق الثقافية. لكن هذه النزعة تختزل العالم إلى مفهوم، بدل أن تتعامل معه على أنه تشكيل متنوع من القوى، والإرادات والانتماءات والثقافات والتطلعات. ووحدة لا تقر بالتنوع ستؤدي إلى تفجير نزعات التعصّب المغلقة والمطالبة بالخصوصيات الضيقة، فالعولمة بتعميمها النموذج الغربي على مستوى العالم، واستبعادها التشكيلات الثقافية الأصلية، إنما توقد شرارة التفرّد الأعمى، ذلك أن بسط نموذج ثقافي بالقوة لا يؤدي إلى حل المشكلات الخاصة بالهوية والانتماء، إنما يتسبب بظهور أيديولوجيات متطرفة تدفع بمفاهيم جديدة حول نقاء الأصل وصفاء الهوية. إلى ذلك، فإن عملية محاكاة النموذج الغربي ستقود إلى سلسلة لانهائية من التقليد المفتعل الذي تصطرع فيه التصورات، وهو يصطدم بنماذج موروثة ستبعث على أنها نظم رمزية تمثل رأسمال قابلاً للاستثمار الأيديولوجي عرقياً وثقافياً ودينياً.

رصد ختامي

يعتقد ابراهيم بأنه لا يمكن إجراء رصد ختامي لما أفضت إليه العولمة، سواء أكانت ممارسات متنوعة ظهرت منذ استقام أمر التمركز الغربي، أم منذ ظهرت حديثاً على أنها نزعة فكرية نظرية. لكن الأمر الذي يمكن رصده هو أن العولمة خلقت إمكانات واسعة لسيادة الولاء للآخر، وهيمنة الفكر الامتثالي، واختزال الذات إلى عنصر هامشي، واستبعاد المكونات القابلة للتطور والنمو، وتفجير الحراك الاجتماعي بصورة فوضوية.

ذلك كلّه أدى إلى انهيارات متعاقبة في الأنساق الثقافية غير الغربية. وبقدر تعلق الأمر بالثقافة العربية الحديثة، فإن حصر النتائج أمر لا يمكن تحقيقه. فالمؤثرات الغربية وموجهاتها ومحمولاتها ومرجعياتها، غذت، ومنذ مدة طويلة، ممارسات ثقافية كثيرة. يرصد ابراهيم في هذا الكتاب نماذج منها في بعض الميادين مثل: المناهج، والمفاهيم، والرؤى، قاصداً بيان الكيفية التي تغلغلت فيها المرجعيات والمؤثرات في صلب الثقافة العربية الحديثة، والآثار التي ترتبت على ذلك، انطلاقاً من رؤية تؤكد أن نقد ثقافة المطابقة هو السبيل إلى ظهور ثقافة الاختلاف.

في حديثه عن الاستشراق، يؤكد الكاتب أن النشاط الاستشراقي ليس فعلاً مجرداً عن مضامينه الغربية، وهو ليس فعل أفراد دفعهم حب المعرفة الى جعل الشرق موضوعاً غربياً، إنما هو ضرب من الممارسة الفكرية التي اقتضتها حاجة العقل الغربي، الى أن يشمل بكليته، المعطيات الثقافية للآخر وإعادة إنتاجها، بما يجعلها تندرج ضمن سياقات المركز، وهو يفكر ويتفكر في شؤونه وشؤون غيره. فقد تكونت فلسفة الاستشراق واستقامت، بوصفها أحد معطيات الممارسة العقلية الغربية، ثم خضعت إلى المركزية الغربية التي رتّبت شؤون الآخر وفق أنساق عقلية لتجد مكانها في منظومة تلك المركزية.

بحسب الكاتب، يكاد الشرق الاستشراقي يكون بعيداً كل البعد عن حقيقته التاريخية والثقافية، فقد أعيد إنتاجه ليرافق استراتيجية المركز الغربي، فاكتسب أهميته التاريخية، لأنه أحد تجليات العقل الغربي، وإحدى ممارساته الخاصة.

فالاستشراق، كما يقول ابراهيم، أحد مظاهر المركزية الغربية، وإحدى وسائلها في توسيع الأفق الأيديولوجي والاستحواذ على ثقافة الآخر، وإذا عرض الأمر بكليته للبحث في المحددات والموجهات، سيتضح أنه بوساطة الاستشراق، بدأت المركزية الغربية تقترح على نفسها موضوعات تسوغ من خلالها رؤيتها المتعصبة للشرق، وبذلك، فإنها بدأت باختلاق موضوعها، تبعاً لحاجاتها، وليس لمقتضيات الموضوع، ولم يعد للشرق وجود عياني، إلا بوصفه مكوناً خطابياً غربياً.

طبقاً لهذا التصوّر، فإن الأثر الذي أحدثه الاستشراق، كان بالغ الضرر في البنية الثقافية العربية الإسلامية خصوصاً، وبالشرق عموماً. وكان ، ممارسة وخطاباً، وبسبب الآلية التي تنظّم عمله، ينكفئ على نفسه، ويرتد إلى ذاته في حركة محورية، لا تفارق المركز الذي تصدر عنه، فقد كان وهماً اختلقه الغرب، ليرى صورة لهويته فيه، وليجعل من الشرق غرباً مصنوعاً بوسائل خطابية. ذلك كله أوجب أن يتصل شرق الاستشراق بهوية الغرب الثقافية، وأن يتنفس في الدائرة الحضارية المغلقة التي كونها الغرب نفسه، فكان الغرب مرآة، لا يراد للشرق إلا أن ينعكس فيها، لكن بملامح غربية خالصة.

back to top