لماذا ضحى الاسير الدوسري؟

نشر في 14-12-2010
آخر تحديث 14-12-2010 | 00:00
 ضاري الجطيلي يشهد تاريخ وزارة الداخلية بأنها كلما حشدت لمؤتمر صحفي فلابد أنها قد ارتكبت خطيئة ما تريد التغطية عليها، ولم يكن مؤتمرها يوم الخميس الماضي استثناءً، وما يشعر بالأسى هو منظر ضباط كبار يمرغون هيبة الجهاز الأمني ومصداقيته بألسنتهم، فهذا يتلعثم وذاك تعبيرات وجهه تفضح عدم اقتناعه بما يقول، وهذا يناقض ذاك، وذاك يقاطع هذا، وأحدهم «يقرص» الآخر تحت الطاولة لإسكاته عن شطحته، فكان المنظر بمجمله مسرحية ركيكة بعنوان «تسييس المؤسسة العسكرية» تحولت إلى أضحوكة في الدواوين و»تويتر».

وما كنت سأعلق لولا كلمة اللواء محمود الدوسري التي ختم بها المؤتمر، عندما أشار إلى حركة ديوانيات الاثنين» بأنها هي التي دعت المجرم البائد صدام حسين إلى غزو الكويت، محذراً النواب بلهجة عنجهية تنقصها اللباقة والكياسة ولا يجب أن تصدر من موظف حكومي تجاه ممثلي السلطة التشريعية ممن يعلونه سلطة ومكانة دستورية. وما دفعني للتعليق هو اهتزاز الصورة التي أحملها في نفسي تجاه الدوسري، فلطالما أعجبت بهذا الرجل، وتشرفت بالتعامل معه عندما كنت أحد رماة منتخب الكويت للناشئين، وكان هو نائب رئيس نادي الرماية في التسعينيات، إذ كان نعم القائد لنا والمؤمن بنا على الرغم من حداثة تجربة الناشئين آنذاك.

ولمن لا يعرف الدوسري، فهو من أمتع الشخصيات التي تقابلها وأرحبها، يملأ ذكرياتك معه بالمواقف الرجولية من جهة والنكت والقفشات من جهة أخرى، عسكري من الطراز الأول، قائد صلب لا يجامل في الجد.

الدوسري بطل من قادة المقاومة في أثناء الاحتلال، تم أسره واستمر قائداً في الأسر يشهد له زملاؤه، لم يتوان أبداً عن التضحية للكويت، وها هو بعد عشرين سنة منذ الأسر مازال بقمة نشاطه يؤدي واجبه.

كلمة الدوسري تثير الشعور بالحسرة لأنه على ما يبدو مازال بعد عشرين عاماً لا يعرف بالضبط ما ضحى وقضى أشهراً في الأسر من أجله، لا يعرف أنه ضحى ليعود لنا الدستور والديمقراطية والحرية، لا يعرف أنه ضحى ليبين للعالم أن «ديوانيات الاثنين» وأي حراك سياسي هو جزء أساسي من هوية الكويت، ويبين لكل طامع بأن تنوع آراء الكويتيين ميزة تقويهم وليس ثغرة تفرقهم، لا يعرف أنه ضحى بحريته لنستطيع نحن التعبير عن آرائنا بحرية، لا يعرف أنه ضحى لننعم نحن بحضور الندوات دون خوف من الهراوات، لا يعرف أنه ضحى ليصون مؤسسات الدولة كلها: الأمير والسلطات الدستورية التي يرأسها، بما فيها السلطة التشريعية التي اعتدى عليها رجال الدوسري في الصليبيخات، لا يعرف أنه ضحى لننعم بكل ما كان هو وزملاؤه يفاخرون بقمعه في مؤتمرهم.

حسافة على تضحية أشهر في الأسر إن كانت ليست في سبيل الدستور والديمقراطية والحرية، فالكويت ليست أرضاً وحدوداً وشعباً فحسب، فذلك لا يميزها بشيء عن جيرانها، الكويت دستور ومبادئ وقانون ومؤسسات وسلطات وتاريخ، ومن يضحي لها فإنه يضحي لكل ما سبق، وإن ولاء المؤسسة العسكرية هو للدستور والقانون ونظام الحكم الديمقراطي أولاً وأخيراً، وواجبها صون جميع مؤسسات الدولة بلا انحياز لأي منها، وهذا على ما يبدو ما لا يفهمه قيادات المؤسسة العسكرية، فما بالك بالأفراد؟

Dessert

حاجة وزارة الداخلية إلى عقد مؤتمرين صحفيين لحدث واحد تكرار يدل على ضعف الحجة وعدم اقتناع بقانونية إجراءاتها القمعية.

back to top