ديدان القز والماعز المتحوّلة وراثياً... كيف تساهم في إنتاج أصلب الألياف الطبيعيّة؟
قد تنتج ديدان القز المتحوّلة وراثياً أميالاً من الحرير المتين في إطار إنجاز علمي جديد قد يؤدي إلى إنتاج كميات هائلة من موادّ مرنة مصنوعة من حرير العنكبوت. بفضل جهود تصنيع هذه الديدان العنكبوتية المتحوّلة وراثياً، إلى جانب الماعز العنكبوتي وعشبة البرسيم الحجازي العنكبوتي، قد تصبح في متناولنا قريباً ملابس مصنوعة من خيوط العنكبوت.يعمل راندي لويس، عالم أحياء في مجال الجزيئات في جامعة وايمينغ، على حلب الماعز العنكبوتي منذ سنتين، وكان يحاول تحسين نتاج البرسيم الحجازي المنتِج لحرير العنكبوت والمركَّب وراثياً. وقد أطلق أبحاثاً عن جينات مركّبة تعود إلى حرير العنكبوت، وهو يأمل بأن يبدأ في زرع قطن العنكبوت في المستقبل القريب. بفضل أبحاثه الأخيرة، قد يصبح نسيج العنكبوت في متناولنا خلال سنة.
في الأسبوع الماضي، أعلن لويس ومالكوم فرايزر، من جامعة نوتردام، أنهما عمدا إلى تربية ديدان القز التي خضعت لهندسة جينية خاصة بهدف إنتاج حرير العنكبوت.يقول لويس: «من وجهة نظرنا، ثمة إيجابيات كثيرة لعملية تدوير الألياف مسبقاً. بالتالي، لا حاجة إلى تطهير البروتين ولا داعي لأخذه وتدوير الألياف مجدداً».يعتبر لويس أن الدراسة، التي لم تُنشَر بعد، تؤكد مفهوم هندسة ديدان القز المتحوّلة وراثياً وتربيتها. ويضيف: «السؤال الرئيس سيكون الآتي: هل نستطيع إحداث التحسينات الضرورية على مستوى الخصائص الآلية لحرير ديدان القز عبر دمج حرير العنكبوت فيه؟ إذا استطعنا فعل ذلك، فسنتمكن حتماً من فعل أمور كثيرة في ما يخصّ حجم المواد التي يمكن تصنيعها».تحتوي شرنقة واحدة من ديدان القز على أكثر من نصف ميل من خيوط الحرير، لذا تنتج مجموعات من ديدان القز المعدّلة وراثياً كمية كبيرة من الحرير، بحسب قول فرايزر، عالم أحياء في مجال الجزيئات في جامعة نوتردام. هو يعتبر أن إنتاج حرير العنكبوت المصنّع قد يصبح ممكناً خلال سنة.يُعتبر حرير العنكبوت إحدى أثمن المواد التي تقدّمها الطبيعة. يمكن استعماله لتصنيع مجموعة واسعة من المنتجات، بدءاً من الأربطة الاصطناعية ووصولاً إلى تصنيع ضمادات جروح خارقة أو حتى درع كامل للجسم. يتصوّر لويس احتمال استعمال حرير العنكبوت في تصنيع الأوتار وحبال مظلات الهبوط وغير ذلك. يمكن استعمال الحرير أيضاً لنقل العقاقير أو على شكل روافع للمقاحل (أو آلات الترانزيستور) على مقياس النانو. في دراسة أُجريت السنة الماضية، أثبت علماء في مركز ليغاسي للأبحاث العيادية والتكنولوجيا في بورتلاند، أوريغون، أن عمليات الزرع في الدماغ بواسطة مواد حريرية تحتوي على مادة الأدينوساين، قد تمنع النوبات لدى الفئران. وفي بحث نُشر في مجلة «ساينس» (Science ) العلمية، في شهر يوليو (تموز) الفائت، قال باحثون من جامعة تافتس إن الحرير يمكن استعماله لإنتاج مواد مرنة قابلة للتحلل أو حتى أنظمة بصرية قابلة للزرع يمكن الاستفادة منها في مجال الطب.يشير لويس: «تتعدد الأمور التي يمكن فعلها بواسطة الألياف بينما لا يمكن فعلها باستعمال شيء يشبه كتلة لا شكل لها أو أي شيء صلب».قد تكون الأقمشة النانوية أقوى من حرير العنكبوت، لكنها أصبحت الآن متناهية الصغر. في الأسبوع الماضي، أعلن باحثون كنديون أنهم يركّبون أطول سلسلة من عناصر البوليين على الإطلاق - تُعتبر تركيبات البوليين المتّصلة بالكربون أقوى من تلك الموجودة في مادة الغرافين- لكنها كانت مؤلفة من 44 ذرة كربون فقط.لا تزال الألياف بالأحجام النانوية الصغرية محدودة. يفسّر فرايزر الأمر قائلاً: «يمكننا تصنيع كميات من النسيج انطلاقاً من حرير ديدان القز. لا شك في أن تكنولوجيا النانو ابتكار له إمكانات مذهلة، لكني لا أعرف في أي وقت ستتم الاستفادة من تلك الإمكانات. وحتى لو أُنجز ذلك، لستُ واثقاً من أن هذه التكنولوجيا ستحلّ مكان التطبيقات الطبية لألياف الحرير الطبيعية الموجودة بأعداد كبيرة».كان لويس يعمل على تلك التطبيقات طوال عقدين من الزمن. لقد مضى 12 عاماً منذ عزل الجينات التي أنتجت حرير العنكبوت العالي الجودة، وقد جذب انتباه العالم عند إنتاج الماعز المتحوّل وراثياً، حيث استُبدل الحمض النووي بهدف إنتاج البروتينات الضرورية لتصنيع حرير العنكبوت. حين تلد أنثى الماعز وتبدأ بإفراز الحليب، هي تنتج بروتينات حرير العنكبوت في حليبها. عندها يُجمع ذلك الحليب وينقَّى ويحوَّل إلى حرير، بحسب قول لويس.سيكون حلب العناكب أسهل من حلب الماعز المتحوّل وراثياً، لكن حبذا لو لم تكن العناكب قاتلة وخطيرة. نظراً إلى هذا الواقع، لم تنجز مزارع العناكب أي مشروع ناجح في هذا المجال، بينما تُعتبر تربية ديدان القز والماعز إحدى الممارسات التقليدية القائمة منذ زمن بعيد. كذلك، يُحدث المقياس المعتمد فرقاً كبيراً: يستطيع لويس استخراج أوقية حرير مقابل كل ليتر حليب تقريباً. بالتالي، لا بد من توافر مئة عنكبوت للحصول على تلك الكمية. قد تكون ديدان القز المتحوّلة وراثياً أكثر إنتاجية. لكن تشمل عملية تربية ديدان القز تسلّل بعض الأحماض النووية المختلفة. تعاونت مختبرات كريغ بيوكرافت في لانسينغ، ميشيغان، مع فرايزر الذي اكتشف شدفة من الحمض النووي حملت اسم «بيغي باك» (piggyBAC) وحصل على براءة اختراع بذلك. يمكن لهذه الشدفة أن تندسّ داخل المادة الجينية لأي خلية. استعمل الباحثون هذا العنصر لدسّ شدف من الحمض النووي الخاص بالعنكبوت داخل أجنّة ديدان القز، ما أدى إلى إنتاج ديدان قز بتركيبة هجينة تجمع بين دود القز وحرير العنكبوت.أراد الباحثون التأكد من أنهم يستطيعون تربية ديدان قز بحمض نووي عنكبوتي، لذا أضافوا أيضاً بروتيناً فلورياً إلى الحمض النووي الخاص بالعنكبوت. نتيجة لهذه العملية، كانت دودة القز المتحوّلة وراثياً تتمتّع بعيون حمراء وكان حريرها أخضر لامعاً.