أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الشخصية (الحلقة الخامسة عشرة) اعتبرها كُتّاب اليسار سبباً من أسباب هزيمة حزيران 1967 واسأل روحك بداية الشيخوخة تدهورت حالتها الصحية... وماتت في 3 فبراير 1975 فرفعت الجماهير عبارة شهيدة العشق الإلهي

نشر في 29-08-2010 | 00:00
آخر تحديث 29-08-2010 | 00:00
الغـــروب .. والـــرحيــــل

مع أن رحلة الغروب لم تنطلق في حياة أم كلثوم إلا في مطلع العام 1970، عندما بدأت علائم الشيخوخة ظاهرة في صوتها، وفي شهر سبتمبر/ أيلول من ذلك العام، مع صدمة رحيل عبد الناصر المفاجئ، فأن مقدمات هذه الرحلة قد بدأت منذ العام 1967، مع صدمة هزيمة حزيران، لسببين متداخلين:

لأن أم كلثوم كانت قد نذرت نفسها، من خلال فنها، للحياة العامة في مصر والوطن العربي، تأخذ منها وتعطيها، بطريقة حصدت معها أم كلثوم كل أمجادها، ولكنها حصدت أيضا كل أوجاعها، لأنها تحولت إلى شخصية عامة،إلى درجة اختفت معها الفواصل بين الشأن العام والشأن الخاص في حياة هذه الفنانة.

ومع أن أم كلثوم كانت أكثر الفنانين العرب الكبار انغماسا في وضع نشاطها الفني مباشرة في خدمة حرب الاستنزاف الشهيرة التي انطلقت بعد الهزيمة بأيام، فقد كان ملفتا للنظر أنها لم تفعل ذلك من خلال الأناشيد الحماسية، ولا حتى الأغنيات الوطنية، بل من خلال إصرارها على تقديم فنها الراقي المعتاد لجماهيرها، مع تحويل الريع المادي لحفلاتها، في مصر والبلاد العربية والخارج، للمجهود الحربي. وهنا لا بد من وقفة قصيرة لاستذكار بعض الشواهد التي تؤكد أن انفعال أم كلثوم بالأحداث الوطنية الكبرى، كان يتسم دائما باندفاع لا ينسجم كثيرا مع رصانتها المعروفة في سلوكها الاجتماعي وحياتها الشخصية العادية.

فقد روى كمال الطويل، أنه عندما أنهى تلحين نشيد “والله زمان يا سلاحي”، وكان يعقد معها جلسات لحفظ اللحن في دارتها بالزمالك، كانت كلما سمعت صوت الطائرات البريطانية المغيرة على القاهرة، تخرج إلى الشرفة لتلقي نظرة مباشرة على ما يحدث، وتعبر عن غيظها الشديد، وكان كمال الطويل يحاول جذبها إلى الداخل خشية عليها من أي مكروه.

ولما أصبح اللحن جاهزا للتسجيل، عبثا حاول كمال الطويل إقناعها بأنه من الممكن إحضار الفرقة الموسيقية وآلات التسجيل ومهندس الصوت إلى منزلها، حتى لا تعرض نفسها لخطر الذهاب إلى مبنى الإذاعة، الذي كان قد تحول إلى هدف عسكري مؤكد للطائرات البريطانية والفرنسية المغيرة، فقد قالت: “أنا لست أفضل من أي مواطن مصري، سأتكل على الله وأذهب لأسجل في الإذاعة”.

أما في حرب 1967، فلعل ما ضاعف من صدمة أم كلثوم بالهزيمة المدوية، أنها كانت خلال المرحلة الساخنة السابقة للحرب، والتي فصلت ما بين بداية الأزمة، بإغلاق مضائق العقبة، واندلاع الحرب في 5 يونيه/حزيران، أن شاركت في الجو الحماسي بتصريح شهير، أعلنت فيه رغبتها بالغناء في تل أبيب، واكتسب تصريحها هذا أهمية إعلامية غير عادية عندما ردت عليها الإذاعة الإسرائيلية يومها (بسخرية) أن بوسعها القدوم في أي وقت لزيارة تل أبيب والغناء فيها، فكل الإسرائيليين يرحبون بها.

آثار هزيمة حزيران

غير أن هذا التصريح الإسرائيلي الذي يحاول السخرية من ثقة أم كلثوم بقرب تحقيق شعار “تحرير فلسطين”، كان يخفي تحت هذا الظاهر اعترافا ضمنيا بأن أم كلثوم هي فعلا المطربة المفضلة لدى كل اليهود العرب.

هذه التفاصيل توضح تماما الأثر الشخصي الخاص الذي كان لهزيمة حزيران في نفس أم كلثوم، إضافة إلى ما أصاب كل مواطن عربي يومها من صدمة وإحباط وخيبة أمل، فقد كانت الهزيمة بالنسبة لها خيبة أمل شخصية، إضافة إلى خيبة الأمل العربية العامة. لذلك، لم يكن غريبا أن تنطلق أم كلثوم فورا لتسجيل قصيدة صالح جودت ولحن السنباطي لمطالبة عبد الناصر بالعودة عن التنحي، ولتنتهز مناسبة ذكرى ثورة يوليو، بعد الهزيمة بشهر ونيف، فتبدأ تنفيذ قرارها بالحفلات المخصصة للمجهود الحربي. ولم يكن تجاوب الدولة يومها بأقل مستوى من تفاعل أم كلثوم مع الأحداث الكبيرة الطارئة، فمنحتها جواز سفر دبلوماسيا تستخدمه في تنقلاتها خارج مصر.

فإذا عدنا إلى أثر كل ذلك (إضافة إلى العوامل الطبيعية الناجمة عن التقدم في السن)، فإننا نقول أنه صحيح أن بوادر تراجع المساحات العليا في صوت أم كلثوم كانت قد بدأت تزحف على تلك الحنجرة العظيمة منذ مطلع عقد الستينيات، غير أن كل تلك البوادر لم تكن قد وصلت إلى حد التأثير على ذلك اللمعان والبريق الساحر في صوتها. أما عشاق صوتها، وخبراء السماع، فقد بدءوا يلاحظون تضافر مفعول التقدم في السن ومفعول الهزيمة على ذلك البريق الساحر الذي لم يكن من الطبيعي أن يختفي دفعة واحدة، في حنجرة بتلك العظمة، ومع خبرة في الأداء ومراس مهني مطول. غير أن حزم البريق الصوتي بدأت تخبو وتنسحب من حنجرتها شيئا فشيئا، في غصات صوتية وشيء من الحشرجة الخفيفة، أصبحت تصاحب صوتها، خاصة في المقاطع التي يرتقي فيها اللحن إلى جوابات عالية.

ولا شك بأن ملحنيها الكبار خاصة، من أصحاب الخبرة الطويلة، مثل محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي، قد سبقوا غيرهم إلى ملاحظة هذه التحولات، فبدءوا ينسجون ألحانهم على أساس مراعاة الأوضاع الجديدة لصوت أم كلثوم، وما طرأ على طبقاته من آثار التقدم في السن، وآثار التفاعل مع الأحزان العامة.

والحقيقة أن ملاحظة التداخل بين فن أم كلثوم والأوضاع العربية العامة لم تكن وهما ولا ادعاء أو مبالغة، أو حكرا على من تعامل معها من ملحنين، يسايرون في ألحانهم ما يحدثه مرور الزمن وتفاقم الأحزان العامة من أثر في حنجرة أم كلثوم، ولكنها كانت حقيقة واقتناعا عاما يتحدث المثقفون العرب عنها بالإيجاب تارة، والسلب طورا. إلى درجة أن عددا غير قليل من الكتابات اليسارية التي اندفعت بعد هزيمة 1967 تحلل أسباب الهزيمة، راح يؤكد أن بين الأسباب الرئيسية للهزيمة، أسلوب غناء أم كلثوم المطول، الذي تحول إلى مخدر اجتماعي عام يخدر الجماهير العربية في كل مكان، وأن فن أم كلثوم أصبح بالتالي جزءا من ثغرات الأوضاع العربية التي أدت إلى ما حدث في حزيران 1967.

طبعا لم تمر هذه الآراء بلا حجج مضادة، كان أبرزها الرأي الذي يؤكد أنه لو أن كل مواطن عربي كان يؤدي مهمته في موقعه بالجدية والدأب والمثابرة التي كانت أم كلثوم تؤدي بها مهمتها في موقعها، لكانت الأمة العربية في أحسن حال.

على أي حال، فان كل هذه الآراء، السلبية منها والإيجابية، في تحليل فن أم كلثوم، تجمع على حقيقة واحدة، هي أن فنها قد تحول، لعوامل عديدة عرضناها على مدى صفحات هذا الكتاب، إلى شأن عام في حياة الأمة التي تنتمي إليها أم كلثوم، كما تحولت الأحداث الكبار في الحياة العربية العامة، إلى شأن خاص في حياة ووجدان هذه الفنانة.

من المؤكد أن ذروة هذا التداخل كانت بين 1967 و1970، عندما حرك تحدي الهزيمة في نفس أم كلثوم، نشاطا لم يسبق له مثيل في حياتها الفنية، فاندفعت بعد النكسة بشهر واحد (أي قبل موسمها بأربعة أشهر) تحيي سلسلة الحفلات التي قررت تقديم ريعها للمجهود الحربي، بمعدل حفلة واحدة في الشهر على الأقل، وحفلتين في بعض الأشهر، وهذه وتيرة لم تعرفها مواسم أم كلثوم الغنائية في عز شبابها وحيويتها وعز تألقها، داخل مصر وفي بلدان عربية هي السودان ولبنان وتونس والمغرب وليبيا والكويت والإمارات. أما الموعد الرسمي لموسمها الغنائي (شهر نوفمبر)، فقد جعلته أم كلثوم في تلك السنة موعدا مع مستمعيها العرب (وبعض الفرنسيين) في باريس في مسرح الأولمبييا الشهير.

ومع أن أم كلثوم كانت قد أنتجت فيما بين 1967 و1970 أربع أغنيات وطنية، هي حسب تسلسل ظهورها:

1- قم واسمعها من أعماقي، للسنباطي

2- سقط النقاب، لبليغ حمدي

3- حق بلادك، للسنباطي

4- طريق واحد، لعبد الوهاب

فان حفلاتها للمجهود الحربي ظلت مقتصرة على أغنياتها العاطفية الراقية، ويلاحظ أن ثلاثا من هذه الأغنيات كانت الأكثر ترددا في هذه الحفلات: الأطلال للسنباطي، وهذه ليلتي لعبد الوهاب، وفات الميعاد لبليغ حمدي.

ويلاحظ أيضا أن حفلاتها الأولى بعد النكسة، ظلت أيضا تردد فيها أغنياتها القديمة، ولم تعد إلى إنتاج الأغنيات الجديدة إلا بعد سنة ونصف بقصيدة هذه ليلتي من ألحان عبد الوهاب. غير أن أشد ما يلفت النظر في هذه السنوات الأخيرة، المثقلة بالأحزان الخاصة والعامة، أن أم كلثوم عمدت فيما بين آخر 1968 وأخر 1972 أي على مدى أربع سنوات (تخللها حزنها الشديد على رحيل عبد الناصر، الذي كاد يدفعها للاعتزال، كما سنرى) إلى إنتاج اثني عشر أغنية جديدة، أربع منها لعبد الوهاب، وثلاث لبليغ حمدي، وثلاث للسنباطي، وواحدة لكل من الموجي وسيد مكاوي، أي بمعدل ثلاث أغنيات جديدة لكل موسم غنائي، وهي نسبة عالية من الإنتاج لم تعرفها مواسم الحفلات الشهرية لأم كلثوم في عز حيويتها.

غير أن كل هذه الحيوية الزائدة التي حركها حتما تحدي مقاومة هزيمة 1967، تفاعلا مع أجواء حرب الاستنزاف، كان يحركها أيضا- على الصعيد الشخصي- إحساس أم كلثوم بأن صوتها قد بدأ رحلة المغيب، فكأنها أرادت أن تعبّ من الفن أقصى ما تسمح لها به سنوات نشاطها الفني المتبقية، ومع تركيز واضح على الملحنين الذين لم تكن قد تعاملت معهم في المواسم الذهبية للقصبجي وزكريا أحمد والسنباطي.

اسأل روحك

من المؤكد أن العام 1970، كان أصعب سنوات أم كلثوم، في الرحلة الأخيرة.

ففي مطلع ذلك العام، وبينما كانت تغني ثاني ألحان الموجي العاطفي الطويلة لها (اسأل روحك) في اليوم الأول من العام 1970، ظهرت في صوت أم كلثوم وفي أدائها بوادر عجز كامل يمكن الاستماع له بوضوح في تسجيل تلك الحفلة. ولم يصدق عشاق صوت أم كلثوم ما يسمعون ليلتها، بمن في ذلك كانت هذه السطور.

ومع ذلك، فقد تحاملت على قلمي يومها وكتبت مقالا يقطر أسى أتساءل فيه: هل بلغ صوت أم كلثوم الشيخوخة أخيرا ومن المؤكد أن هذا التسجيل سيبقى في حياة أم كلثوم أسوأ تسجيلاتها، مع أنها ظلت تغني بعده ثلاث سنوات كاملة، ذلك أنها بعد تلك الحفلة بدأت تحرص مع ملحنيها، على أن تكون طبقة اللحن منخفضة إلى أدنى درجة يسمح بها اللحن، والوضوح المطلوب في الأداء.

وقد سمحت لي الظروف بمفاتحة الموسيقار محمد الموجي في هذا الموضوع، في لقاء مطول معه قبل وفاته بأشهر (توفي محمد الموجي يوم (1994-6-16). فاعترف لي بأنه شعر بحرج شديد في أثناء استماعه إلى أم كلثوم تغني “اسأل روحك” في تلك الليلة.وتلقى في اليوم التالي مخابرة هاتفية من محمد عبد الوهاب يعاتبه فيها بشدة قائلا:

ماذا فعلت بالست يا محمد؟ لماذا وضعت لها اللحن على درجة عالية (وهنا ذكر لي النوتة الموسيقية الأصلية الذي ارتكز إليها اللحن في تسجيله الأول) ألم تلحظ أن صوتها لم يعد قادرا على الغناء من تلك النغمة العالية ؟

وهنا، سأل الموجي، وقد زادت حيرته:

ماذا أفعل يا أستاذ ؟

فرد عبد الوهاب بسرعة: اخفض لها الطبقة (وذكر لي الأستاذ الموجي النوتة التي اقترح عبد الوهاب أن يرتكز إليها اللحن).

ولم يكتف الموجي برواية تلك التفاصيل الهامة، ولكنه علق بحديث طويل عن الأخلاق الفنية الرفيعة التي كانت تحكم فناني ذلك الجيل، قائلا: “لقد كان عبد الوهاب يتحدث بحرقة شديدة، وحرص على أن لا يتعرض صوت فنانة عظيمة كأم كلثوم، إلى الإحراج الفني الذي تعرضت له في التسجيل الأول لأسأل روحك، ولم يكن حرصه على نجاح لحني بأقل من حرصه على صوت أم كلثوم”.

والذي حدث بعد ذلك أن أغنيات أم كلثوم التالية أصبحت ترتكز إلى نوط موسيقية منخفضة، مع ما يفرزه ذلك من اختفاء كبير، وأحيانا كلي، للمعان والبريق الذي لم يعد موجودا في أوتار صوتها، في تلك السن المتقدمة، إلا بالحد الأدنى.

ومع كل الحرص الذي مارسه كل ملحنيها (بعد اسأل روحك)، فان تلك الليلة قد دقت ناقوس الخطر بغير جدال، أشبه بصافرة القطار التي تعلن قرب الوصول إلى المحطة النهائية.

غير أن القدر، كان يخبئ لأم كلثوم صدمة أخرى في العام 1970، بعد صدمتها الفنية الكبرى في اليوم الأول من ذلك العام.

ففي شهر سبتمبر/أيلول، انتقلت أم كلثوم إلى موسكو، في ثاني محطة أوروبية لحفلات المجهود الحربي (بعد محطة باريس في العام 1967). غير أن خبر وفاة جمال عبد الناصر نزل عليها كالصاعقة قبل موعد أولى الحفلتين المقررتين، فكان القرار البديهي بإلغاء الحفلتين، وبالعودة فورا إلى أرض الوطن.

ولقد أتيح لي في أحد أيام يناير/كانون الثاني من العام 2002، أن أستمع بمحض الصدفة إلى مقابلة شيقة لمصور النجوم فاروق إبراهيم (الذي كان مصورا خاصا لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ) لمحطة دبي الفضائية، روى فيها تفاصيل تلك المرحلة، عارضا صورة غير منشورة سابقا لأم كلثوم وهي متشحة بالسواد، والدموع تنساب على خديها، على أثر سماع خبر رحيل عبد الناصر. غير أن النقطة الأهم في رواية فاروق إبراهيم، أن أم كلثوم أعلنت للوفد الصحافي المصري الذي كان يرافقها في رحلة العودة إلى القاهرة، أنها قررت اعتزال الغناء نهائيا. ثم يفسر فاروق إبراهيم سبب عودتها عن هذا القرار: لقد ضغطوا عليها من أعلى موقع في القيادة السياسية، على أساس أنها لم تكن تغني لشخص، مهما علا قدره، وإنما للوطن والناس، لذلك لا يجوز لها أن تعتزل.

وبالفعل، فقد انقطعت أم كلثوم عن الغناء حتى آخر ذلك العام (باستثناء قصيدة نزار قباني في رثاء عبد الناصر: “عندي خطاب عاجل إليك”، التي لحنها السنباطي وغنتها أم كلثوم في مطلع شهر أكتوبر 1970).

إن من يستمع إلى تسجيل لهذه الأغنية التي أذيعت مرات قليلة ثم انقطعت إذاعتها نهائيا، يكتشف أنها ليست من قصائد نزار قباني المرشحة للبقاء، ولا من ألحان رياض السنباطي المرشحة للبقاء، لأنها في الغالب كتبت ولحنت في يوم واحد للمناسبة المفاجئة. غير أن ما هو أهم من الشعر واللحن في هذه القصيدة، ملاحظة صوت أم كلثوم وأدائها، اللذين كانا يحملان كل أحزان العمر، وكل شيخوخة الصوت، فاختلط العام بالخاص مرة أخرى في فن أم كلثوم. ولكن شيئا آخر يمكن ملاحظته أيضا عند الاستماع بعمق إلى صوتها وأدائها في هذه الأغنية، وهو أنها سجلتها وكأنها كانت ما تزال مصرة على قرار الاعتزال النهائي للغناء، فاكتست حنجرتها، إضافة إلى أحزان المناسبة، بحزن آخر كأنها تنشد أنشودة الوداع لعمرها الفني وكل أمجادها وجماهيرها العريضة.

بعد هذه الأغنية تأخرت بداية موسم أم كلثوم من الموعد السنوي (أول خميس من نوفمبر) إلى أول خميس من يناير/كانون الثاني 1971، وربما كانت فترة الشهور الثلاثة هذه، هي التي استغرقتها عملية الشد والجذب بين أم كلثوم والسلطة السياسية العليا لإعادتها عن قرار الاعتزال.

حفلة العودة إلى الغناء كان قوامها وصلتان (وهو النظام الجديد لحفلات أم كلثوم في سنواتها الأخيرة كما أشرنا سابقا) قدمت في أولاها لأول مرة لحن بليغ حمدي “الحب كله”، وهو آخر ما غنت من ألحانه على المسرح، لأن لحنه الأخير لها “حكم علينا الهوى” تم تسجيله على اسطوانة في إبريل/نيسان 1973، بعد ثلاثة أشهر من انقطاعها عن الغناء، وهو الانقطاع الذي سيمتد حتى وفاتها.

أما الوصلة الثانية في حفلة العودة إلى الغناء، فقد شهدت حدثا دراميا لا مثيل له في ما سبق أو لحق من حفلات أم كلثوم. كانت أغنية الوصلة الثانية “دارت الأيام، آخر ما لحن لها عبد الوهاب قبل رحيل عبد الناصر. ويلاحظ من يستمع الآن إلى تسجيل تلك الحفلة (كانت تغني اللحن للمرة السادسة، منها مرة واحدة في لبنان في مهرجانات بعلبك، صيف 1970)، أن صوتها كان يحمل جرعة كثيفة من الشجن المركز، ليس فقط في المقاطع الأولى المشبعة بمقام الهزام الشجي بطبيعته، بل حتى في المقطع الثاني من الأغنية الموزع بين مقامي النهوند والراست (وصفولي الصبر، وعيني عالعاشقين) والذي لا يخلو بطبيعته، وكما في التسجيلات السابقة، من مسحة من السعادة والمرح الطروب. غير أن المفاجأة بقيت مؤجلة إلى المقطع الثالث الذي يستعيد مطلعه عبارة “ودارت الأيام، ومرت الأيام”.

هذا المقطع الأخير في الأغنية، هو الخلاصة السعيدة، في الكلام واللحن، لأنه يعلن أن الأيام دارت لتنهي معها أحزان الحب وتبدأ أفراح الحب:

وهل الفجر، بعد الهجر

بلونه الوردي بيصبح

ونور الصبح صحى الفرح

وقال للحب قوم نفرح

من فرحتي، تهت مع الفرحة

من فرحتي، لا بنام ولا بصحى

وبديهي أن عبد الوهاب ألبس هذا الشعر الذي يقفز بالفرحة، في معناه وفي مبناه، لحنا مناسبا يفيض بالسعادة الغامرة.

غير أن كلام المقطع كان في واد، وعواطف أم كلثوم وحالتها النفسية في واد آخر، في ذلك التسجيل بالذات، فعند الترداد الثاني لعبارة «ومرت الأيام» بدأ التشنج يسيطر على صوتها، فراحت تردد الكلام بصوت متهدج متقطع، يسيطر عليه نشاز واضح (نادر حتى في تسجيلات أم كلثوم الأخيرة)، ويختلط البكاء بالغناء، بعد أن راحت تشدد على المطلع المرسل (غير الموقع) وتستعير له كلمة أه، وتطيل الآه وتمدها في تعبير مباشر جدا عن وجع نفسي وجسدي (بعكس المعنى الشعري والنفسي الذي يحمله المقطع كلاما ولحنا)، بل إن هذا التشنج في الغناء والحشرجة، كان يقطعها أحيانا توقف كامل (لدقيقة كاملة أحيانا) يتخلله تصفيق شديد من الجمهور الذي كان (على ما يبدو حتى في الشريط الصوتي) يشاهد الدموع في عيني أم كلثوم، فيتجاوب معها ليس بتحيتها فقط بل بمشاركتها النشيج بصوت مسموع. وتسيطر هذه الحالة على أداء أم كلثوم بشكل لم يسبق له مثيل في غنائها، طيلة ثلاث وعشرين دقيقة. ومن الواضح أنه في حال وجود تسجيل مصور بالفيديو لهذه الحفلة، فان بالإمكان استيضاح المزيد من التفاصيل المرئية عن ذلك الموقف الفريد في حياة أم كلثوم.

على أي حال لم يكن هذا المشهد، سوى افتتاح للسنتين الأخيرتين في حياة أم كلثوم الفنية، وهما السنتان اللتان بدأت فيهما حفلاتها الشهرية تقدم بشكل متقطع، بسبب الحالة النفسية، وربما بداية زحف المرض. ففي العام 1971 ألغيت حفلتا مارس وإبريل/آذار ونيسان، وتأخر افتتاح الموسم التالي 72/71 إلى الشهر الأول من العام 1972 أي بتأخير شهرين، (قدمت أم كلثوم حفلتين في الإمارات في ديسمبر/كانون الأول 1971)، وفي العام التالي (1972) ألغيت حفلتا فبراير ومارس/ شباط وآذار.

الصدام مع جيهان

غير أن طارئا جديدا فاجأ أم كلثوم وهي في تلك الظروف العامة والخاصة البالغة الصعوبة والقسوة. ففيما بقيت علاقة أم كلثوم بجماهيرها في مصر والبلاد العربية، وكل بقعة في العالم يعيش فيها مواطنون من أصول عربية، علاقة حارة من البداية إلى النهاية (بل إلى ما بعد النهاية) فان صداما محتما على ما يبدو حصل بينها وبين حرم الرئيس أنور السادات (السيدة جيهان) جاء يتحدى قدرة أم كلثوم الجبارة على مواجهة الصعاب من كل نوع. أما وجه الحتمية في مسألة الصدام، فهي أن أم كلثوم قد تحولت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وبسبب الانزواء الاجتماعي لزوجته السيدة تحية (تكاملت في ذلك طبيعتها الشخصية ورغبة الرئيس نفسه)، إلى سيدة مصر الأولى، من غير أن تكون زوجة للرئيس، بدليل أن لقبها على الصعيدين الرسمي والشعبي كان «الست». فلما انتقلت السلطة إلى الرئيس السادات، شاءت الظروف أن تكون طبيعة زوجته مفعمة بحب الظهور الاجتماعي والنشاط الاجتماعي، وبما أنه لا مجال لأن تحمل سيدتان في بلد واحد لقب «السيدة الأولى»، فقد كان الصدام حتميا لأي سبب، جديا كان هذا السبب أم تافها. ولعل أشهر رواية ترددت في هذا المجال أن أم كلثوم أرادت في إحدى لقاءاتها بالسادات ممازحته (كعادتها قبل توليه الرئاسة) بمناداته بأحد أسماء الدلع، فإذا بالسيدة جيهان هي التي تثور (وليس الرئيس) وتوجه عبارات قاسية لأم كلثوم، لم تعتد سماعها منذ أن تربعت على عرش الفن والمجتمع.

وليس صحيحا أن ذلك الصدام كان عابرا تافها، فقد بدأت الأوساط العليا في مصر، توجه ضغوطا غير مباشرة لأم كلثوم، منها التخفيف من إذاعة أغنياتها إلى درجة كبيرة، مع تكثيف غير عادي لوتيرة إذاعة أغنيات الفنانة وردة، التي كانت قد حققت نجاحات جيدة مع بليغ حمدي في تلك الأيام بعد اقترانها به، ومحاولة تلميع ياسمين الخيام، اتكاء على كونها تجمع (مثل أم كلثوم في بداياتها) بين الإنشاد الديني والغناء الدنيوي، وكانت ذروة المعركة تولي السيدة جيهان رئاسة المبرة الخيرية التي كانت تقيمها أم كلثوم.

ومع أن كل هذه الأحداث ما كان لها أن تؤثر قيد أنملة على مكانة أم كلثوم الفنية أو على جماهيريتها، فلا شك بأنها جاءت، إضافة إلى شيخوخة الصوت وشيخوخة الصحة، والأجواء العامة الضاغطة منذ نكسة حزيران 1967، تعجل خطى أم كلثوم في رحلة الغروب.

ومع أن آخر حفلات أم كلثوم كانت في الشهر الأول من العام 1973، ووفاتها في الشهر الثاني من العام 1975، فقد مرت هاتان السنتان الأخيرتان والأمل ما زال يحدو جمهور أم كلثوم أن يكون ما أصابها مجرد وعكة صحية عابرة، لا تلبث أن تبل منها، وتعود إلى مواصلة الغناء.

غير أن الأحداث الفنية الأخيرة في حياة أم كلثوم انحصرت في ثلاثة ألحان الأول لملحنها المفضل رياض السنباطي، والثاني لمحمد عبد الوهاب، الملحن الذي وسع نطاق جمهورها بطريقة لم تبق أي مواطن عربي (مهما كان سنه وذوقه) خارج إطار مستمعي أم كلثوم،والثالث لبليغ حمدي أصغر الملحنين سنا، الذي أعطته فرصة عمره الذهبية وهو في بداية صعوده الفني.

ففي اليوم الرابع من مطلع العام 1973 (يناير/كانون الثاني) وقفت أم كلثوم لآخر مرة على المسرح في سينما قصر النيل بالقاهرة، الذي كان مسرحها المفضل في العقد الأخير من حياتها الفنية، تغني لحن عبد الوهاب الأخير «ليلة حب» للمرة الثانية، وعلى مدى زمني لا يشير أبدا إلى أنها ستكون حفلتها الأخيرة، وهو ساعتين إلا خمس دقائق (115 دقيقة)، ثم أنشدت في الوصلة الثانية لحن السنباطي الصوفي «القلب يعشق كل جميل» في إحدى وخمسين دقيقة، هي آخر عهدها بالغناء الحي على المسرح، وكأنها كانت بأغنيتها الأخيرة هذه تودع رفيق عمرها رياض السنباطي الوداع الأخير، وتناجي ربها الذي ربما داخلها شعور لا واع بأن موعد لقائه قد أزف.

بعد ذلك، انقطعت حفلات أم كلثوم، على أن تستعاد (ولكن ذلك لم يحدث أبدا)، ولم تؤد أي عمل فني سوى قيامها في الثامن من إبريل/نيسان من العام 1973، بتسجيل آخر ألحان بليغ حمدي «حكم علينا الهوى» على اسطوانة، على أمل أن تؤديها على المسرح عندما يسمح لها وضعها الصحي. غير أن من يستمع إلى ذلك التسجيل، يحس أن تلك كانت النهاية المنطقية والمفجعة، لذلك الصوت الذي خيل لعشاقه، من شدة ما عودهم على تحدي الطبيعة وتحدي الزمن وتحدي قوانين الفتوة والشيخوخة التي تحكم الإنسان، أنه سيظل ماضيا في تحدي تلك القوانين والسنن.

وعندما حل موعد الحفلة المفترضة التالية، في أول خميس من فبراير/شباط، أعلنت الإذاعة المصرية تأجيل الحفلة للشهر القادم، ثم كان إعلان التأجيل بعد ذلك إلى أجل غير مسمى، وهنا بدأ القلق يساور الجمهور، ولكنه لم يفقد الأمل، وظلت المراجعات تنهال على إذاعة القاهرة، تسأل عن موعد الحفلة التي لم تأت.

وطالت حالة الترقب والقلق حتى مطلع العام 1975، فبدأت صحف القاهرة الكبرى تنشر أخبارا تشير إلى تحسن صحة أم كلثوم، مدعمة بتقارير طبية، ويبدو أن المرض كان قد أصاب الكلى.

في هذه الأثناء، كانت اتصالات الاطمئنان ترد من القصور الملكية والرئاسية في شتى أرجاء الوطن العربي، إضافة إلى الاتصالات الشعبية التي لم تتوقف. وقد حدث أن اتصلت إذاعة دمشق بمستشفى المعادي، الذي قضت فيه أم كلثوم أيامها الأخيرة، في محاولة للتحدث إلى زوجها وطمأنة المستمعين إلى حالتها الصحية.

ويبدو أن تحسنا طارئا في الأيام القليلة التي سبقت الوفاة، قد انتشرت أخباره بسرعة وأشاعت أملا جديدا بالشفاء، غير أنه لم يكن سوى سراب خادع، فقد تدهورت صحتها تدهورا خطيرا، حتى دخلت في الغيبوبة النهائية التي أدت إلى الوفاة مساء الثالث من فبراير/شباط 1975.

والحقيقة أن الوضع الصحي لأم كلثوم، وكثافة متابعة الناس له، قد شكل إرباكا للإعلام الرسمي في القاهرة، فكانت إذاعة القاهرة تكثر من إذاعة آخر التقارير الطبية، ومن أخبار اتصال رئيس الجمهورية بالمستشفى للاطمئنان إلى صحة أم كلثوم. وقد أحدثت الوفاة حالة من الهلع في مستشفى المعادي، شملت الأطباء والممرضين والممرضات وحتى المرضى، ورأت الدولة أن تؤجل الدفن يومين أو ثلاثة بعد وصول أنباء تدفق الوفود الرسمية من شتى البلاد العربية للمشاركة في التشييع.

لقد سجل عدد المشاركين في رحلة أم كلثوم إلى مثواها الأخير، كثافة بشرية جعلتها بين أكبر الجنازات في مصر الحديثة، بعد جنازة جمال عبد الناصر، إذ قارب عدد المشيعين (كما في جنازة الشهيد عبد المنعم رياض) نصف المليون. وكانت اليافطات والصور التي رفعت في الجنازة، تجديدا وتأكيدا لتلك الحقيقة الكبرى التي طبعت حياة أم كلثوم، حقيقة ذلك التداخل بين شخصيتها وحياتها الخاصة وقتها من جهة، وبين القيم الثقافية والوجدانية العامة لجموع الناس من كل الطبقات من جهة ثانية، وهي حقيقة لم تكن نابعة فقط من رفعة نتاجها الفني وشموله وعمقه، بل من تركيبتها الإنسانية أيضا. ولعل أغنى المظاهر كثافة بالمعاني في جنازتها، صورتها العملاقة التي رفعتها الجماهير، وقد كتبت عليها عبارة «شهيدة العشق الإلهي»، في تداخل واضح في وجدان الناس بين رابعة العدوية وأم كلثوم.

إلياس سحاب

back to top