الروائي أحمد صبري أبو الفتوح: مصر تعاني القهر منذ آلاف السنين
بعد فوزه بجائزة ساويرس لأفضل عمل روائي فئة كبار الأدباء عن رواية «ملحمة السراسوة... جزء الخروج» وقيمتها 100 ألف جنيه، يستعد الروائي المصري أحمد صبري أبو الفتوح لإصدار جزء جديد بعنوان «شياطين وملائكة».لا يسرد أبو الفتوح في «ملحمة السراسوة» مجرد تاريخ عائلة، لكنه يحكي تاريخ مصر على مدار قرنين، عاصرت خلالهما هذه العائلة الأحداث الكبيرة، وكانت محظوظة بأن أحد أبنائها لديه موهبة الكتابة ليسجّل تاريخها أو ربما يسجّل تاريخ الوطن، الذي لم ينتبه إليه المؤرّخون.
• أجريت المقابلة قبل بدء التظاهرات في الشارع المصري. هل تعتبر عملك الأخير «ملحمة السراسوة} رواية تاريخية؟«ملحمة السراسوة» ليست رواية تاريخية، لكنها تحكي تاريخ أسرة على مدى قرنين، حاولت أن أسجل فيها متى بدأ المصري يشعر بهويته ومصريته، لذا قرأت كثيراً من الكتب، وربما لم أترك كتاباً عن تاريخ مصر الحديث عربياً أو أجنبياً إلا وقرأته.من هم الكتاب الذين تأثرت بهم؟تأثرت بنجيب محفوظ وبتقنياته في تناول الحكاية وتتبع أسرة بأفرادها عبر مراحل زمنية وأجيال، لا سيما في ثلاثيته، واهتممت بأن أعرف كيفية كتابته الحوارات. لكن على رغم ذلك أزعم أن ثلاثية محفوظ تنقصها مسحة تشويقية، لذا تنبهت الى الأمر وحاولت إضفاء مزيد من التشويق على «السراسوة».ألم تتأثر بماركيز الذي كتب روايات ملحمية عدة؟الكتاب كلّهم تمنوا أن يكتبوا «مائة عام من العزلة» لماركيز. كتبت «السراسوة» وفي داخلي هذه الأمنية أيضاً، فقد كتب ماركيز في هذه الرواية كيف أن الجوالين سكان أميركا اللاتينية الأصليين، الذين جابوا القرى والبلاد، يحملون معهم أسطورتهم الخاصة وإصرارهم على البقاء والاستمرار على رغم وجود المستعمرين.كتب ماركيز عن أسرة رمزية تجتاز المستنقعات كي تصل إلى القرية لنرى العلاقات الوحشية والشاذة، وهذا هو شكل تكوين أميركا اللاتينية. أما في مصر فالوضع مختلف، نحن نعاني من القهر والاحتلال منذ آلاف السنين وبدأ هذا المجتمع يتشكّل ويشعر بمصريته منذ بداية تكوين مصر الحديثة والطبقة الوسطى. لماذا لم تكتب الواقعية السحرية على غرار ماركيز؟ الواقعية السحرية تناسب مجتمع أميركا اللاتينية. المستعمرون جاؤوا بثقافة أوروبية اختلطت بعنصر السكان الأصليين، لكن في مصر لدينا مستعمر يرفض الاندماج مع المصريين ومجتمع يحاول البحث عن هويته. عموماً، طرق السرد الكلاسيكية التي اتبعتها في «السراسوة» هي المناسبة لرواية تتناول تاريخ أسرة تصادف أن تكون الأحداث الكبرى في حياتها، هي الأحداث الكبرى في تاريخ الوطن.ماذا تقصد بالأحداث الكبرى؟ عندما بدأت الطبقة المتوسطة المصرية تتشكل تصادف أن يكون أحد أبناء أسرتي من بين المصريين القلائل الذين يحصلون على حق الالتزام، وهو حق لم يكن ممنوحاً للمصريين بل للماليك والجراكسة واستطاع كبار التجار المصريين ومشايخ الأزهر انتزاعه من بين براثن المماليك. عندما تحقّقت الحملة الفرنسية التي أيقظت المصريين من سباتهم وجعلتهم يدركون أن العالم تغير من حولهم، كان موسى السرسي عضواً في ديوان بونابرت، وعندما انتزع محمد علي من الطبقة المتوسطة امتيازاتها تصادف أن هذه المصيبة وقعت على هذه العائلة فنزع عنها الالتزام، وعندما أعطى محمد علي الإقطاعيات لمملوكه قفل قتلته الأسرة حفاظاً على شرفها وعرضها وأصبح أفرادها أعداء السلطة لمدة 30 - 40 سنة، وشارك بعضهم في ثورة عرابي ثم في مقاومة الاحتلال الإنكليزي. كذلك في ثورة 1919 حصل جدي على توكيلات لسعد باشا، وكان أحد أفراد أسرة والدتي من الضباط الأحرار... هكذا تكتشفين أن ثمة تماساً وتمازجاً بين الأسرة والوطن.لماذا تهتم بكتابة تاريخ أسرتك على رغم أن ثمة أسراً كثيرة تعرّضت لظروف عائلتك نفسها؟لهذه الأسرة حكاية من نوع خاص، فثمة مئات الأسر تعرّضت لأحداث كبيرة مثل أسرتي، لكن كيف حافظت عائلتي على زخم الحكاية والحدث وكيف نقلته بصورة ساحرة، هذا ما يستحق أن يسجّله التاريخ.هل أضفت وعيك وثقافتك إلى شخصياتك ليكون لديها هذا الفهم لمعنى الوطنية؟الإنسان العادي قد يكون لديه فهم وعمق أكثر من كبار المفكرين والمثقفين، لأنه بفطرته وبساطته ومعايشته للواقع يستطيع النفاذ إلى جوهر الحقيقة. هؤلاء البسطاء هم الذين آمنوا بعرابي وساندوه بأموالهم وأرواحهم، لذلك ليس غريباً أن لدى جدتي وجدي وعياً قوياً بماهية مصر، أتحدث عن موسى السرسي، أحد كبار مشايخ الأزهر، الذي وصفه الجبرتي في كتابه، والذي كان يمثل الناس عند الوالي كي يمنع عنهم الضرائب وكان لديه وعي وفهم لما يحدث وعندما اختير كعضو في ديوان بونابرت كان يعلم هدف الفرنسيين. هذه مسائل تاريخية ثابتة في كتب التاريخ.اتهمك البعض بأنك تمجّد عائلتك ولا تذكر عيوبها وأخطاءها؟لم أكتب عن أسرة مقدّسة لا أخطاء لديها. المسألة ليست هكذا، بل كان موضوع الجزء الأول تعرُّض أسرة لخطر داهم واقتلاعها من جذرها الرئيس في سرس، ثم تتوه في دروب الدلتا ويلاحقها والٍ من أعتى ولاة مصر وهو محمد علي لأن أفرادها قتلوا المملوك قفل، وتفرّ العائلة من وجه الوالي.هل المطلوب أن أقول إن هذه الأسرة تناست هذا الخطر وبدأت تظهر طبيعتها وضعفها الإنساني. في الخطر لا يظهر للإنسان سوى وجه واحد هو الحفاظ على النوع والبقاء والحياة.في الجزء الثاني، ما أن استقرت هذه الأسرة حتى بدأت تتفسخ وتنقسم وتظهر الشروخ. فالتمايز والاختلاف هما ابنا الاستقرار. وفي الجزء الثالث «أيام أخرى» تظهر الاختلافات الجذرية التي تصل إلى حرب أهلية بين أفراد العائلة. أمّا في الجزئين الرابع «شياطين وملائكة» والخامس «حكايات أول الزمان» فأكتب من دون خجل عن عمتي التي حملت سفاحاً من الطباخ، وعمي الذي كان أولاد المستأجرين كلهم يشبهونه... أكتب عن بشر من لحم ودم، عن الحياة بكل شرها وخيرها، لكني أغير في الأسماء لأن بعض الذين حكيت عنهم ما زال على قيد الحياة.لماذا بدأت كتابة الروايات متأخراً؟كل منا ابن تجربته التي لا تقاس بالسنوات بل بمدى نضجها. لا يستطيع الروائي أن يكتب إلا بعد اكتمال تجربته الحياتية، فعندما يطلق لخياله العنان يطلقه في أرض حقيقية. عندما كنت طالباً في كلية الحقوق عام 1974، كتبت عن قصة حب بين شاب وفتاة، فجاءت قصة ساذجة. عموماً، التجربة مسألة نسبية، مثلاً كافكا كتب أعمالاً رائعة وهو في سن الـ 25، لأن تجربة القهر والاضطهاد أصقلته، كذلك اكتملت تجربة ديستويفسكي وهو في بداية العشرينيات وكتب أعماله الخالدة وهو ما زال شاباً.أنا ابن فلسفة مختلطة، أنا ابن ليبرالية 19 وثورة 1952 وابن الجدلية الماركسية، ومؤمن بالمادية الجدلية والتاريخية وبالقومية العربية.