فيروز في البيال... تقول إيه في أمل

نشر في 07-10-2010 | 00:00
آخر تحديث 07-10-2010 | 00:00
تطل الفنانة اللبنانية فيروز على جمهورها من مركز «البيال» المتاخم لشاطئ بيروت، وتقدّم حفلتين (اليوم مساءً وحفلة ثانية غداً)، ذلك بعد فترة من المعمعة والأخذ والرد بين «سفيرتنا» بحسب سعيد عقل وأبناء منصور الرحباني، وبعد حملة «الحزب الفيروزي» الذي يقول إن «ورثة منصور الرحباني يريدون منع فيروزهم من الغناء». لكن في المضمر لم تكن القضية أكثر من صراع قانوني ومادي حول نصوص الأخوين الرحباني وألحانهما.

بعيداً عن تفاصيل الصراع المخجل الشبيه بالصراعات كافة في ربوع الجمهورية اللبنانية، خصوصاً أن فن «دولة الرحابنة» كان يعكس واقع هذه الجمهورية منذ أيام فخر الدين المعني حتى اليوم! ما نودّ التطرق إليه، هو معنى الحفلة في البيال وعلاقة فيروز ببيروت، بل وعلاقتها بابنها زياد الرحباني وهما يتعاونان مجدداً في أسطوانة بعنوان «إيه في أمل».

يمكن القول إن لفيروز علاقة خاصة ببيروت، فهي التي اعتبرت أحد رموز «الإيديولوجيا اللبنانية»، «تناتش» اللبنانيون هذه الرمزية، فكل واحد منهم يريد توظيفها بطريقته ولطرفه، وكل فريق يحاول الاستيلاء على «رمزيتها»، أو طبعها بطابع سياسي أو إيديولوجي أو ديني أو ثقافي. وربما لم يُجمع لبنانيون كثر من فئات وبيئات مختلفة على توظيف طاقاتهم الوجدانية والتخييلية في إنشاء رمز لبناني جامع ومشترك يعرِّف بلبنان، وبهم كلبنانيين، إجماعهم على لبنانية «فيروز الرمزية». كذلك، بالغ اللبنانيون وغيرهم في الكتابة عن فيروز وصوتها، فهي «سفيرتنا الى النجوم» بحسب سعيد عقل، وهي «الظاهرة» وفي مقام «الأعجوبة»، فصوتها «يلحن اللحن» وهي «شاعرة الصوت» بحسب أنسي الحاج، و«تجعل الصحراء أصغر وتجعل القمر أكبر» بحسب الشاعر محمود درويش. هي أيضاً «خرافتنا التي نلتهمها»، على ما كتب الروائي محمد أبي سمرا، و{الصوت على نحو ما هو المسيح الكلمة» على حدّ قول الباحث وضاح شرارة.

كان المثقفون العرب واللبنانيون الشغوفون بالأغنية الرحبانية يجدون في فيروز موسيقى حياتهم الخاصة، بل يجدون فيها تقريباً، إيقاع أيامهم الفعلي، وأمسى صوتها «إنجيل المثقفين اللبنانيين»، وبرزت أخيراً الكتابة الثقافية من نوع خاص عن فيروز ومشوارها الفني، الى حدّ أن أحدهم همّش دور الأخوين واعتبر فيروز هي الأساس و{الظاهرة».

فيروز بحسب جمهورها، رفضت الغناء خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وجمَّدت عملها كي لا تُحسب على أحد من اللبنانيين المنقسمين بين طوائف وملل وجماعات متنازعة ومتحاربة، فبقيت للجميع وفوقهم. وأصرّت على الإقامة في منزلين، الأول في منطقة الرابية (شرق بيروت) حيث الأكثرية المسيحية، والثاني في الروشة (غرب بيروت) حيث الأكثرية المسلمة، كأنها تريد القول إن لبنان لا يطير إلا بجناحيه (المسلم والمسيحي). بالطبع، هذا التوصيف «الميثاقي» أشبه بإحدى مسرحيات الرحابنة، وتأويل من عنديات الكتاب الذين يحبون فيروز على هذه الصورة أو على صورة صيغة الميثاق الوطني التي وجدت مع بداية الاستقلال اللبناني. لكن، القضية أبعد من ذلك وليس المكان هو من يحدد ولاء الفنان أو توجهاته، وليس صمت فيروز في الحرب هو من يحدد موقفها، فالحرب من دون شك أسكتت كل جميل.

على أن حفلات فيروز التي قدّمتها بعد الحرب، لم تنجُ من فيضان التأويلات المغرضة، فكل حركة لفيروز تُحمَّل أكثر مما تحتمل، أو يُنظر إليها على أنها أبعد من كونها أمسيات طربية وموسيقية، فعندما أعلنت أنها ستغني في وسط بيروت عام 1994، اعترض بعض الجمهور على أن تغني بدعوة من شركة سوليدير لأنها بذلك ستبدو أنها تبارك مشروع الرئيس الراحل رفيق الحريري، ووزعت «دار الجديد» اللبنانية عبارة «قولي لا للملك». لكن، أنصار هذا الاعتراض سرعان ما أصبحوا من ضمن رواد سوليدير وهم يعترضون على أمور أخرى اليوم.

عندما عادت فيروز الى مهرجانات بعلبك الدولية عام 1998 بعد غياب 24 سنة، صعد رئيس الجمهورية الراحل الياس الهراوي إلى المسرح ليهنئ فيروز ويصرّح بأن «مع نجاح فيروز سيأتي نجاح لبنان»، ولم تكن تلك الحفلة أكثر من «حنين جنائزي» الى لبنان الأيام الغابرة والمجد الغابر في الستينات ومنتصف السبعينات، أيام «البحبوحة» والطفرة المالية والأحلام الكبيرة، قبل أن تأتي الأعاصير الإيديولوجية وتلتهم الجمهورية التي وُصفت مجازاً بـ{سويسرا الشرق»، ولم تكن في الواقع أكثر من «جمهورية قش».

أما بعلبك، التي كانت عنوان مرحلة ثقافية زاهرة في الستينات، فلم تكن بعد عودة فيروز إليها في نهاية التسعينات من القرن الماضي، أكثر من مدينة بأدراج ذاكرة يلفها البؤس والحرمان وتحكمها أعلام إيديولوجية ومنطق عشائري. حتى أن فيروز في حفلتها الأخيرة هناك قدمت أغانيها «بلاي باك»، ما اعتبره الجمهور خداعاً لهم ولحبّهم لها.

فيروز التي يُحاك سجال كبير حول حفلاتها وشخصيتها، تبقى صامتة غالباً، لا تجيد الحديث الى الصحف ووسائل الإعلام، وحين ذهبت إلى دمشق لتقديم مسرحية «صح النوم» في ظل أزمة العلاقات السياسية بين دمشق وبيروت، انقسم أهل الثقافة و{السياسة» حول مشوارها الدمشقي بين مؤيد ومعارض (بين 8 و14 أذار). كتب بعضهم ما يشبه البيان: «فيروز لا تذهبي الى دمشق»، فردّ فريق آخر: «فيروز إذهبي الى دمشق»، على اعتبار أن صوت الفنانة اللبنانية حاضر بقوة في «الوجدان الشعبي اللبناني والسوري» ولا يمكن للسياسة أن تكون عائقاً أمامه، وعلى رغم المعمعة والقيل والقال، بقيت فيروز صامتة. وحين قدمت «صح النوم» في البيال في خضم الأزمة السياسية في لبنان، حاول بعض مثقفي المعارضة اللبنانية توظيف مغزى المسرحية في إسقاطات ساذجة على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي وُصفت بالمبتورة وغير الدستورية.

اليوم، في حفلتي البيال الجديدتين، المعمعة السياسية غائبة، لكن ربما نشهد قولاً من بعض جمهورها ومثقفيها وكتبة أخبارها، بـ{انتصار» فيروز على من يريد منعها من الغناء (هي غير ممنوعة في الأساس)، واعتبار أن مشكلتها مع ورثة منصور «شكلت حافزاً وتحدياً أثمرا إطلالة جديدة» (يذكرنا منطق بعض كتبة أخبار فيروز بمنطق «حزب الله» اللبناني وحديثه عن معنويات مقاومته).

يُذكر أنه منذ الإعلان عن حفلتي فيروز أخذت الشائعات تلاحقها، وأولها أن التذاكر قد نفدت، إلا أن ريما ابنتها نفت هذه الشائعة عبر صفحتها الخاصة على موقع الـ{فيسبوك» بعنوان «راح نبقى سوا». أما الشائعة الثانية فتقول إن فيروز ستقدم حفلة ثالثة، لذا احتشد الجمهور وكأنه في تظاهرة أمام مراكز بيع البطاقات ومن بينها «الفيرجين» في بيروت، وكان همّه شراء التذاكر قبل نفادها، وقد كُتب الكثير عن هذا الحدث...

أسطوانة

اللافت في حفلتي البيال، أنهما ستأتيان مترافقتين مع إطلاق أسطوانة جديدة لفيروز بعنوان «إيه في أمل»، من تأليف زياد الرحباني وألحانه وتــوزيعه، ومن إنتاج شركة «فيـروز بــرودكشن». مـــن بين أغاني الأسطوانة التي ينتظرها عشاق فيروز وزياد: «قال قايل»، «الله كبير»، «قصة زغيري كتير»، «إيه في أمل»، «ما شاورت حالي»، «كل ما الحكي»... إضافة الى مقـطوعتين موسيقـيتين. وتأتي هذه الأسطوانة بعد «معمعة» من نوع آخر، تقول إن فيروز، وعلى رغم حجمها الفني والطربي، لا تجد من ينتج لها أغانيها، وهذا أمر تحدّث عنه كثيراً ابنها زياد الذي كان ينتقد بشدة الشركات الإنتاجية، خصوصاً «روتانا».

وكانت فيروز قدّمت ألبومها الجديد الى الإذاعة السورية. وتردد أنها تقاضت ثمناً باهظاً مقابل إعطاء هذه الأغاني حصرياً للإذاعة السورية، ويقول البعض إن فيروز ردت الجميل الى تلك الإذاعة التي بقيت على مدى أكثر من ثلاثة عقود تبث أغانيها على مدى ساعة كل صباح.

فيروز، في تعاونها مع زياد في البيال، يمكن وصفها بأنها تتابع مشوار ما يمكن تسميته بـ«فيروز الثانية»، فهي افترقت عن عاصي عام 1980، فتولى ابنها زياد إدارة أعمالها وتوزيع أغانيها، بأسلوب حافظ على النكهة الرحبانية ولكنه طعّمها بأساليب الجاز وتقنيات غربية، ونكهة شبابية وميدانية واقعية.

دخل زياد ميدان الرحابنة بعد «المحطة» عندما تعرّض عاصي لأزمة صحية، وعانت فيروز من العياء ودخلا معاً الى المستشفى. إنها تلك الفترة التي دخل فيها زياد عالم فيروز بأغنية «سـألوني الناس». آنذاك تحولت فيروز في عيون بعض النقاد من أم زياد البيولوجية إلى ابنته الفنيّة، بمعنى ما «مشتغلة في مشروعه الموسيقي». على أن زياد أبعد فيروز عن جذورها وأحلامها وبرجها العاجي، وقدمها كفنانة تغني الكلام العادي واليومي بعدما كانت تغني الأحلام والفضاءات غير المحسوسة. وخرجت مفردات زياد عن معجم الأخوين رحباني وقدمت تجديداً على مستوى مشهديّة الأُغنية أيضاً.

وداع الأغنية

سيذهب كثر لسماع فيروز في البيال، في زمن تشهد بيروت ولبنان والعالم تحوّلات صعبة في مجال الأغاني والميديا والصورة والمزاج والذائقة، فالنافل أن إطلاق الأخوين رحباني أعمالهما الغنائية بصوت فيروز تزامن مع توسّع موجات البث الإذاعي وشيوع الراديو (الترانزستر) والكاسيت على نطاق واسع في البلدان العربية. واليوم، مع سيطرة الصور التلفزيونية والأغاني المصوّرة (الفيديو كليب)، تجاوزت فيروز السبعين من العمر. على أن صوتها الأثيري العتيق، لا يزال يبعث بعض الأمل لدى جمهور عريض من المخضرمين، لكن هذا المشهد الحنيني والطربي يبدو كأنه «حضارة في طريق الزوال» كما عنون الراحل أنيس فريحة كتابه، فمع هجمة الاستهلاك والأغاني الهابطة بدأ كل شي يغير واجهته، من المقاهي الى المسارح الى صالات السينما، وحتى الفلكلور الذي ساهم الرحابنة في إدخاله حيّز المدينة بات يوظَّف في أغانٍ بائسة من نوع آخر.

فيروز ستغني في بيروت التي أصبحت بفضل الأحلام الكبيرة والثوار كأي عاصمة عربية متخمة بالبؤس والتحولات، وسكانها رهن بالأحداث العالمية، يعيشون القلق والهواجس اليومية. بمعنى آخر، باتت التصريحات السياسية والحزبية ومفرقعات القادة أكثر حضوراً من الأصوات الطربية، كأن فيروز ما عادت تغني إلا في الذاكرة. والسؤال هل ستغني فيروز ابنها أم الأخوين؟

back to top