أمينة زيدان: مستقبل الرواية العربيّة بين يدي المرأة

نشر في 22-12-2010 | 00:00
آخر تحديث 22-12-2010 | 00:00
أمينة زيدان روائية مصرية مسكونة بالفاجعة ولا يبارح الماضي ذاكرتها، فهي وُلدت في السويس قبل عام من هزيمة 1967 وشاهدت في طفولتها المبكرة المدينة وقد أضحت ملعباً للأشباح بعد هجرة أهلها بسبب النكبة، وظل صوت محمد حمام الشجي يتردد في أعماقها «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي».

عن تلك الأيام وعالمها الروائي يدور الحوار التالي معها.

ما الذي علق في قلبك من سنوات طفولتك في السويس؟

ذكريات أليمة وجميلة وصعبة. للأسف، السويس التي أردت الاحتفاظ بها في وجداني لم تعد موجودة اليوم بفعل التغييرات التي لحقت بالمدينة وأهلها، وهذا ما حاولت رصده في روايتي «نبيذ أحمر»، إذ كنت أراها مدينة مثالية نظراً إلى تاريخها العريق والآثار الفرعونية والإسلامية التي تزخر بها فضلاً عن موقعها الجغرافي، لكن على رغم التضحيات التي قدّمتها دفاعاً عن الوطن إلا أنها ظُلمت كثيراً.

كيف ظُلمت السويس ومَن ظلمها؟

تجاهل المسؤولون محافظة السويس مع أنه كان يمكن التعامل معها بصورة أفضل، كيف يسمح هؤلاء بهذا البناء العشوائي، وكيف يُترك أبطال السويس الذين دافعوا عنها وحرروها من اليهود وتحملوا وطأة سنوات الاحتلال؟ من يعرفهم؟ ما هي أحوالهم المعيشية؟ لا أحد يعرف... هم يعانون شظف العيش ولا تلتفت الدولة إليهم، بالتالي كيف أقنع الأجيال الجديدة بقيمة المقاومة وبنموذج الأبطال الفدائيين في زمن العزة وزمن قرأت مصر كلها للأبنودي «وجود على الشط» وغنت مع محمد حمام «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي»؟

قلت يوماً إن الكتابة تصنع الثورات، بأي معنى؟

بمعنى أن الكتابة الجادة ذات الرسالة تحدث مع مرور الوقت ثورة عقلية أي تطوير وعي الناس، ثورة على الجمود الفكري، ثورة بمعنى التنوير والتذكير للعقل العربي.

إذاً، الكتابة اليوم في واقعنا العربي «حرث في الماء».

لا أوافق على هذا الطرح لأن مردود الكتابة ليس سريعاً بل يحتاج إلى مزيد من الوقت ليحدث أثره، لا سيما إن كانت كتابة جادة ولها رسالة جادة، ثم لا يمكننا أن نحمّل الكتابة وحدها مسؤولية الثورة الفكرية والنهضة إنما يجب أن يتمّ ذلك في إطار نهضة شاملة تكون الكتابة جزءاً منها ووسيلة مهمة لتغيير المجتمع.

«مسكونة أنت بالفجيعة» هكذا وصفك أحد النقاد، هل أنت كذلك؟

كنت فعلاً كذلك وأنا صغيرة، وقد ارتبط ذلك عندي بهزيمة يونيو 1967 وتداعيات حرب 1973 لكني استمرأت الفجيعة بعدما أصبحت حدثاً يومياً.

لماذا استمرت الفجيعة من هزيمة يونيو إلى ما بعد 1973؟

كنا ننتظر طوال سنوات الهزيمة الحرب ونحلم بالعودة إلى بيوت السويس وحواريها ونستعيد تفاصيل حياتنا الجميلة هناك. أقول بصدق إن الحماسة والقوة وحتى أرواح الشهداء التي بذلت في حرب أكتوبر 1973 كانت أعظم بكثير مما حدث للسويس بعد النصر، بتعبير الأستاذ هيكل: «لقد خذلت السياسة السلام»، وأقول: «لقد خذلت السياسة الجندي البسيط، الجنود الذين انتصروا، الجندي الذي استشهد».

«هكذا يعبثون»، «نبيذ أحمر»، «شهوة الصمت»، ما الفكرة المشتركة في رواياتك الثلاث؟

رصد التغييرات التي طرأت على المجتمع منذ ثورة 1952 لغاية اليوم، وقد اتخذت حركة هذه التغييرات خطاً بيانياً هابطاً لأن الجيل الذي عاش تلك الفترة هو جيل مصدوم من كمّ الإحباطات التي تعرّض لها.

كيف ترين العلاقة بين السلطة والأدب؟

ثمة تجاهل متعمّد ورغبة حقيقية لدى السلطة في تضييق الخناق على الأدباء. نحن إحدى الدول التي تتحكم فيها المؤسسة بالأنشطة الثقافية، في حين أن هذه الأخيرة في كثير من دول العالم من اختصاص المؤسسات المدنية لا رسمية.

من جهة أخرى، العلاقة بين السلطة والمثقف عموماً غامضة وغير مفهومة، إذ يتحوّل المثقف ويتغير موقفه من السلطة في لحظة واحدة تبعاً لتوافقات ومصالح معينة وأحياناً يسعى إلى العمل لديها وفي خدمتها.

ما علاقتك بالأديب العالمي نجيب محفوظ؟

علاقة قدرية... سلمني نجيب محفوظ أول جائزة نلتها عن مجموعتي القصصية «حدث سراً» (1997)، وبعد 14 عاماً نلت جائزته. الحقيقة أنني أتساءل دائماً: كيف أبدع محفوظ هذا الإبداع الرائع لا سيما في تقنية كتابته الرواية حين دمج التاريخ بالفلسفة والتراث والسياسة في رواية واحدة، وثلاثيته الشهيرة مثلاً هي بمثابة تأريخ لمدينة القاهرة، وهذا ما حاولت تحقيقه في رواية «نبيذ أحمر» عبر تأريخ مدينة السويس، ومع الفارق طبعاً.

قلت إن مستقبل الرواية العربية بين يدي المرأة، ما دليلك على ذلك؟

أنا مصرّة على قولي، لنقارن بين كتابة الرجل وكتابة المرأة اليوم ومسألة التقييم نتركها للقارئ، فالمرأة المبدعة تكتب الأدب والتاريخ وتصنع حضارة وتصنع الكاتب الرجل نفسه، لديها التجديد والبناء الروائي المتماسك.

يتهم النقاد الأدب النسوي بتمحوره حول الذات والجنس، ما رأيك؟

هذه ليست تهمة ندافع عنها، فالحياة بكل صورها تدور حول الذات والجنس، لكن الأخطر والأسوأ أن تتهم رواية ما بأنها رواية «بورنو» فتُدمّر وكاتبتها في مجتمعاتنا العربية.

رواية تحلمين بكتابتها؟

الرواية التاريخية لا سيما الفرعونية أسوة بأستاذي نجيب محفوظ.

الراوية العربية إلى أين؟

ستعتلي المشهد الإبداعي العربي بأسره في السنوات الثلاث المقبلة، وستصبح الشكل المعرفي الأكثر رواجاً وتأثيراً، وتزخر بالمعلومات بشكل سردي فني بعيداً عن المباشرة، ولا أبالغ إذا قلت إن الرواية المعرفية ستصبح سيدة المشهد الروائي العربي.

back to top