الفجر الجديد في كولومبيا

نشر في 09-09-2010 | 00:01
آخر تحديث 09-09-2010 | 00:01
 شلومو بن عامي لقد ظلت كولومبيا لفترة طويلة تطل على العالم في هيئة دولة مدمنة على العنف، وذلك بعد انزلاقها في ستينيات القرن العشرين إلى صراع مسلح طويل ضد المليشيات المسلحة الأشد وحشية على الإطلاق، ووقوعها رهينة لأباطرة المخدرات الذين حولوا المناطق الريفية الشاسعة في البلاد إلى إقطاعيات للجريمة والفظائع التي لا توصف. ولكن الحال تبدلت الآن.

والمفارقة الكولومبية هنا هي أن العنف واقتصاد المخدرات نجحا في التعايش مع واحد من أقدم التقاليد الدستورية وأكثرها أصالة في أميركا اللاتينية. ورغم ذلك فشلت سلسلة طويلة من الرؤساء في حل هذه المفارقة. وكانت إدارة الرئيس ألفارو أوريبي- 2002-2010- التي اتسمت بقدر غير عادي من الفعالية هي التي تمكنت من إحداث الفارق في النهاية.

لقد نجح الرئيس أوريبي بثباته الذي لا يتزعزع وإصراره على فرض سياسة "الأمن الديمقراطي"- رغم الانتقادات الشديدة المبررة للعيوب التي شابت هذه السياسة من جانب جماعات حقوق الإنسان- في تغيير مسار كولومبيا وصورتها الذاتية الوطنية جذريا. فقد تقلصت أعمال العنف بشكل ملموس بعد حل القوات شبه العسكرية المنتمية إلى جناح اليمين، والقضاء على مقاتلي القوات المسلحة الثورية الكولومبية اليسارية في المعركة وقطع رأس قياداتها. ومنذ عام 2002 انخفض معدل جرائم القتل في كولومبيا إلى النصف تقريباً، بعد أن ظل لأعوام من بين أعلى المعدلات على مستوى العالم.

ولم تعد كولومبيا فضلاً عن ذلك حاملة الميدالية الذهبية على مستوى العالم في إنتاج الكوكايين. فطبقاً لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، بلغ إنتاج كولومبيا من الكوكايين الآن أدنى مستوياته منذ عام 2000. وفي عام 2009 وحده أزالت الحكومة أكثر من 165 ألف هكتار من مزارع الكوكا.

ولعل رئيس كولومبيا الجديد خوان مانويل سانتوس، الذي كان مسؤولاً بوصفه وزيراً للدفاع في حكومة أوريبي الثانية عن أعظم الأعمال البطولية التي نفذها الجيش ضد القوات المسلحة الثورية الكولومبية، هو الأفضل تجهيزاً واستعداداً للبناء على هذا النجاح. والواقع أن هذا الرجل الذي يتمتع بخبرة اقتصادية وتاريخ وزاري لا تشوبه شائبة، ورجل الدولة الذي صنع السلام مع فنزويلا في غضون ثلاثة أيام فقط من توليه لمنصبه، فعمل بذلك على تجنيب بلاده الحرب وأتاح لها فرصاً اقتصادية وتجاريه هائلة، عازم على تحويل مسار كولومبيا من الصراع إلى السلام.

ولكن لا ينبغي لنا أن نتوقع من سانتوس أن يكون أكثر ليناً من أوريبي في التعامل مع المسائل الأمنية. وما لم تتخل القوات المسلحة الثورية الكولومبية عن الكفاح المسلح، فلن تسنح أي فرصة لمفاوضات السلام. ورغم ذلك فإن سانتوس عاقد العزم على التحول عن تأكيد أوريبي على "الأمن الديمقراطي" نحو التأكيد على "الازدهار الديمقراطي"- وهو التحول الذي يتعين علينا أن ننسب إلى أوريبي الفضل في تحقيقه. فعلى مدى رئاسة أوريبي تزايد الاستثمار الأجنبي بنسبة 50 في المئة وبلغ متوسط النمو الاقتصادي السنوي 4 في المئة.

ورغم ذلك فإن رئاسة سانتوس "المدنية" تواجه تحديات لا تقل صعوبة عن الحرب ضد المليشيات. ففي ظل التنوع الجغرافي والمساحة الهائلة التي تبلغ 1.2 مليون كيلومتر مربع، فإن البنية الأساسية الهزيلة إلى حد كبير في كولومبيا تشكل عائقاً للتنمية الاقتصادية لا يقل خطورة عن ضعف الأمن. وللحد من مستويات الفقر المروعة في البلاد سيكون لزاماً على سانتوس أن يركز على خطة طموحة لتحسين البنية الأساسية، وتحديث الزراعة والتعدين، وبناء المساكن، والاستعانة بتكنولوجيات جديدة.

وثمة هدف رئيسي آخر يتلخص في إيجاد حل لمفارقة أخرى؛ ذلك أن كولومبيا، الحليف الأقوى والأكثر إخلاصاً للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، وثالث أكبر المتلقين للمساعدات الأميركية- بعد إسرائيل ومصر- فشلت حتى الآن في إقناع الكونغرس الأميركي بالتوقيع على ذلك النوع من اتفاقيات التجارة الحرة التي وقعتها الولايات المتحدة مع بلدان أخرى في القارة.

والواقع أن القدر الأعظم من المعارضة في الكونغرس نابع من مخاوف بشأن تدفق السلع الكولومبية المتدنية السعر إلى البلاد، وهو الأمر الذي قد يكلف الولايات المتحدة العديد من الوظائف. وهي مخاوف مشروعة، ولكن علاجها أمر ممكن من خلال المفاوضات الحريصة المتأنية. ومن هنا فإن معارضي كولومبيا يفضلون تركيز انتقاداتهم على انتهاك حقوق الإنسان في سياق الحرب التي تخوضها الحكومة ضد المتمردين. ومن بين الأمور الحساسة بصورة خاصة في هذا السياق عمليات القتل الموجهة للقيادات النقابية.

والواقع أن العديد من انتهاكات حقوق الإنسان وقعت في كولومبيا. وكانت أبشع تلك الانتهاكات قتل قوات الجيش للآلاف من المدنيين الأبرياء لتقديم هذه الوفيات باعتبارها خسائر في الأرواح بين صفوف القوات المسلحة الثورية الكولومبية، ولكن الغلبة كانت لحكم القانون في النهاية. فبمجرد اكتشاف هذه الأعمال الوحشية تعاملت الحكومة معها على وجه السرعة، ففصلت القادة المسؤولين عنها، والآن يمثل القتلة أمام محاكم مدنية.

ولايزال النقابيون عُرضة للتهديد والقتل حتى وقتنا هذا، ولكن عدد جرائم القتل من هذا النوع سجل هبوطاً بمعدل أسرع كثيراً من هبوط معدلات جرائم القتل عموماً في كولومبيا. فضلاً عن ذلك فقد أظهرت دراسة دقيقة أجراها مركز الدراسات الاقتصادية والتنموية التابع لجامعة "لوس أنديز" في بوغوتا عدم وجود أدلة تشير إلى استهداف عمليات القتل لأعضاء النقابات بشكل نظامي بسبب مشاركتهم في الأنشطة النقابية. ففي كثير من الأحوال يكون الدافع إلى قتلهم راجعاً إلى مواقفهم الإيديولوجية والسياسية، كما قد تكون الحال بالنسبة لضحايا آخرين في الصراع المسلح الذي تشهده كولومبيا.

وهذا لا يجعل عمليات القتل أكثر قبولاً بالطبع. ولكن يتعين على المشرعين في الولايات المتحدة أن يساعدوا في جعل الانحدار في أعمال العنف حقيقة دائمة لا رجعة فيها. والواقع أن اتفاقية التجارة الحرة التي تعمل على تعزيز رفاهية الشعب الكولومبي قد لا تقل فعالية عن العمليات العسكرية في الحد من أعمال العنف وتجارة المخدرات، وهي الغاية التي تظل تشكل هدفاً استراتيجية رئيسياً للولايات المتحدة.

* وزير خارجية إسرائيل الأسبق ويشغل الآن منصب نائب رئيس "مركز توليدو الدولي للسلام" في مدريد

"بروجيكت سنديكيت" بالاتفاق مع "الجريدة"

back to top