أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الشخصية (الحلقة الثامنة) القصبجي قاد مرحلة التجديد الموسيقي وجسّدها في رق الحبيب جدد زكريا أحمد شكل الطقطوقة من اللحن الواحد إلى عدة ألحان فأبدعت أم كلثوم في اللي حبك يا هناه وجمالك ربنا يزيده

نشر في 20-08-2010 | 00:00
آخر تحديث 20-08-2010 | 00:00
أما في بداية المرحلة القاهرية، التي بدت في سنتيها الأوليين استمرارا للمرحلة الريفية، فلا شك بأن الشيخ إبراهيم البلتاجي قد احتفظ بموقعه في مركز صاحب القرار الرئيسي في تحديد الاتجاه الفني لأم كلثوم، غير أن شخصيات أخرى قد برزت في حياة أم كلثوم، وراحت تشارك الشيخ إبراهيم، بنسبة أو أخرى في القرارات المتعلقة بتحديد تطور اتجاهها الفني، في مقدمة هؤلاء الشيخ مصطفى عبد الرازق (على الصعيد الاجتماعي)، والشاعر أحمد رامي (على الصعيد الشعري والثقافي العام)، والشيخ أبو العلا محمد (على الصعيد الموسيقي).

بعد ذلك بوقت قصير، انضم محمد القصبجي إلى هذه المجموعة كقائد للفرقة الموسيقية المرافقة لأم كلثوم، ثم كملحن مجدد، وجد في صوت أم كلثوم الاستثنائي فرصة عمره لإطلاق مكنوناته الموسيقية من عقالها، في ثورة تجديد عارمة سنطلع عليها بالتحليل التفصيلي في القسم الثاني من الكتاب .

ثم انضم كل من الملحنين الكبيرين داود حسني وزكريا أحمد إلى قافلة هذه الشخصيات صاحبة القرار في تحديد الاتجاه الفني لأم كلثوم، ليس فقط في مجال إبداء الرأي والنصح والإرشاد، ولكن أيضا في مجال ما يقدمونه لصوت أم كلثوم من إبداع تلحيني، كما سنرى فيما بعد.

ملحنوها الأوائل

نقول ذلك ونؤكد عليه بالتفصيل، لأننا سنلاحظ في مراحل أكثر تقدما من حياة أم كلثوم، أن تمرسها الفني وارتقاءها الاجتماعي سينضجان شخصيتها الإنسانية والفنية، إلى درجة دخولها في البداية لمشاركة أصحاب القرار في تحديد اتجاهاتها الفنية، ثم تحولها في مرحلة متقدمة إلى صاحبة الموقع الرئيسي (وأحيانا المنفرد) في اتخاذ القرارات التي تحدد ما تقدمه من شعر غنائي ومن ألحان. وهذه الظاهرة ستكون المسؤولة عن كل تفاصيل علاقاتها الفنية والإنسانية بكل من تعاونت معهم من ملحنين، بلغ عددهم طيلة حياتها الفنية أحد عشر ملحنا (إضافة إلى فريد غصن، الذي قدم لها لحنا واحدا، لم يعثر له أحد على تسجيل بصوت أم كلثوم حتى كتابة هذه السطور).

فإذا عدنا إلى رواية سيرتها الشخصية وعلاقاتها بملحنيها الثلاثة الأوائل (بعد أبو العلا محمد) على ضوء الظاهرة الأنفة الذكر، فإننا سنلاحظ أن داود حسني قد تعاون مع أم كلثوم في السنوات السبع الأخيرة من حياته (توفي في العام 1937)، فقدم لها ما يقارب الإثـني عشر لحنا، ثمانية منها على شكل الدور، وثلاثة على شكل الطقطوقة، ولحن واحد على شكل الموال المنفصل، الذي أبتدعه وطوره بشكله الجديد كشكل فني مستقل عن الوصلة الغنائية، الموسيقار والمطرب محمد عبد الوهاب.

وداود حسني هو أستاذ عدد من الفانين الذين تبوأوا مواقع متقدمة في الغناء العربي الكلاسيكي المعاصر مثل ليلى مراد ومحمد عبد المطلب وأسمهان (وهو صاحب تحويل اسمها الأصلي أمال الأطرش إلى اسمها الفني أسمهان). وهو قبل ذلك، تلميذ مباشر لعملاقي القرن التاسع عشر عبده الحامولي ومحمد عثمان، حتى أن هذا الأخير كان يجاهر بأن داود حسني هو خليفته، تقديرا لمواهبه البارزة.

إن تحليل الأعمال القليلة التي وضعها داود حسني لأم كلثوم في بداية حياتها الفنية، بينما كان هو يختم سنوات عمره وسنوات نضجه الفني،يوضح أن هذه الألحان كانت بطبيعة الحال أقرب إلى مدرسة القرن التاسع عشر، وهي بذلك كانت قريبة من المزاج الفني الذي تربت عليه أم كلثوم في مدرسة الإنشاد الديني ومع أستاذها الأول أبو العلا محمد، وإن كانت قد بدأت تقترب فيها من بدايات الكلاسيكية الجديدة في الغناء العربي، التي طبعت داود حسني بشىء من طابعها في سنواته الأخيرة، خاصة في دور “روحي وروحك في امتزاج”.

أما مع زكريا أحمد، فقد تقدمت أم كلثوم خطوات واسعة داخل الكلاسيكية العربية المعاصرة، حيث بدأ هذا الملحن المبدع، التخلص المتدرج من أجواء الألحان الخفيفة التي كان يضعها بغزارة للأصوات السابقة لعهد أم كلثوم، ويدخل، مع هذا الصوت الجديد الاستثنائي في رحاب الفن الجاد، عبر خطين فنيين متوازيين بين تطوير شكل الطقطوقة عبر الانتقال من اللحن الواحد للأغصان المختلفة، إلى تخصيص كل غصن بلحن مختلف، في طقطوقتين تاريخيتين: “إللي حبك يا هناه” و”جمالك ربنا يزيده”، وبين مجموعة الأدوار الرائعة التي وازنت بين المضمون التراثي الدسم للقرن التاسع عشر، والتطوير في الشكل الخارجي المتجدد والمتغير بين دور وآخر، في سلسلة تاريخية من الأدوار على رأسها “إمتى الهوى يجي سوا” و”عادت ليالي الهنا” و”ابتسام الزهر” و”يلي تشكي من الهوى” وسواها.

المزاج الموسيقي

أما مع محمد القصبجي فقد دخلت أم كلثوم في تجربة فنية شديدة التعقيد والخصوبة والتفرد، بما يميزها عن تجاربها الفنية مع سائر الملحنين الذين تعاملت معهم، بما في ذلك زكريا أحمد الذي زودها في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات بدرر فنية باذخة الثراء، في مرحلتي الغناء على اسطوانات مسجلة، والغناء في الحفلات الحية، كانت شديدة القرب من مزاجها الشخصي كما سنلمس في الصفحات التالية، وبما في ذلك حتى علاقتها بملحنها الأثير فيما بعد، رياض السنباطي، والأقرب إلى مزاجها الفني والأطول تعاملا معها، والأشد ارتباطا فنيا بها.

أما ملامح تفرد العلاقة بينها وبين القصبجي، فتعود إلى أسباب فنية وشخصية. فالقصبجي، كان مع محمد عبد الوهاب، في عصر ما بعد سيد درويش، أكثر المندفعين جرأة وراء هواتف التجديد في الموسيقى العربية، انطلاقا من جذروها التراثية الراسخة، وتأثرا خلاقا ومبدعا بالآفاق الواسعة للتأليف الموسيقي والخيال الموسيقي التي تنطلق فيها الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية الرفيعة، سواء في مناهجها التأليفية المعقدة، أو في الأداء الباذخ الثراء للأوركسترا السمفونية الأوروبية، سواء في أقسامها الموزعة بين وتريات منوعة، وآلات نفخ خشبي ونحاسي، أو في مجموعها كفرقة موسيقية مدهشة في تنوع ألوانها وتعابيرها الفنية.

لقد كان لقاء هذا المزاج الموسيقي المتجدد الثائر، مع مزاج أم كلثوم الغنائي المحافظ، فرصة فنية سعيدة جدا في تاريخ الغناء العربي الحديث، كما في حياة أم كلثوم.

وإن كانت الثمرة الأولى لهذا اللقاء هي مجموعة من الأعمال العظيمة في حياة أم كلثوم في مرحلة الاسطوانات المسجلة، فيما بين 1928و1944، والتي لم يشتهر منها في إطار الحفلات المسرحية الحية الذائعة الصيت غير مونولوج “رق الحبيب” (وهي أعمال سنتعرض لها بالتحليل المفصل في القسم الثاني من الكتاب)، فان الثمرة الثانية لهذا اللقاء (التي تهمنا بشكل خاص في هذا القسم الأول من الكتاب) هي إضافة البعد الثاني لشخصية أم كلثوم الفنية والإنسانية، إلى البعد الأول الذي زودتها به حياتها في الريف وفي سنواتها القاهرية الأولى. فأنا ممن يعتقدون بثقة كاملة أنه لولا الآفاق المتجددة التي قاد محمد القصبجي صوت أم كلثوم وأحاسيسها الفنية إليها عبر فن المونولوج، الذي طغى على كل أعماله لأم كلثوم، بما فيها تلك الملحنة على شكل القصيدة أو الطقطوقة، لما تمت عملية التهذيب والتشذيب والتلميع والصقل التاريخية لأوتار حنجرتها وأسلوبها في الأداء وإحساسها بأبعاد النغمات الموسيقية التي تغنيها، وهي العملية التاريخية الكبرى التي قام بها محمد القصبجي في حياة أم كلثوم.

وهكذا، يجدر بنا أن نتنبه إلى أن التي استوت على قمة عالية من المجد الفني مع نهاية عقد العشرينيات وبداية عقد الثلاثينيات، لم تكن تلك الفتاة الريفية التي نقلت مقر سكنها من طماي الزهايرة إلى القاهرة، مع بعض اللمسات الشكلية لتغيير مظهرها الخارجي (الملابس وما إلى ذلك)، بل كانت تركيبة إنسانية جديدة تجمع بين العناصر الشخصية والفنية التأسيسية التي جاءت بها أم كلثوم من الريف، والعناصر الشخصية والفنية الجديدة التي اكتسبتها بسرعة وذكاء وتفتح في قاهرة ما بعد ثورة 1919. حتى أن بإمكاننا القول أنه لولا نجاح أم كلثوم في وضع مواهبها الفنية في خضم نقطة التقاطع الحضاري الشديد الخصوبة تلك، لما تمكنت حتما من التربع في تلك المكانة التي كانت ذراها العالية قد بدأت تلوح في الأفق منذ بداياتها الأولى مع محمد القصبجي.

وكما أسلفنا في الفصل السابق، لم يكن الأمر تعبيرا عن مجرد انتصار صوت جديد على مجموعة أصوات قديمة، بل كان صدفة تاريخية سعيدة وضعت حنجرة استثنائية وشخصية استثنائية كأم كلثوم، في موقع دور تاريخي كان يبحث عن بطل يؤديه بين الأصوات النسائية (تماما كما هيأت الظروف محمد عبد الوهاب ليلعب الدور الموازي بين أصوات الرجال)، وهو الدور المعبر عن غروب عصر كامل بكل ما يحمل من ميراث ومن قيم ومن أساليب في التعبير في مختلف مجالات الحياة والفن، وشروق عصر كامل بكل ما يحمل من ميراث ومن مكونات الماضي، ومن أساليب تعبير جديدة ترنو للانطلاق إلى آفاق جديدة.

تطور الحنجرة

إن ذلك وحده كفيل بتفسير وفهم ذلك التشعب المدهش (للمجتمع المصري والعربي، كما لأم كلثوم نفسها) الذي وجدت أم كلثوم نفسها في خضمه، بعد اكتمال ملامح انطلاقتها الفنية، تأسيسا على إتقان الإنشاد الديني، واستطرادا مع إتقان فن القصيدة التقليدية مع أبي العلا محمد، ثم إتقان فنون الطقطوقة المتطورة والدور المتطور مع داود حسني وزكريا أحمد، وتتويج ذلك بتحول حنجرة أم كلثوم، منذ نهاية العشرينيات، إلى ناطق رسمي متفوق باسم ثورة التجديد التي أطلقتها عبقرية محمد القصبجي الموسيقية الاستثنائية منذ نهاية العشرينيات، وهي الثورة التي اكتملت عناصرها لمحمد عبد الوهاب بتكامل موهبته الموسيقية والغنائية، وما كان لها أن تكتمل لمحمد القصبجي لولا ذلك التزاوج التاريخي السعيد بين مواهبه الموسيقية الاستثنائية والمواهب الصوتية الاستثنائية لأم كلثوم.

عند هذه المحطة التاريخية الهامة من حياتها، لم تجد أم كلثوم نفسها فقط على قمة الغناء النسائي الجاد في مصر، بل وجدت نفسها تتغلغل، انطلاقا من هذه القمة وبالتوازي معها، إلى نسيج الحياة العامة في مصر، ثم في بقية البلاد العربية بعد ذلك.

إن ظواهر تغلغل شخصية أم كلثوم، الإنسانية والفنية، في نسيج الحياة العامة في مصر (في عهد ما بعد ثورة 1919، ثم في عهد الملك فاروق، ثم في عهد ثورة 23 يوليو 1952) قصة حضارية وثقافية متكاملة تستحق أبحاثا مستقلة، شاملة ومعمقة ومكتملة التفاصيل بعيدا عن التعميمات السطحية والساذجة، وعن الأحكام المثالية التي تناولت تفاصيل هذه القصة، في حياة صاحبتها أو بعد رحيلها. ولكننا نكتفي في هذه السيرة الشاملة لحياتها الشخصية والفنية، بملامح نموذجية أساسية ومعبرة عن تلك القصة.

فأم كلثوم، على سبيل المثال، لم تكن بمنأى عن المخاض الفكري والثقافي الذي كان يصطخب في مصر منذ عهد محمد علي، والذي اتسعت دوائره في عهد الخديوي إسماعيل، والذي اتخذ كل أبعاده العملية بعد انهيار الأمبراطورية العثمانية، وانطلاق مصر وبقية الدول العربية معها، في البحث عن ملامح هويتها في العالم المعاصر، عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى، عنيت به مخاض تحديد صيغة للعلاقة بالغرب في مسيرة رسم ملامح شخصيتنا المعاصرة: هل نقاطع الغرب سياسيا وحضاريا لإبراز ملامح شخصيتنا العربية، أم هل نلتحق بالغرب التحاقا كاملا إذا أردنا دخول العصر الحديث، أم هل نقتبس من الغرب ثمار ثورته العلمية العقلانية، ونبقي ثقافتنا ووجداننا وأحاسيسنا بمنأى عن هذه المقتبسات، إلا في المواقع التي يمكن فيها التوفيق بين الأمرين ؟

هذه الاتجاهات لم تبق – في مصر بالذات – أسيرة الحوارات النظرية، بل وجد كل تيار من هذه التيارات تعبيرا عن نفسه في المجتمع المصري بالذات، في النصف الأول من القرن العشرين، بل إن هناك من الأدباء والمثقفين والفنانين من كان يتنقل من تيار لأخر، ومن كان يقف في مواقف ملتبسة حائرة بين تيار وآخر.

ومع أن أم كلثوم قد تبلورت شخصيتها فيما بعد، لتصبح رمزا واضحا ل “العقيدة الموسيقية الشرقية الخالصة” على حد تعبير الموسيقار كمال الطويل، فليس صحيحا أن هذا الموقف المتبلور قد اتخذ منذ البداية حتى النهاية في حياة أم كلثوم طابع الجمود والثبات والصفاء الكامل. بل إن أم كلثوم، بصفتها كائنا فنيا شديد التعقيد والحيوية، تعرضت – مثل غيرها – لمؤثرات ذلك المخاض الفكري والحضاري الهائل الذي اجتاح كل نواحي الحياة في مصر، في النصف الأول من القرن العشرين بشكل خاص، وهي خاضت مع محمد القصبجي بالذات، تجربة فنية غنية جدا فيما بين 1928 و1944، في تلوين الخيارات الموسيقية، والأداء الغنائي، بمؤثرات واضحة من الغناء الأوبرالي الإيطالي، بنجاح تام في عملية الهضم الكامل لتلك المؤثرات وإعادة إنتاجها من ضمن السياق التاريخي العام لشخصية الموسيقى العربية والغناء العربي، وبفشل ذريع في هذا السياق عندما تتجاوز حركة المؤثرات الغربية حدود الإنصهار الكامل والمنطقي في السياق التاريخي الطبيعي للموسيقى والغناء العربيين، كما حدث مع الحان فيلم “عايدة”. وهو ما ستعاود بحثه بمزيد من التفصيل في القسم الثاني من الكتاب.

وقد تعرضت أم كلثوم بين هذين الحدين: حد النجاح في التعامل مع المؤثرات الغربية في معظم الحالات، وحد الفشل في ذلك في بعضها، إلى مواقف من المرواحة بين هذين الحدين. فكان أن عقد بعض أصحاب التوجهات الواضحة في وسط هذه المخاض الحضاري المعقد، آمالهم على أن يكون صوت أم كلثوم الاستثنائي العظمة، ناطقا بلسان أكثر من تجربة غنائية- موسيقية. حتى يروى أن طه حسين الذي كان بين المندفعين إلى الاستفادة الموسعة بأساليب الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية، في تطوير الموسيقي والغناء العربيين، حاول إقناع أم كلثوم بأن تؤدي بصوتها لحن “الأفيه ماريا” (AVE MARIA) الشهير للموسيقار النمسوي شوبرت غير أن هذه المحاولة لم تبصر النور، وإن كانت لم تبق بغير معنى وبغير أثر في حياة أم كلثوم الفنية، كما سنرى فيما بعد.

ومع أن أم كلثوم لم تكن خريجة معهد موسيقي، ولا عرف عنها أي نشاط تنظيري في الموسيقى أو الغناء، فقد رشحتها مواهبها الفنية الرفيعة منذ وقت مبكر نسبيا (العام 1932)، في المساهمة العملية في أعظم مؤتمر علمي للموسيقى العربية، انعقد في القاهرة بمشاركة أهم علماء، من منظرين وفنانين أوروبيين وعرب. وكانت مساهمة أم كلثوم (كما زميلها محمد عبد الوهاب) في المؤتمر نموذجا حيا على التداخل بين صعيد النشاط النظري في الموسيقى والغناء، وصعيد النشاط الإبداعي.

ذلك أن من الأمور التي بحثتها إحدى لجان ذلك المؤتمر التاريخي العظيم، إمكانية إقامة سلم معدل للموسيقى العربية على أساس ثلاثة أرباع الصوت (المعروف بين الهواة باسم ربع الصوت) في موازاة وعلى غرار السلم الغربي المعدل على أساس نصف الصوت، وذلك في المجالين النظري والعملي. وطرح على المؤتمر في هذا المجال أكثر من آلة بيانو معدلة على أساس ثلاثة أرباع الصوت، منها آلة بيانو قام بتطويرها الموسيقي اللبناني وديع صبرة. ولما احتدم النقاش النظري بشأن جواز أو عدم جواز تعديل المقامات العربية (وخاصة مقام السيكاه)، ارتأت اللجنة المختصة داخل إطار المؤتمر، اللجوء إلى حسم النقاش النظري بالتجربة العملية، فاستدعت أشهر مطربين في ذلك العصر (أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب) لإجراء تجربة عملية بالغناء على مقام السيكاه المعدل وفقا لبيانو وديع صبره. وقد بدأت التجربة العملية أولا بأن قام عازف القانون الشهير مصطفى بك رضا (الذي كان أيضا مدير ومؤسس معهد الموسيقى الشرقي) بضبط آلة القانون على مقام السيكا المعدل وفقا لبيانو وديع صبره، وبعد ذلك استدعى كل من أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، كل على حدة، لمحاولة الغناء على مقام السيكاه بمرافقة القانون المعدل، ولكن التجربة فشلت تماما كما تؤكد وثائق المؤتمر، ومجلة “الصباح” المصرية الفنية التي كانت تصدر في تلك الأيام. وأفتى كل من عبد الوهاب وأم كلثوم بعدم وجود إمكانية عملية للغناء على مقام السيكاه، بإحساسه الطبيعي، بمصاحبة آلة معدّلة، مع أنهما بذلا جهدا في محاولة ذلك “بجميع السبل، ولو بصفة مؤقتة، ولحالة استثنائية. وأخيراٌ طلب إلى الذين حضروا المناقشات في هذه الجلسة أن يقف كل من يوافق منهم على إدماج “سيكاه” البيانو مع الآلات الوترية، فلم يقف أحد مطلقا”.

مؤتمر الموسيقى

وهكذا لعبت أم كلثوم (ومحمد عبد الوهاب) في هذا الموقف المشهود دوراٌ تاريخيا في تحديد مسألة نظرية بالغة الأهمية في مسيرة الموسيقى العربية، انطلاقا من موقعها الفني الإبداعي، وذلك قبل انقضاء عشر سنوات على انتقالها إلى القاهرة واستقرارها فيها. وسنشهد فيما يلى من صفحات هذا الكتاب، أن إبداع أم كلثوم، ومجموعة ملحنيها الأساسيين، سيكون له أكثر من دور في تحديد معالم ومسار تطور الموسيقى العربية في القرن العشرين، حتى على الصعيد النظري، الذي لم تكن أم كلثوم من نجومه.

ومادمنا في سياق الحديث عن المؤتمر الأول للموسيقى العربية الذي انعقد في السنة التاسعة من عمر أم كلثوم الفني في القاهرة، تجدر بنا الإشارة إلى واقعتين من أحداث ذلك المؤتمر، تؤكدان (إضافة إلى الواقعة الأولى)، المكانة الفنية والاجتماعية الرفيعة التي كانت قد بلغتها أم كلثوم، منذ تلك السنوات المبكرة.

فقد كانت أم كلثوم من نجوم الحفلة الختامية للمؤتمر، التي أقيمت في دار الأوبرا (القديمة)، شارك فيها كبار الفنانين والعازفين، وغنت فيها قصيدتها الشهيرة “أفديه إن حفظ الهوى” . كما أن بين وقائع المؤتمر، سهرة خاصة لأم كلثوم بصالة الحفلات بمعهد الموسيقى الشرقي، ننقل وصفا حرفيا لها عن مجلة الصباح القاهرية(:

“أحيت المطربة الفنانة الآنسة أم كلثوم إحدى حفلات مؤتمر الموسيقى، بصالة الحفلات بمعهد الموسيقى الشرقي مساء الأحد الماضي، فما جاءت الساعة التاسعة حتى كان المدعوون “فوق بعض”، حتى أن السيد قدّور بن غبريط، الوزير المراكشي المعروف وأحد أعضاء مؤتمر الموسيقى لم يجد مكانا، ف “أخذ على خاطره” وانصرف(..) ومعروف للقراء مما ننشره من أخبار مؤتمر الموسيقى أن بعض الأشخاص الذين كلفوا تنظيم المؤتمر (..) لم يوافقوا على ضم الأستاذ محمد القصبجي لإحدى لجان المؤتمر. وأرادت أم كلثوم بذكائها أو بدهائها أن تعلن لمندوبي الدنيا كلها الموجودين في الحفلة، وهم أعضاء المؤتمر، خطأ أصحاب الشأن في عدم ضم أعضاء تختها إلى لجان المؤتمر. فما كادت ترفع عنها الستارة على المسرح، حتى سمحت للقصبجي- بعد قطعة الافتتاح طبعا- باللعب على العود، فانتهز القصبجي الفرصة وبرهن على فنه، بأن جعل كل الحاضرين يصفقون له إعجابا واستحسانا. وكان هذا التصفيق هو الحكم بين القصبجي وبين منظمي المؤتمر الذين لم يشركوه معهم في اللجان الفنية. وكذلك أعطت أم كلثوم لأمين أفندي حلمي عازف الكمان فرصة برهن فيها على نبوغه.

ثم جاء دور أم كلثوم، فلاحظت (..) أن هذه الحفلة عالمية دولية، ويشترك في سماعها فرنسة وألمانية وإيطالية ومراكش والجزائر والعراق وسورية ولبنان وتونس والخ.. فاختارت للحفلة صفوة أغانيها التي تجمع الألحان والأوزان والأنغام كافه،وهي:

دور إيمتى الهوى يجي سوا

مونولوج يا غائبا عن عيوني

قصيدة أفديه إن حفظ الهوى

طقطوقة اللي حبك يا هناه

وقد غنت أم كلثوم هذه المجموعة بإجادة أطارت النوم من عيون مندوبي مراكش والجزائر وجعلتهم «يصحصحون»، وأعجبت المندوبين الأجانب فجعلتهم طول الوقت يصفقون.

ولم تهمل أم كلثوم لفت أنظار الحاضرين من مندوبين وغير مندوبين، إلى أنها هي الأخرى «موسيقارة»، كان يجب دعوتها للاشتراك في اللجان الفنية، فقد أمسكت بالعود وأخذت تداعبه بأناملها مداعبات فنية دقيقة، أرسلت بها إلى أسماعنا أنغاما سخية رقيقة، عرفنا منها أنها أصبحت «راسية» على جميع نواحي الفن، فهنيئا لها نبوغها».

ثم اتبعت مجلة الصباح هذا الخبر الفني الهام بخبر فني – اجتماعي عن المؤتمر وأم كلثوم، قالت فيه “شرب أعضاء مؤتمر الموسيقى من السوريين والعراقيين الشاي بعد ظهر الاثنين في دار حضرة الآنسة أم كلثوم تلبية لدعوتها. ولقوا من حفاوتها بهم ما ألهج “ألسنتهم بالشكر لها”.

هذه المرحلة التأسيسية يمكن تلخيص معالمها الأساسية في تكوين شخصية أم كلثوم، على الصعيدين الإنساني والفني، بأنها شهدت نضجا واضحا في اكتساب شخصية أم كلثوم الريفية الأولى التي قدمت بها إلى القاهرة، مقومات الحياة المدنية، في أكثر المدن والعواصم العربية غنى واصطخاباٌ بكل التفاعلات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وبكل التيارات المطروحة في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، وذلك من خلال معادلة دقيقة يتفاعل فيها الموروث الريفي لأم كلثوم، النابع من أعماق شخصيتها ووضعها الأسري (حتى وفاة والدها في العام 1931)، مع المؤثرات المدنية التي أحاطت بها في علاقاتها الاجتماعية الجديدة، التي كانت تشكل مروحة واسعة من شخصية رزينة منفتحة (كشخصية الشيخ مصطفى عبد الرازق وطه حسين، على سبيل المثال لا الحصر)، وشخصية فنية اجتماعية منفتحة، على اتصال متوازن بالثقافة العربية التقليدية والثقافات الأوروبية والشرقية، هي شخصية الشاعر أحمد رامي الذي كان له (كما تؤكد أم كلثوم) فضل إخراجها من الجمود والتجهم اللذين يفرضهما نمط الحياة الريفية المحافظ.

ويبدو أن هذه التحولات قد وجدت هوى وتربة صالحة، في أعماق شخصية أم كلثوم فبدأت تحيط نفسها، منذ بداية عهد الانتشار الفني بشلة من السميعة الدائمين، الذين يرافقونها في كل حفلاتها داخل مصر، وجلهم من المشهورين بخفة الظل المصرية الشهيرة، وإشاعة روح النكتة والمرح والطرب في أوساط الجمهور المتزايد عددا في حفلات أم كلثوم. وكانت الصحافة قد بدأت تنتبه إلى ظاهرة شلة السميعة هذه، فأطلقت عليها عبارة “بلاط أم كلثوم”. ومن أشهر الشخصيات العامة في تلك الشلة، منذ العشرينيات، مناع بك والمعلم ديشة الجزار (اللحام) الذي اشتهر بخفة الظل وبتعقيباته المرحة الموجهة تارة إلى أم كلثوم، وطورا إلى الجمهور. وسنرى أن هذه الشلة قد حركت كوامن خفة الظل الدفينة في شخصية أم كلثوم فاشتهرت فيما بعد، بين مطربي ومطربات القرن العشرين، بأن من الملامح الرئيسية لشخصيتها، خفة الظل والسخرية اللاذعة ورواية النكات وابتكارها عندما يدعوها الظرف إلى ذلك.

ومن ملامح تطور حياتها الشخصية في تلك المرحلة المبكرة، أنها بدأت تتلقى دعوات للسفر والغناء خارج مصر، في البلاد العربية وفي بعض البلاد الأوروبية. وقد أخذت أم كلثوم هذه الدعوات بجدية كاملة تؤكد مدى حرصها المبكر على تأمين كل متطلبات النجاح والإتقان للعمل الفني الذي نذرت له كل حياتها، ولا يقتصر ذلك على المتطلبات الفنية وحدها، بل يشمل كل نواحي صورتها الشخصية والاجتماعية وصورتها الإعلامية.

فقد أجلت تلبية أي دعوة للسفر إلى خارج الدول العربية، قبل أن تتقن لغة أجنبية واحدة على الأقل، ويبدو أنها اختارت الفرنسية، ربما لأن منافسها عبد الوهاب كان قد تعلم هذه اللغة على يد أبيه الروحي أحمد شوقي، أو لأن أستاذها الثقافي أحمد رامي كان يتقن هذه اللغة، أو لأنها اللغة الأجنبية الأكثر رواجا في الأوساط الأرستقراطية المصرية في القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين، أو للأسباب الثلاثة مجتمعة.

هذا على صعيد تطور الملامح المكونة للشخصية الإنسانية لأم كلثوم، أما على الصعيد الفني، فمن المؤكد أنه برغم النضج الذي بدا واضحا على شخصيتها الفنية سنة بعد سنة منذ أواخر العشرينيات، فإنها ظلت حتى النصف الأول من عقد الأربعينيات في موقع “التلميذة” بالنسبة لكبار الملحنين الذين تعاونوا في تكوين الملامح الرئيسية لما تقدمه من فن، ولتطور أسلوب أدائها الصوتي، من أبي العلا محمد إلى داود حسني إلى محمد القصبجي وزكريا أحمد. وتفسر علاقة التلميذة بأساتذتها هذه فارق الخبرة الفنية، إضافة إلى فارق القدرة الإبداعية الموجودة أساسا بين إبداع الملحن وإبداع المغني، وهو فارق ترجح فيه غالبا كفة الملحن، إلا عندما يكون المغني ذا موهبة عالية وملحنه متواضع الموهبة. ومن الواضح أن ملحنا واحدا بين كوكبة ملحني أم كلثوم الأوائل لم يجلس في مقعد “الأستاذية” لأم كلثوم، حتى عندما كانت صغيرة السن، محدودة الشهرة الفنية، وهو الدكتور أحمد صبري النجريدي. ويعود ذلك لأكثر من سبب، على رأسها أنه بالرغم من نجاح النجريدي في تزويد حنجرة أم كلثوم الناشئة بمجموعة من القصائد والطقاطيق الناجحة بمعايير ذلك العصر، بل التي تحمل طابعا تجديديا، فإن قامة النجريدي اللحنية ما كانت لترتفع (كما ثبت عمليا فيما بعد) إلى قامة بقية أفراد كوكبة الملحنين الأوائل لأم كلثوم، بدليل أن التاريخ لم يحفظ للنجريدي سوى تلك الألحان القليلة التي شدت بها أم كلثوم في العشرينيات، مع أن النجريدي بقي موجودا في الساحة الفنية حتى عقد الأربعينيات. أما الأسباب الأخرى فتعود غالبا، إلى عدم أتساع فارق السن بين النجريدي وأم كلثوم، وربما إلى أنه تفرد بين كل أفراد تلك الكوكبة من ملحنيها الأوائل، بالخلط بين العلاقة الفنية والعلاقة الشخصية، الأمر الذي سّرع، على ما يبدو، في تقصير عمر التعاون الفني بينهما، كما أسلفنا أعلاه.

عقـد الثلاثينيات: السينما والإذاعة

سياقات أخرى، في صخب المخاض الثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي كان يحرك المجتمع المصري بقوة هائلة في ذلك الزمن، اقتحمتها أم كلثوم، من أهمها وأكثرها تأثيرا في حياتها وحياة مصر، عالم السينما الجديد الذي كان ثمرة زواج مثمر بين التطور الاقتصادي والتطور التكنولوجي لذلك الفن الوليد، ثم عالم الإذاعة اللاسلكية، كل ذلك في عقد الثلاثينيات.

ويمكن اعتبار عقد الثلاثينيات هذا واحدا من أنضر وأخصب عقود تطور الحياة الثقافية في مصر في القرن العشرين، الأمر الذي تجاوزت آثاره القطر المصري إلى سائر الأقطار العربية.

ففي هذا العقد، على سبيل المثال لا الحصر، انتقل فن السينما (الذي كان وليدا في أميركا وأوروبا، لا في مصر وحدها) من عصر السينما الصامتة إلى عصر السينما الناطقة بقوة واندفاع سبقت فيه مصر عددا من الدول الهامة في القارتين الأوروبية والأميركية.

وفي هذا العقد، انطلق طلعت حرب بزخم كامل في ثورته الصناعية والاقتصادية التي أسست لدخول مصر رحاب العصر الحديث من أوسع أبوابه في هذه المجالات.

وفي هذا العقد عرفت مصر أول إذاعة رسمية في تاريخ الوطن العربي بأسره (في منتصف العام 1934).

وفي هذا العقد انعقد في القاهرة، في العام 1932، أول مؤتمر علمي للموسيقى العربية، ساهم فيه نخبة علماء الموسيقى في العالم، كما في البلاد العربية، وفي هذا العقد أنشأ أحمد حسن الزيات مجلة «الرسالة»، التي تحولت إلى أشهر مجلة ثقافية عربية في القرن العشرين، وأبعدها أثرا داخل مصر وخارجها في سائر أرجاء الوطن العربي،.

وفي هذا العقد تأسس في القاهرة مجمع اللغة العربية، كما تأسست لجنة الترجمة والنشر التي جمعت كبار المثقفين المصريين، وكانت مسؤولة عن إطلاق حركة ترجمة خلاصة الآداب الأجنبية إلى لغة عربية رفيعة.

إلياس سحاب

back to top