الإسلاميّون لبشير نافع... ولادة الإسلام السياسي تحت الضوء

نشر في 20-09-2010 | 00:00
آخر تحديث 20-09-2010 | 00:00
صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» وعن «مركز الجزيرة للدراسات»، كتاب «الإسلاميون» للدكتور بشير موسى نافع، وفيه لا يقدم رصداً مسحياً للقوى الإسلامية السياسية كافة وخريطتها التنظيمية، بل صورة للظروف التي ولَّدت الظاهرة الإسلامية السياسية، وللمرحلة الأولى من تاريخها، التي استمرت حتى نهاية الستينيات من القرن العشرين وشهدت ولادة التنظيمات الإسلامية الأم وتبلور هويتها وتوجهاتها الفكرية والسياسية.

أما المرحلة التالية، التي بدأت منذ السبعينيات من القرن الماضي، وما تزال تتداعى في أحداثها وتطوراتها، فيعالجها الكتاب من خلال قراءة التيارات الرئيسة داخل الظاهرة، وليس بالضرورة الخريطة التنظيمية الإسلامية لكل بلد إسلامي على حدة.

يرى المؤلف أن دوافع القوى الإسلامية السياسية الأولية تعلقت بالحفاظ على الهوية الإسلامية في مواجهة حركة تحديث داخلي اتخذت من القيم والمفاهيم الغربية نموذجاً لها. كذلك جاءت ولادة هذه القوى على خلفية انهيار الإجماع الداخلي، والتراجع الحثيث في قوة مؤسسة العلماء التقليدية، الناطقة بإسم الإسلام والحارسة لقيمه طوال قرون. إضافة إلى ذلك، برزت هذه القوى في حقبة سيطرت فيها الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية على مقدرات العالم الإسلامي بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل منظمات تبشيرية كبرى تعقد مؤتمراتها في العواصم العربية والإسلامية، وهجرة يهودية متصاعدة إلى فلسطين، وأكثرية هندوسية قومية تهدد خصوصية المسلمين في الهند الدينية والثقافية. فلم يكن من الغريب أن تؤدي القوى الإسلامية الجديدة أدواراً متفاوتة في حركات النضال الوطني ضد السيطرة الأجنبية، وأن ترفع شعارات تدعو إلى الأسلمة، أو إقامة نظام حكم إسلامي، وذهب بعضها الآخر إلى الدعوة إلى إقامة الخلافة الإسلامية.

الأثر الأكبر

يعتبر بشير نافع أن الأثر الأكبر الذي تركته وتتركه القوى الإسلامية يتمثَّل في ثقافة وأنماط اجتماع وسياسة المجتمعات الإسلامية، وهذا ما يسميه الإسلاميون حركة الصحوة الإسلامية، أو ما يصفه خصومهم بالردة عن الحداثة وجر المجتمع إلى التخلف والعزلة. فمنذ نهاية الستينات على الأقل، أصبح الخطاب الإسلامي محور الجدل والتدافع الفكري في غالبية مناطق المجال الإسلامي. والكتاب الإسلاميون، من حسن البنا، أبي الأعلى المودودي، سيد قطب، علي شريعتي، محمد الغزالي، يوسف القرضاوي، حسن الترابي، راشد الغنوشي، وصولاً إلى طارق البشري، محمد سليم العوا، فهمي هويدي، منير شفيق، ومحمد عمارة، هم الأكثر تأثيراً في صياغة الثقافة المعاصرة. والكتابات الإسلامية هي الاكثر انتشاراً بلا منازع، بل إن هذا الطقس الإحيائي الشامل عزز أيضاً من الاهتمام بالتراث العربي الإسلامي ومدوناته المختلفة. وربما كان المسلمون هم المجموعة الدينية الوحيدة في العالم التي لا تزال تقبل، وعلى نطاق واسع، على قراءة نصوص ميراثها الموضوعة قبل قرون طويلة، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من ثقافتها الحية المعاصرة.

عنف

يؤكد نافع على أن صعود القوى الإسلامية السياسية تسبب في حال من التوتر وعدم الاستقرار وغياب اليقين السياسي، لفترات تطول أحياناً وتقصر أحياناً أخرى، في غالبية البلدان الإسلامية. من مصر وباكستان وإيران في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، إلى سورية والعراق في السبعينيات، ومصر مجدداً والجزائر والسعودية في التسعينيات، وصولاً إلى أندونيسيا والمغرب في مطلع القرن الحادي والعشرين، خاضت الدول صراعاً متعدد الأوجه ضد القوى الإسلامية السياسية. وفي مناطق عدة لا تزال رحى الصراع دائرة. ويبدو المسلمون اليوم، أو على الأقل النخب من بينهم، وكأنهم منقسمون على القضايا الرئيسة كافة التي تُقام عليها حياة الأمم ويتأسس عليها استقرارها. فينقسمون على موقع الدين في الاجتماع والدولة، على القيم الحاكمة لحياتهم، على رؤيتهم لتاريخهم، على علاقتهم بالخارج الثقافي والحضاري، بل وعلى فهمهم لكليات الإسلام ذاته.

يضيف نافع أنه قد نجم عن الصراع والانقسام الداخليين تعرض العشرات بل مئات الألوف للقتل أو للسجن أو النفي، أجيال بكاملها فقدت خيارها للمستقبل، وعائلات تحطمت. علماء ومفكرون وأعلام كبار علقوا على المشانق أو تعرضوا للاغتيال. وبعض من أفضل الكوادر العلمية انتهى إلى المنافي الغربية، أو حُرمت المعاهد والجامعات من خدماته وخبراته. وفي خضم ذلك كله، ارتفع الانفاق الرسمي على المؤسسات الأمنية إلى مستويات غير معقولة في بلاد لا تزال تلهث على طريق التنمية. وفي حالات عدة تفاقم نطاق التدافع السياسي إلى حد استخدام العنف المسلح، من حادثة اغتيال محمود فهمي النقراشي، رئيس الوزراء المصري، على يد أحد أعضاء الجهز الخاص للإخوان المسلمين في نهاية الأربعينات من القرن الماضي، إلى الحرب الأهلية الدموية التي عصفت بالجزائر في التسعينات، إلى صراع الإسلاميين المسلحين مع الدولة الباكستانية في مطلع القرن الحادي والعشرين، وأظهرت القوى الإسلامية أنها قد تلجأ إلى العنف المجرد. وما إن سوغ خيار العنف حتى اتسع نطاقه وتحول في حالات عدة إلى عنف عشوائي.

يتابع نافع في هذا السياق بأنه سرعان ما فوجئ المسلمون والعالم ببروز ظاهرة جديدة: العنف الإسلامي العابر للقارات. وقد أصبحت القاعدة، حاملة لواء العنف الأممي، مالئة الدنيا وشاغلة الناس. وبعد سلسلة من هجمات مدمرةة على أهداف مدنية، أميركية وغير أميركية، داخل العالم الإسلامي وخارجه، احتلت القاعدة مكانة القوة الرئيسة المستهدفة من النظام الدولي ومن عدد متزايد من الدول الإسلامية. ولأن خطاب العنف الأممي الذي تقوده القاعدة يستخدم مفاهيم ولغة إسلاميين، فقد أصبح الإسلام، لا القاعدة فحسب، في موضع الاتهام والاستهداف. من واشنطن إلى العواصم الأوروبية الكبرى، ثمة اعتقاد متنام بأن الإسلام ذاته، وليس المجتمعات الإسلامية المولدة للعنف وحسب، بحاجة إلى الإصلاح. وتحت تأثير العنف الإسلامي، أخذت القوى الغربية الكبرى في محاولة إعادة بناء نظام السيطرة على المنظمة الإسلامية والعالم، النظام الذي بنته منذ الحرب العالمية الأولى. وليس من الصعب تبين أن الولايات المتحدة، القوة العظمى في عالم اليوم، تخوض منذ بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 صراعاً مباشراً وغير مباشر ضد قوى وأنظمة إسلامية عدة. بل ومن الصعب فصل غزو العراق وعودة نظام الاستعمار المباشر إلى المجال العربي الإسلامي عن سعي الولايات المتحدة إلى توكيد منظومة السيطرة والتفوق التي تقودها.

صراع وانقسام

يعلن بشير نافع بأن هناك من يرى بأن القوى التي تنتهج العنف، حتى وإن استخدمت الخطاب الإسلامي، لا ينبغي اعتبارها جزءاً من القوى السياسية الإسلامية. فاعتماد العنف سبيلاً يحمل نفياً ذاتياً للسياسة. ومهما يكن من أمر، فقد ساهم العنف الإسلامي، من ناحية، في تفاقم حالتي الصراع والانقسام الداخليين، وترك، من ناحية أخرى، آثاراً فادحاً على صورة الإسلام والمسلمين في العالم، وعلى وضع الجاليات الإسلامية في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. وفي القرن الحادي والعشرين، وإذ يفترض أن تقرب وسائل الاتصال الحديثة الأمم والثقافات بعضها إلى البعض، أصبح الانتماء الإسلامي مصدر شك وريبة واتهام.

إلى جانب التسبب في تأجيج الصراع والانقسام الداخليين، تُتهم القوى الإسلامية السياسية بأنها تبني تصورها الخاص للإسلام. ويُتهم الإسلاميون بأنهم يختزلون ديناً توحيدياً عظيماً، متعدد الجوانب والتجليات، إلى مجرد خطاب وشعارات سياسية، ويتهم الإسلاميون كذلك بأدلجة الإسلام، وتحويله إلى مجرد برنامج عمل سياسي حديث.

وبتسييس الدين وأدلجته، لم يفرغ الإسلام من ثرائه وحسب، بل وفرغ أيضاً من ميراث تجربته التاريخية الطويلة. وفي مكان ذلك كله، وضعت مفاهيم غربية حديثة ألقيت عليها عباءة إسلامية. أما الاتهام الأكبر للإسلاميين، فهو ذلك المتعلق بتجربتهم في الحكم والدولة وتصورهم لعلاقة السلطة بالمجتمع. ففي حين يضفي الخطاب الإسلامي نوعاً من القداسة والطهارة على الشعارات الإسلامية السياسية، فإن تجربة الإسلاميين في الحكم لم تكن مضيئة دائماً. ويقول خصومهم، إن نموذجي الحكم الإسلامي في إيران والسودان أوضحا أن الإسلاميين لا يختلفون كثيراً عن أسلافهم من الفئات الحاكمة.

back to top