أم كلثوم... السيرة والأغاني - السيرة الشخصية (الحلقة الثالثة عشرة) عقد الخمسينيات العهد الذهبي في حياتها فهو ممهور بتوقيع السنباطي وارتفاع قدراتها الصوتية سأل عبدالناصر عن سبب منع أغانيها فقالوا هذه من العهد الملكي البائد فقال حتى الشمس والنيل والأهرام من العهد البائد!

نشر في 26-08-2010 | 00:00
آخر تحديث 26-08-2010 | 00:00
تؤكد رواية مصطفى أمين في الفيلم الوثائقي المشار إليه أن المسألة كانت-على أهميتها- أقرب إلى ما ينطبق عليه تعبير “زوبعة في فنجان”، فقد اتصلت به أم كلثوم يومها، بصفته أحد أوثق أصدقائها الصحافيين علاقة بضباط مجلس قيادة الثورة، لتبلغه أن قرارا صدر في الإذاعة المصرية يمنع أغانيها، وتطلب إليه التدخل لمعالجة الأمر. ويؤكد مصطفى أمين أنه فور تلقي مكالمة أم كلثوم انطلق بسيارته إلى مكتب جمال عبد الناصر في مجلس قيادة الثورة، وبادره بالقول:

“أغنيات أم كلثوم أصبحت ممنوعة في إذاعة القاهرة”.

فنظر إليه عبد الناصر باسما وقال (حرفيا كما في الرواية المسجلة لمصطفى أمين): “هل بدأتم من الآن التشنيع على الثورة”.

فلما أكد له مصطفى أمين أن ليس في الأمر تشنيعا أو مزاحا، وأن أم كلثوم هي التي أبلغته النبأ، رفع سماعة الهاتف وطلب الضابط الصغير الرتبة المنتدب من مجلس قيادة الثورة لتولي مسؤولية الإذاعة المصرية (لم يرد ذكر اسمه في رواية مصطفى أمين)، فلما استوضحه عبد الناصر الأمر، وأكد له الضابط الصغير أن أغنيات أم كلثوم ممنوعة فعلا، سأله عبد الناصر عن السبب مستغربا، فلما فسر الضابط الأمر بأن أم كلثوم من مطربات العهد الملكي البائد، ولا بد لذلك من منع أغانيها، عاجله عبد الناصر قائلا ما معناه أن الشمس ونهر النيل والأهرام كانت كلها موجودة في العهد الملكي البائد، فهل يجب إلغاؤها. وألحق تعليقه الساخر والعميق هذا بأمر فوري بإلغاء قرار المنع .

إن في هذه الرواية، وعلى لسان مصطفى أمين بالذات، ما يضع القصة في حجمها الطبيعي، وبتفاصيلها الدقيقة، ولا يترك أي مجال لإعمال الخيال وراء أي تفاصيل أخرى، كما ورد في المقال الذي أشرنا إليه، مثل أن يكون عبد الناصر هو صاحب قرار المنع، أو أن يكون المنع قد امتد عاما كاملا أو أكثر. وذلك لأسباب منطقية عديدة، أهمها أنه لم يكن من المنطقي أن يتجاهل عبد الناصر القرار أو يتراجع عنه بهذه السهولة والسرعة لو كان هو صاحبه، لمجرد أن صحافيا قد راجعه في الأمر. كما أنه لا يمكن لعبد الناصر أن يكون غير مطلع على الأمر، لو أن المنع قد تجاوز الأيام المعدودات، أو حتى اليوم الواحد، فمنع أغنيات أم كلثوم في إذاعة القاهرة، لا يمكن أن يمر كحدث عادي لا يلاحظه أصغر مواطن، فكيف بالرجل الأول في مجلس قيادة الثورة؟ ولو كان قرار المنع قد صدر عن عبد الناصر، أو أن المنع استمر سنة أو أكثر، لتحول الموضوع على لسان مصطفى أمين وقلمه إلى مادة دسمة للتشنيع على عبد الناصر ونقده.

على أي حال، فأن بالإمكان ذكر عوامل منطقية كثيرة، لتفسير ذلك الموقع الخاص الذي تبوأته أم كلثوم في علاقة مميزة بقائد تلك المرحلة من حياة مصر، حتى رحيله، وبالدرجة العالية من الاندماج الذي انخرطت فيه أم كلثوم، (بعيدا عن العلاقات الشخصية، والمناسبات الشخصية كما في العهد الملكي)، بالتحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية الكبرى فيما بين 1952و1970، في حياة مصر والأمة العربية. ولعل ما ضاعف من قيمة هذه العلاقة، وانعكاسها المباشر والعميق على حياة أم كلثوم الشخصية، وسيرتها الفنية في ربع القرن الأخير من حياتها، ذلك التزامن السعيد بين التحولات الهامة التي طرأت على الحياة العامة في مصر في تلك المرحلة، فزودتها بحيوية استثنائية في كل المجالات (بغض النظر عن الحساب العام للنجاح والإخفاق في تلك المرحلة) من جهة، والنضج الفني الذي وصلت إليه أم كلثوم في عقدي الخمسينيات والستينيات، سواء في خامتها الصوتية وأسلوبها في الأداء، أوفي العلاقة مع فريق العمل المحيط بها، من جهة ثانية.

في العوامل الشخصية، لا بد من الملاحظة أنه مثلما ثبت أن رياض السنباطي (وزكريا أحمد) كانا أقرب في أعمالهما الفنية إلى التكوين العام للذائقة الفنية لأم كلثوم من محمد القصبجي وألحانه، فأننا نلاحظ على خط مواز، أن التركيبة الاجتماعية لحكام مصر في العهد الجمهوري، كانت بلا شك أقرب كثيرا إلى التركيبة الشخصية الإنسانية لأم كلثوم، من التركيبة الاجتماعية لحكام العهد الملكي. مما يفسر كثيرا من الفروقات (حتى من قبل البحث في العوامل السياسية للعلاقة) في علاقة أم كلثوم بالسلطة بين العهدين الملكي والجمهوري.فلا شك بأن علاقتها بالعصر الملكي والأسرة الحاكمة كانت مبنية على عدم الندية في التراتبية الاجتماعية، حتى في عز اندماج أم كلثوم بالحياة المدنية في القاهرة، لذلك فان هذه العلاقة ( على وثوقها) لم تتجاوز حدود الرسميات إلا في حالة خال الملك شريف باشا صبري. ومثل هذا الاستنتاج يمكن قراءته بوضوح في الأعمال الفنية التي أفرزتها هذه العلاقة، وفي تعمّد أم كلثوم (كما أسلفنا) حجب هذه الأعمال عن حفلاتها الغنائية الحية.

في مقابل ذلك، لم يكن تقارب الخلفيات الاجتماعية بين أم كلثوم من جهة، وقيادة النظام الجمهوري في مصر، هو العامل الوحيد لإقامة علاقة متبادلة أكثر حميمية وندية وحرارة، بل أضيف إلى ذلك أنه بينما دخلت أم كلثوم إلى علاقتها بالطبقة الملكية الحاكمة تدرجا من أسفل السلم الاجتماعي إلى أعلاه، فإنها دخلت إلى العلاقة، مع رأس السلطة في النظام الجمهوري، وهي على رأس الهرم الفني والاجتماعي، بدليل أن جمال عبد الناصر، كان قبل نجاح ثورة 23 يوليو وتسلمه السلطة، واحدا من أفراد الشعب العاديين الذين يكونون الجمهور العريض لعشاق فن أم كلثوم، ومتتبعي حفلاتها الإذاعية الشهرية واسطواناتها.

فإذا أضفنا إلى ذلك، الطبيعة الاجتماعية للنظام الجديد، التي تميزت، أكثر ما تميزت، بانحياز كامل إلى الطبقات الوسطى والدنيا من المجتمع المصري، اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا، فإننا نضع أيدينا عندئذ على كل مفاصل الدور الذي لعبته أم كلثوم في ربع القرن الأخير من حياتها، والذي يتجاوز بكثير، كما لاحظنا وكما سنلاحظ في الصفحات التالية من الكتاب، ذلك الدور السطحي الذي ركزت عليه وضخمته الصحافة الغربية، والذي اختصرته بحصر قيمة أم كلثوم، بكونها جهاز دعاية في نظام عبد الناصر.

فإذا انتقلنا إلى العوامل الفنية التي ميزت حياة أم كلثوم وفنها، في ربع القرن الأخير من حياتها، فإن بإمكاننا رصدها وتصنيفها كما يلي:

نضج الخامة الصوتية، وتجارب الأداء

يمكن اعتبار عقد الخمسينيات بالذات في حياة أم كلثوم، العقد الذهبي في مسيرتها الفنية، وقد شاءت الظروف أن يكون هذا العقد الذهبي ممهورا في حياة أم كلثوم بتوقيع رياض السنباطي، وبارتفاع قدراتها الصوتية إلى الذروة.

تعوّد بعض نقاد الموسيقى والغناء العرب في القرن العشرين، جريا على معايير مدرسة القرن التاسع عشر، أن يحسبوا النسبة الأعلى في تقييم أي صوت، باتساع مساحاته الصوتية في القرار وفي الجواب، وذلك لأسباب عديدة أهمها سببان، فني وعملي. أما السبب الفني فيعود إلى أن الفلسفة الجمالية في الغناء العربي في القرن التاسع عشر كانت تعتمد على هذا المفهوم، فكان المغنون يتبارون في الوصول إلى جواب مقام السيكا، الذي يعتبر بمثابة سقف قياسي في الطبقات العليا في الغناء العربي. أما السبب العملي فيعود إلى أن الغناء، حتى الربع الأول، وربما الثلث الأول من القرن العشرين، كان يتم بعلاقة مباشرة بين حنجرة المغني وآذان مئات، وأحيانا آلاف المستمعين، من غير ميكرفون ومكبر للصوت. وهي آلات لم تكن قد ظهرت بعد في ذلك الوقت، وتأخر وصولها إلينا بعد اختراعها في أميركا وأوروبا. وحتى بعد ما وصلت هذه الاختراعات التكنولوجية الحديثة إلينا، مرت سنوات قبل أن يتقبلها الذوق العام (ذوق المطربين والمطربات وذوق المستمعين) فينخرطوا انخراطا كليا في استخدامها.

لم يؤد دخول الميكروفون ومكبرات الصوت واسطة بين المغني والجمهور، إلى تطور سريع لمفاهيم ومعايير تقييم جمال الصوت، فظل عامل اتساع المساحات الصوتية (هبوطا وصعودا) هو المعيار الأساسي (وأحيانا الأوحد) لتقييم الصوت، وظل تعبير «صوت ميكروفوني» عندما يطلق على مطرب أو مطربة، يدخل في باب الذم وليس في باب المديح، لأنه يشير بوضوح إلى أن هذا الصوت هو من الضعف وضيق المساحات الصوتية، إلى درجة أنه لا يستطيع الوصول إلى آذان المستمعين إلا عبر الميكروفون الذي ينقله بدوره إلى مكبرات الصوت، لتعطيه حجما مصطنعا، ليس من طبيعته الأصلية.

التكنولوجيا وصوتها

إن طغيان أدوات التكنولوجيا السمعية والبصرية الحديثة على عالم الغناء بالذات في الربع الأخير من القرن العشرين، قد ارتفع إلى مبالغات وصلت حدود التشويه أو التزوير في بعض الحالات، إلى درجة الترويج لأصوات لم يكن لها في الأصل (بعيدا عن التكنولوجيا) أي ميزة من مزايا الصوت الجميل.

وهنا نجد أنفسنا أمام طرفي نقيض من المؤكد أن المعادلة الصحيحة لقياس جمال الصوت ومزاياه الأدائية تقع في موقع وسط بينهما. فكما أنه لا يجوز إصدار حكم نهائي على الصوت بمعيار وحيد فقط (كما كان متبعا في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين) هو قياس اتساع مساحته، لأن مساحة الصوت هي عامل هام في قياس أهمية الصوت، ولكنها ليست العامل الوحيد، كذلك فأن إعطاء جواز الجودة الفنية لأصوات ضعيفة وسقيمة وبلا إحساس، بحيث لا تملك من مقومات النجاح إلا استعارة «مقومات» التكنولوجيا الحديثة، أمر غير مقبول لأنه يلغي كل جماليات الإبداع الغنائي، ويحول الفن إلى مجرد نشاط تكنولوجي بارع.

هذا النقاش بشأن معايير الحكم على الأصوات الغنائية، ليس هامشيا أو جانبيا في مجال تقييمنا لتطور مراحل صوت أم كلثوم، ولكنه في صميم الموضوع، وصولا إلى المعادلة المتوازنة التي تقول أن جمال الأداء الغنائي لأي مطرب أو مطربة، لا بد من أن يقاس بتكامل عوامل عديدة، منها:

جمال الخامة الصوتية

اتساع المساحات الصوتية

الإحساس العالي الذي يسمح بالإفادة من المساحة الصوتية المتاحة لتقديم الحد الأعلى من التعبير الفني.

درجة السيطرة على الصوت وحسن إدارته في طريقة استخدام النفس والتحكم بحجم الصوت صعودا وهبوطا، والتحكم بمخارج الألفاظ.

الرقي في الأداء وعدم الوقوع في فخ الابتذال، الذي تغري به عادة بعض المقاطع اللحنية ذات الإيقاع القوي.

السيطرة بميزان سحري من الذوق الرفيع، على الطبقات العليا من الصوت، لتجنب الحدة، وعلى الطبقات السفلى لتجنب النشاز السهل وعدم الوضوح في الأداء الغنائي.

فإذا اتفقنا على هذه المعايير المقترحة، كحزمة من العوامل تحكم من خلالها مجتمعة على مراحل تطور صوت ما، ولا نكتفي بمعيار واحد منها معزول عما سواه، فان بالإمكان الاتفاق على أن المرحلة التي وصل فيها صوت أم كلثوم إلى أعلى درجة من التوازن الدقيق بين كل هذه العوامل مجتمعة، هي مرحلة الخمسينيات، بشكل خاص.

التفرد والتــألــق السنباطـــي

إذا كانت القطيعة الكبرى بين أم كلثوم ومحمد القصبجي، مثلها مثل أي شأن من شؤون الحياة العامة لا تخلو من إيجابيات، برغم أنها شكلت مأساة إنسانية وفنية كبرى في حياة عبقري من وزن محمد القصبجي، فلعل إيجابيتها الوحيدة (بعد أن تكاملت مع مقاطعة أم كلثوم لزكريا أحمد 1947-1960) أنها هيأت كل الظروف لتكوّن الثنائي الموسيقي- الغنائي الفذ بين أم كلثوم ورياض السنباطي.

وإذا كان ضعف مقاومة محمد القصبجي لأم كلثوم، أدى إلى القطيعة الأولى بقرار من أم كلثوم، وقوة اعتداد زكريا أحمد بنفسه، أدت إلى القطيعة الثانية، لإصراره على أن يتقاضى أجرا أعلى من بقية زملائه الملحنين، لأنه يعتبر فنه في مرتبة أعلى من فنهم، فلا بد من محاذرة الوقوع في فخ الاستنتاج بأن نجاح الثنائي الفني بين أم كلثوم ورياض السنباطي، وغزارة وأهمية إنتاج هذا الثنائي، وطول عمره، كانت نتيجة سيطرة أم كلثوم على رياض السنباطي وغياب المواجهات الفنية بينهما.

لقد ظهر رياض السنباطي في حياة أم كلثوم في توقيت، يبدو لنا ونحن نلقي اليوم نظرة بانورامية شاملة على كل مراحل الفن الكلثومي، توقيتا مثاليا.

فعند اكتمال قطيعة أم كلثوم مع القصبجي، بقطيعتها مع زكريا أحمد، كان رياض السنباطي الملحن قد بدأ يتخلص من تأثره بعبد الوهاب ومحمد القصبجي، وكانت ألحانه حتى في مرحلة التأثر (مونولوج النوم يداعب عيون حبيبي) تعلن عن ملحن عظيم الموهبة راسخ القدم في السيطرة على الأشكال الفنية التي يتعاطى التلحين في إطارها، مشبعا بروح التراث العربي الموسيقي- الغنائي بشقيه الديني والدنيوي. كل هذا إلى جانب صفات شخصية تهيؤه (منذ البدايات الأولى) لتبوأ موقع متقدم في مجاله، مثل الرصانة، والتفاني الكامل في العمل الفني إلى درجة الترهب والابتعاد عن كل مغريات الحياة الاجتماعية والعلاقات العامة، والاعتداد الشديد بالنفس.

هذا من جهة السنباطي، أما من جهة أم كلثوم، فكانت في تلك المرحلة قد نضجت شخصيا وفنيا إلى درجة تخرجها بطبيعة الحال من موقع «التلميذة» التي تجتهد في أداء الأنماط الفنية التي يختارها ويحددها أساتذتها (محمد القصبجي وزكريا أحمد). صحيح أن الحان زكريا أحمد كانت أقرب إلى الجماليات الفنية التي نشأت عليها أم كلثوم وتشبعت بها من مرحلة التكوين في حضن الإنشاد الديني، غير أن أم كلثوم كانت (على ما ثبت فيما بعد) تصبو إلى آفاق أرحب من تلك التي تؤمنها لها الكلاسيكية المحافظة لزكريا أحمد (على عظمتها).

لقد جاء رياض السنباطي، في تلك اللحظة التاريخية المناسبة، بالمعادلة المتوازنة المطلوبة بين جموح التجديد عند القصبجي، والتزمت التقليدي في كلاسيكية زكريا أحمد.

ومع أن السنباطي كان شريكا في «الحادثة» الفنية التي تمثلت بالمقطعين الاوبراليين في فيلم «عايدة»، فإن أم كلثوم كانت تدرك بسليقتها الفنية الحساسة واللماحة، إلى أن المقطع الاوبرالي الذي لحنه السنباطي كان تعبيرا عن تأثره الشديد بالقصبجي، أكثر مما هو تعبير عن شخصيته الفنية، التي كانت في ذلك الوقت (1941) ما تزال في مرحلة التكون والتبلور.

ولعل أم كلثوم قد وجدت في ثلاثة من ألحان السنباطي المبكرة لها، اكتمال العناصر التي تبحث عنها للانطلاق إلى آفاق جديدة:

لحن نشيد الجامعة، في مجال الغناء الوطني.

ولحن سلوا كؤوس الطلا، في مجال القصيدة الغنائية، سواء كان موضوعها دينيا أو وطنيا أو عاطفيا. ولحن هلت ليالي القمر، الذي أحدث دويا هائلا في حفلات أم كلثوم الشهرية، في توقيت كانت فيه أم كلثوم قد توقفت (أو كادت) عن الاعتماد في حفلاتها الشهرية على الأغنيات القصيرة المعدة أصلا للتسجيل على اسطوانات الدقائق الست، بحثا عن أعمال جديدة موضوعة خصيصا (شعرا ولحنا) لحفلاتها الشهرية الحية على المسرح.

صحيح أن رياض السنباطي قد أنشأ(خارج مملكة أم كلثوم) خطا لحنيا آخر، كان يخص به حنجرته وحناجر بعض من لحن لهم مثل نجاة الصغيرة ووردة وشهرزاد وعبد الحليم حافظ وهدى سلطان، مستقلا إلى حد غير قليل عن النمط الذي كان يخص به أم كلثوم، غير أن ذلك لا يسمح أبدا باعتبار ألحان السنباطي الكلثومية خيارا كلثوميا بحتا. فقد كان في تلك الألحان الكثير من روح رياض السنباطي. أما ما يميزها عن ألحان السنباطي غير الكلثومية، فهو أنه كان في تلك الألحان (غير الكلثومية) يطلق العنان لمزاجه الشخصي وجنونه الفني (إذا صح التعبير) بلا قيود، ويستثير فيها كوامن التجديد لديه بحرية كاملة، بينما كانت سجيته الفنية (في ألحانه الكلثومية) تحلق في فضاء تحده الصيغة التوافقية التي تكرست بينه وبين أم كلثوم، عبر عمل مشترك طويل المدى، كان بلا شك حصيلة لذوقهما المشترك، ولردود فعل جمهور الحفلات الحية، الذي تحول في حياة أم كلثوم إلى «بارومتر» فني يؤثر عليها، وعلى كل من لحن لها، حتى لو جاء من خارج إطار «البلاط الكلثومي»، مثل محمد عبد الوهاب.

هناك وجهات نظر أكثر تطرفا في تفسير هذه الظاهرة، تقارن بين الخطين المتوازيين في شخصية رياض السنباطي الفنية، فتستنتج من المقارنة ما تعتبره تنازلا سنباطيا لأم كلثوم، أو مسايرة لها (في عبارة ألطف)، حتى يعتقد بعض النقاد والمحللين، أنه على عظمة ما أنجز السنباطي من خلال حنجرة أم كلثوم، فقد تم ذلك على حساب حريته اللحنية المطلقة، التي أثبت السنباطي في ألحان غناها بصوته مثل «فجر» «وأشواق» و»ذات يوم يا حبيبي» و «على عودي» وبقية ألحان فيلم حبيب قلبي، و»لحن الوفاء» (لعبد الحليم حافظ)، أنه كان يعد بألوان أكثر تطورا لو كان أكثر إنتاجه خارج الإطار الكلثومي. ولعل أكثر النظريات تطرفا في هذا المجال وردت على لسان كمال الطويل، الذي نقل عنه قوله «أن أم كلثوم كانت أجمل عقبة في طريق تطور الموسيقى العربية».

ومهما كان من أمر هذا الاختلاف في وجهات النظر، فلا شك بأن أعمالا عظيمة، وأنماطا عظيمة قد ازدهرت في حديقة التفاهم الكلثومي-السنباطي. خاصة أن هذه الحديقة ظلت حكرا على فن رياض السنباطي، يختال فيها منفردا حتى بداية عقد الستينيات. تاركين التحليل الفني لهذا النتاج للقسم الثاني من الكتاب.

غــــزارة الإنتـــاج فــي المــواضيع الوطنيـة

إذا كانت مرحلة الأربعينيات قد ميزت الفن الكلثومي بمجموعة القصائد الدينية الشامخة (وكلها من عيون شعر أحمد شوقي وعيون الحان رياض السنباطي مثل نهج البردة وسلوا قلبي وسواها)، التي تحولت إلى ركن ثابت في حفلاتها الشهرية، فان مرحلة الخمسينيات والستينيات قد أفرزت لونا آخر، لا شك أنه أطلق العنان لخيال رياض السنباطي الفني في آفاق جديدة، كان من الصعب ارتيادها سابقا، وهو سلسلة الأغنيات الوطنية، التي تراوحت بين الشعر الفصيح والشعر العامي، والتي كان رياض السنباطي قد أسس لها قبل قيام الثورة برائعته النموذجية في هذا المجال «مصر تتحدث عن نفسها «.

وقد رأينا أن هذه الأغنيات غير قابلة للمقارنة بأغنيات المناسبات الملكية في المرحلة السابقة، فتلك كانت تدخل في باب علاقة أم كلثوم برأس السلطة السياسية في بلدها، أما سلسلة أغنياتها الوطنية في عقدي الخمسينيات والستينيات، فان أي تحليل موضوعي لأشعارها (الفصحى والعامية) ولمناسباتها، ولمستواها الفني الرفيع، يؤكد أنها مكتوبة وملحنة ومغناة للوطن وليس لمن يتولون السلطة السياسية فيه. ومن الأدلة الإضافية على ذلك، إضافة إلى ما أسلفنا، أنها كل هذه الأغنيات كانت تظهر في مناسبات وطنية عامة، وتفاعلا مع أحداث وطنية عامة، بما في ذلك بعض هذه الأغنيات (وهي ليست كثيرة) التي يرد فيها ذكر اسم جمال عبد الناصر مباشرة، فهذا الذكر يأتي دائما (عندما يأتي) في سياق عام، وليس في سياق شخصي، باستثناء أغنية واحدة، أنشدتها أم كلثوم بمناسبة نجاة عبد الناصر من محاولة الاغتيال في الإسكندرية (يا جمال يا مثال الوطنية)، التي أعادت غناءها بتبديل في الكلمات بمناسبة انتخاب عبد الناصر لرئاسة الجمهورية.

وقد ضاعف من أثر هذه الأغنيات في رصيد أم كلثوم الفني العام، أنها بالإضافة إلى مستواها الفني الرفيع، ظلت منذ العام 1952 حتى العام 1970، تترجم أحاسيس مصرية بل عربية عامة كانت تغمر المنطقة العربية من محيطها إلى خليجها، فيصل تفاعل جماهير المستمعين إلى ذروته عندما يستمع إلى أعمال فنية رفيعة المستوى، وتعبر عن أحاسيس جامعة تتجاوز المشاعر الوطنية الضيقة داخل كل بلد عربي، إلى مساحة قومية عامة مشتركة.

وبانتظار التحليل التفصيلي المؤجل إلى القسم الثاني من الكتاب، يجدر بنا في هذا السياق التذكير بنشيد «والله زمان يا سلاحي» (الذي كتبه صلاح جاهين ولحنه كمال الطويل إبان معركة السويس 1956)، والذي تحول (حتى توقيع السادات اتفاقية كامب دافيد مع إسرائيل) إلى نشيد مصر الوطني (ونشيد الجمهورية العربية المتحدة طيلة أيام الوحدة بين مصر وسورية). وهذا شرف عظيم قل أن يناله أي فنان وهو على قيد الحياة، وفي عز نجاحه الفني. لقد تحولت أغنيات أم كلثوم الوطنية إلى مسرح جديد يفجر القريحة الفنية لكل من تعاملت معه من ملحنين، إلى آخر مدى، ويسحبها إلى آفاق جديدة يصعب أن يطرقوها خارج إطار هذه الأغنيات الوطنية. يكفي أن نستعرض على سبيل المثال من أعمال رياض السنباطي: ثوار، طوف وشوف، صوت الوطن، يا حبنا الكبير، ومن ألحان عبد الوهاب:على باب مصر، وأصبح عندي الآن بندقية، ومن أعمال محمد الموجي: محلاك يا مصري، ومن أعمال كمال الطويل: والله زمان يا سلاحي، ومن أعمال بليغ حمدي: سقط النقاب.

إلياس سحاب

back to top