رنين الكلام لنزند بكيخاني... قصائد الألم
صدر حديثاً عن «منشورات الجمل» كتاب «رنين الكلام» للشاعرة الكردية العراقية نزند بكيخاني، بترجمة لقيس قره داغي، ومراجعة عفيف الحسيني.في تقديمها لكتابها الشعري، تقول نزند بكيخاني إن «رنين الكلام» سبق وأن طُبع باللغة الإنكليزية عام 2006. وهو يضمّ مجموعة من قصائدها الجديدة، مضافاً إليها معظم قصائدها القديمة التي ضمّتها المجموعات الثلاث التي طُبعت على التوالي: «أمس الغد» - باريس 1995، «إطراء» - أربيل 2004، و{لون التراب».
تعلن بكيخاني أن بعض التصرّف منها طرأ على قسم من القصائد المنشورة في الديوانين الأوّلين، وشمل العناوين أحياناً والمضامين والأشكال أحياناً أخرى، وهنا يجد القارئ بعض القصائد التي كتبتها الشاعرة بالإنكليزية وترجمتها إلى الكردية بنفسها.بدأت بكيخاني مع الشعر في سن الرابعة عشرة، بينما بدأت بالنشر في الثمانينات. أما عزوفها عن النشر في كردستان فيعود إلى اتخاذها قراراً كإنسانة ناشطة ضد النظام، عازمة على الامتناع عن النشر في صحفه. وتذكر بكيخاني أنها عندما هجرت الوطن عام 1987، أودعت قصائدها وصورها وبعض أوراقها الثبوتية لدى أحد معارفها، الذي دفنها بدوره تحت التراب في باحة منزله خشية وقوعها تحت يد جواسيس السلطة وأعوانها، وعند عودتها إلى الوطن بعد أربع سنوات قصدت المنزل وحفرت المدفن فلم تعثر إلا على التراب.شهودفي تقديمه للكتاب، يعتبر الشاعر الإنكليزي ريغارد مكين أن قصائد بكيخاني تعجّ بالآلام: آلام المرأة وآلام الأكراد، وعلى قرائها في الغرب أن يتآلفوا معها ويكونوا شهوداً عليها. ومنذ زمن بعيد وساسة الغرب والشرق قد خيّبوا آمال الأكراد، وفي المقابل لم تشهد الحركة الكردية اتحاداً بين فصائلها، لذلك على الغرب الاستماع الى أشعار نزند بكيخاني وشيركو بيكس والشاعرة الشابة جومان هردي، للتوصّل من خلالهم إلى الصوت الكردي الأصيل. وعلى الغرب الإصغاء إلى فلسفة أخلاقهم التي تتجاوز حدود هذه الدنيا تماماً مثلما تجاوز الشاعر الروسي ماندلشتام حدود ستالين، فالطغاة الذين يضطهدون الأكراد باتوا معروفين.يضيف مكين أن الكتابة في المنفى تتّخذ مدارين اثنين، فإلى جانب الأوستاليزيا نستمع إلى مزيد من الصراخ، ومع الانغمار في العاطفة نستمع إلى الموسيقى. فقصائد بكيخاني تحتضن تقاسيم أربعة، فهي وُلدت في كردستان، وتلقّت تعليمها بالعربية، وهي طليقة باللغتين الفرنسية والإنكليزية، إلى درجة تألّقها في ترجمة نصوصهما، وهذا أمر طبيعي، فهي تقيم في فرنسا منذ أمد بعيد، وأكملت تعليمها العالي في جامعة السوربون، وترجمت بودلير وإبليوت إلى الكردية.وعندما نتمعّن في شعر بكيخاني نتيقّن كم تأثرت بشعر إليوت واستفادت منه، وبشعر إيلوار، خصوصاً عندما تقول: «إنه لزمن جاف»، فهنا نلتقي بحسّ إليوتي. وتسدي مثل هذه الترجمات والأعمال خدمة كبيرة للشعر الكردي عموماً وشعر بكيخاني خصوصاً.تقترن حياة بكيخاني بسياسة الجينوسايد على الأكراد. فقد عُلّق اثنان من أشقائها على أعواد مشانق النظام البعثي في العراق، أما شقيقها الثالث فنجا من السجن بأعجوبة لتنتهي حياته بحادث مأساوي في ألمانيا. كذلك، توفي والدها عام 1986 إثر تلقّيه بطش البعثيين في سجونهم.يُذكر أن بكيخاني مُنحت من وزارة الخارجية الفرنسية زمالة دراسية عام 1989 في جامعة السوربون، وهي تقول: «بالإبداع، الإبداع الفني، بالشعر، يكون بمقدور المرء تجاوز الحقد والألم». حواريقول ميكن: «عندما نلتقي ببكيخاني نكون قبالة امرأة رشيقة باسقة القوام، تتحدّث بهدوء، إنسانة لطيفة تتجوّل بين الفرنسية والإنكليزية برشاقة تامة، فعملقة بكيخاني لا تمحي حرقتها لضياع حقوق الإنسان. بل هنالك عقد بين هذا وذاك، فبكيخاني هي تلك الإنسانة النادرة التي تؤمن بالحوار وتحترمه في مجمل الجوانب المتعلقة بالمسألة الكردية، وهي في الوقت نفسه إحدى القائدات المناهضات لقتل المرأة بجريرة الشرف وإحدى المدافعات عن حقوق الإنسان الكردي}.في قصائدها، تدافع بكيخاني عن جسد المرأة، وفي «جسدي ليس ملكاً لكم» تقول: «لكنني كنت أنا لوحدي وهم جميعاً». فهذه المقولة تعيدنا إلى مقولة ألكساندر دوما «الفرد للجماعة والجماعة للفرد أو على الفرد»، ومن السهل علينا أن نتضامن مع بكيخاني وهي تقول في قصيدة «الحلم»:في رؤيايأقف وسيطة بين الله والثعبانأعيد آدم إلى نعيمه. ومع أن قصائد بكيخاني تحمل رموزاً تراثية وفولكلورية كثيرة، يعتقد مكين أنها تستحق أن ترشّح لاحتلال مكانة لها في منظّمة أطباء بلا حدود، فبكيخاني تلاطف روح الإنسان برقة ونعومة في شعرها، فكثيرة هي تلك القصائد التي خصّتها لأمها، و{الله عند أمي قيوم» مثال حي للحقيقة التي مفادها أن اللغة قادرة على أن تكون معبّرة. وفي قصيدتها «السفر»، تعبّر بكيخاني عن وجدانيتها وهي تقول:عبرت إلى الضفة الأخرىالضفة الأخرى للأشياءالوجه الآخر للكلمةظهر الريحما وراء الجسدلكي أبلغ ذاتي.وأحياناً نجد الشاعرة تبلغ حدود الفلسفة في أقصر مسافة شعرية:العلم ليس نقيضاً للجهلبل هو فضاءلرؤية أخرىلرؤية نافذة ضاحكةتفيض نوراً مختلفاً.وحتى السعادة تتحوّل إلى صعود عند بكيخاني في شعرها:السعادة سلم تعال كي نتسلّقه سوياً.