الحليب... كيف حدّد مجرى التاريخ؟

نشر في 02-11-2010 | 00:00
آخر تحديث 02-11-2010 | 00:00
كشفت أبحاث أخيرة أن الزراعة ظهرت في أوروبا خلال موجة من الهجرة قدِمت من الشرق الأوسط خلال العصر الحجري الحديث. فتغلّب الوافدون الجدد على السكان المحليين بسبب حضارتهم المعقدة وإتقانهم فن الزراعة، فضلاً عن غذائهم العجيب، الحليب.

وقفت عالمة الأثار بريجيت سروك بين شاحنات التفريغ والمنقبين، وراحت ترسم مخطط حفرة احتوت عموداً قبل 7200 سنة. وظهر خلفها في البعيد مصنع للإسمنت. حضرت سروك إلى هذه المنطقة لأن العمال، خلال شقّهم خط سكك حديد سريعاً بين مدينتَي نورنبيرغ وبرلين الألمانيتين، عثروا صدفة على مستعمرة ضخمة تعود إلى العصر الحجري الحديث في منطقة فرانكونيا العليا في شمال بافاريا.

نُبشت بقايا أكثر من أربعين منزلاً، فضلاً عن هياكل عظمية ومغازل وآنية طينية مستديرة وأسنان بقر ومناخل مكسورة استُخدمت في إنتاج الجبن. فبدت هذه مستعمرة نموذجية لما يُدعى {حضارة الخزف الخطي} (نسبة إلى الأنماط التي اتبعوها في إنتاج الخزف).

منحتنا هذه الحضارة القديمة نعمة الخبز. نحو عام 5300 قبل الميلاد، بدأ الجميع في أوروبا الوسطى فجأة يزرعون ويربون الماشية. فاحتفظ أعضاء حضارة الخزف الخطي بالأبقار في حظائر خشبية، استخدموا الحجارة للطحن، وجنوا الحبوب. وفي أقل من 300 سنة، انتشر نمط الحياة هذا في حوض باريس.

طالما شكّلت أسباب هذا التحوّل السريع لغزاً. فهل حدث ذلك بسبب فكرة انتشرت في مختلف أرجاء أوروبا الوسطى آنذاك، أم بسبب هجرة شعب كامل؟

تعاون سلمي أم غزو؟

ظنّ أكاديميون كثر أن فكرة الغزو منطقية. اكتُشفت الزراعة في الشرق الأوسط. لكنّ عدداً من الباحثين استصعب تصديق أن أناساً من تلك البقعة من العالم انطلقوا في مسيرة طويلة عبر البوسفور ليصلوا إلى الشمال.

كان لجينس لونينغ، عالم أثار ألماني متخصّص في عصور ما قبل التاريخ، التأثير الأكبر في تبني النظرية السائدة اليوم، وخصوصاً فكرة أن مجموعة صغيرة من المهاجرين {عملت بشغف} لتعريف سكان أوروبا الوسطى على الزراعة وحلب المواشي. فنقل هؤلاء بدورهم هذه المعرفة الجديدة إلى الآخرين. وتواصلت هذه العملية بوتيرة سريعة وبروح من {التعاون السلمي}، وفق لونينغ.

ولكن أثيرت اليوم شكوك كثيرة حول هذا التفسير. فالحفريات التي تُنجز في تركيا والتحليل الجيني للحيوانات المدجنة والهياكل العظمية التي تعود إلى العصور الحجرية يقدّمان صورة مختلفة تماماً:

- نحو عام 7000 قبل الميلاد، بدأت هجرة جماعية للمزارعين من الشرق الأوسط إلى أوروبا.

- أحضر هؤلاء المزارعون القدامى معهم ماشية مدجنة.

- ما من تزاوج بين الدخلاء والشعب الأصلي.

طفرة الحليب

حمل الوافدون الجدد معهم طعاماً عجيباً. فقد أنتجوا الحليب الطازج. وتمكّنوا بفضل طفرة جينية من شرب كميات كبيرة منه. نتيجة لذلك، كبرت مجموعة المزارعين ونمت. وهذا ما أكّدته مجموعة بارزة من الاختصاصيين في علم الأحياء والكيمياء. ففي فيض من المقالات التي نُشرت في مجلات متخصصة، مثل Nature وBMC Evolutionary Biology، نسف أصحاب الاختصاص في هذا المجال أفكاراً كثيرة سائدة خلال السنوات الثلاث الماضية.

يعمل الفريق الأهم بين هؤلاء العلماء على مشروع {ليتشه} (اسم مستوحى من كلمة حليب بالإسبانية). يضمّ هذا الفريق 13 معهد أبحاث من سبعة بلدان في الاتحاد الأوروبي، وهدفه كشف الألغاز الجينية لبدايات الزبدة والحليب والجبن.

حدثت ظروف غريبة أتاحت إجراء هذا البحث. لم يستطع الإنسان في البداية هضم الحليب، إذ لا ينتج جسمه الأنزيم القادر على تفكيك اللاكتوز (سكر الحليب) في الأمعاء الدقيقة إلا خلال السنوات الأولى من حياته. حتى أن معظم البالغين في آسيا وأفريقيا يعاني بعد شرب حليب البقر من الغثيان والغازات والإسهال.

لكن الوضع مختلف في أوروبا، حيث يحمل كثيرون تعديلاً بسيطاً في الصبغي 2 يسمح لهم بهضم الحليب طيلة حياتهم من دون أن يعانوا مشاكل في الأمعاء. واللافت أن نسبة هؤلاء هي الأعلى بين البريطانيين والاسكندنافيين.

أدرك العلماء منذ زمن أن هذه الاختلافات تعود إلى أصول الأوروبيين القديمة. ولكن أين عاشت أولى الشعوب التي شربت الحليب؟ ومَن كان أول إنسان يشرب حليب البقر من دون أن يعاني اضطراب الأمعاء؟

لم تختلط المجموعتان

في سباق لفكّ هذا اللغز، حلّل علماء الأحياء الجزيئية عظاماً كثيرة تعود إلى العصور الحجرية الحديثة. وحقّقوا اكتشافاً مذهلاً السنة الماضية، حين اتضح لهم أن أولى الشعوب التي شربت الحليب عاشت في ما يُعرف اليوم بالنمسا والمجر وسلوفاكيا.

ولكن في تلك البقعة أيضاً نشأت حضارة الخزف الخطي. يوضح يواكيم بورغر، اختصاصي في علم الإنسان (الانثربولوجيا) من جامعة ماينز في جنوب غرب ألمانيا وعضو في فريق {ليتشه}: {سرعان ما تأكّدنا من أن تحمّل اللاكتوز إحدى ميزات هذا الشعب}.

كانت الأفخاذ المجمدة مكدّسة في مختبر بورغر، حيث عمل مساعدوه، الذين يرتدون الأقنعة، على نشر العظام، فيما راح آخرون يتفحصون قطعاً من مواد جينية تعود إلى العصر الحجري تحت ضوء أزرق.

سيعقد هذا الفريق، خلال الشهر الجاري، اجتماع عمل في منطقة أوبسالا في السويد. ولكن يتضح من هذه المرحلة أن عدداً كبيراً من الناس من الشرق الأوسط هاجروا إلى أوروبا الوسطى.

كذلك، تتوافر أدلة على نشوب صراع. فقد بدا الدخلاء مختلفين عن سكان العصر الجليدي في القارة، بما أنهم تحدروا {من سلالات جينية مختلفة تماماً}، حسبما يفيد بورغر. بكلمات أخرى، لم تختلط هاتان المجموعتان، ولا عجب في ذلك.

توتّر بين المحليين والوافدين

كانت مجتمعات الصيد وجمع الثمر في القارة قد اعتادت منذ زمن صيد الحيوانات والأسماك. وصل أسلافهم إلى أوروبا قبل 46 ألف سنة، أي أنهم التقوا على الأرجح بالنياندرتال.

نتيجة لذلك، بدا انتقال المزارعين الأوائل إلى أوروبا الوسطى خطوة معقدة جداً بالنسبة إلى أولاد الطبيعة هؤلاء. فقد ارتدى المزارعون ملابس غريبة وصلّوا إلى معبودات مختلفة وتحدّثوا لغة مغايرة.

ولا بد من أن هذه الاختلافات أدت إلى نشوب توترات. فاكتشف الباحثون أن مفتعلي النيران أشعلوا قرى حضارة الخزف الخطي، ما دفع بالمزارعين إلى بناء أسوار خشبية حموا بها قراهم. لكن نهر الراين أعاق تقدّمهم لوقت طويل.

ثمة دلالات كثيرة على حدوث عمليات تجارة ومقايضة بين المجموعتين، إلا أنهما لم تختلطا جنسياً. ويظن بورغر أن {حظر تزاوج صارماً} فُرض على الأرجح.

حمى المزارعون ماشيتهم من التأثيرات الخارجية. وبدوا مصممين على ألا يتيحوا للثور البري المعروف باسم {الأرخص} التزاوج من أبقارهم الشرق أوسطية، لأنهم خشوا أن تدخل ذريته الهجينة عنصراً برياً إلى حيواناتهم المدجنة.

ولا شك في أن الاحتياطات التي اتخذوها في مجال التناسل مبرَّرة. فقد تطلّب إخضاع الإنسان النبات والحيوان جهداً جباراً والكثير من الصبر والعبقرية. واستغرقت هذه العملية آلاف السنين.

التحكّم في الحيوانات

صار بإمكان العلماء اليوم رسم البداية بدقة نسبية. فقبل 12 ألف سنة تقريباً تحولت المنطقة الممتدة بين جبال زغروس في إيران اليوم وفلسطين وتركيا إلى حقل تجارب ضخم.

تعلّم المزارعون الأوائل في البداية زراعة قمح إيمر وإنكورن، ثم نجحوا في تدجين الحيوانات. فدُجّن الماعز بنجاح في إيران نحو عام 9000 قبل الميلاد، في حين دُجّنت الخراف والخنازير في جنوب الأناضول.

وسرعان ما ظهرت مستعمرات ضخمة في المنطقة المعروفة بالهلال الخصيب. ضمت تشاتالهويوك، التي تُعرف بـ{مدينة الإنسان الأولى}، نحو خمسة آلاف نسمة عاشوا في أكواخ متلاصقة من الطين. عبد هؤلاء الإلهة الأم، وصوّروها في تماثيلهم امرأة سمينة تجلس على عرش مزيّن برؤوس حيوانات ضارية.

ومن التحديات الكبرى التي واجهتهم، تدجين الأبقار البرية في الشرق الأوسط وتزويجها. بلغ وزن الثور آنذاك ألف كيلوغرام، وعلا رأسه قرنان منحنيان. استجمع الإنسان في النهاية الشجاعة للاقتراب من هذه الحيوانات في مكان ما من وسط وادي الفرات.

توصّل هؤلاء المزارعون إلى طرق مختلفة للسيطرة على هذا الحيوان. فتُظهر إحدى منحوتات العصر الحجري الحديث ثوراً أُحدث ثقب في حاجز أنفه. كذلك، سرعان ما اكتشف المزارعون أن الخصي يخفف من حدة طباع هذا الحيوان. وبعد أن خصوا الثور البري، نجحوا في وضع نير على عنقه.

أدرك المزارعون الأذكياء أنهم إذا أعطوا الأبقار عجولاً من أبقار أخرى، فستبقى ضروعها مليئة بالحليب.

لم يشربوا الحليب

تكمن المفارقة في أن مزارعي بلاد ما بين النهرين لم يشربوا الحليب الطازج. فقبل أسابيع، عاد يواكيم بورغر من تركيا وفي حوزته كيس مليء بعظام تعود إلى العصر الحجري الحديث نُبشت من مقابر للمزارعين القدماء اكتُشفت حديثاً.

عندما حُللت هذه العظام، لم تظهر فيها أي دلالات على تحمّل اللاكتوز. يوضح بورغر: {لو شرب هؤلاء المزارعون الحليب لشعروا بالإعياء}. ويشير هذا الواقع إلى أن المزارعين لم يستهلكوا في البداية إلا منتجات الحليب المختمرة، مثل الكفير واللبن والجبن، التي تحتوي نسباً قليلة من اللاكتوز.

واللافت أن المزارعين القدماء لم يغادروا منطقتهم طوال ألفي سنة تقريباً، حسبما تُظهر الحفريات الحديثة في الأناضول. وتوصل هؤلاء إلى كامل اكتشافات {حضارة العصر الحجري الحديث}، من حجارة الطحن إلى البذور، {من دون الانتقال إلى مناطق أخرى}، حسبما يفيد عالم الأثار محمد أوزدوغان.

علاوة على ذلك، تفادى المزارعون المناطق الساحلية، لأن سكانها كانوا على الأرجح صيادي أسماك دافعوا عن أنفسهم في وجه نمط الحياة الجديد هذا بواسطة رماح الصيد.

مستعمرون متمرّدون

لم يجتز المزارعون البوسفور حتى 7000 إلى 6500 سنة قبل الميلاد. ولم يواجهوا مقاومة تُذكر من الحضارات المعتمدة على الصيد وجمع الثمار في تأمين قوتها، خصوصاً بعدما دمّرت الفيضانات آنذاك مستعمراتها الساحلية. فقد أدى ذوبان الجليد إلى ارتفاع مستوى مياه البحر بنحو مئة متر.

على رغم ذلك، لم يصِب المزارعون النجاح في تقدّمهم عبر منطقة البلقان. ويتضح ذلك من خلال مساكنهم الصغيرة المتواضعة. فتوقف تقدّمهم طوال خمسمئة سنة تقريباً عند درجة 47 شمال خط الاستواء، قرب بحيرة بالاتون في ما يُعرف اليوم بالمجر.

تُعتبر حضارة الخزف الخطي أول مَن عبر إلى ضفة بحيرة بالاتون الشمالية، ما بثّ الحياة في هذه الحركة مجدداً. يتحدث لونينغ عن مستعمرين {متمردين} ابتكروا {نمط حياة جديداً} و{مشروع إصلاح} على الجهة الأخرى من البحيرة.

وبتصميم لا ينثلم، واصل هؤلاء الرواد تقدّمهم وبناء مستعمرات جديدة. تألفت قراهم عادة من ثلاثة إلى ستة منازل طويلة لا نوافذ لها، تصطف على الجهة الشمالية الغربية، وبقربها أُقيمت حظائر الماشية وآبار بُنيت بمهارة. أما معداتهم ومعاولهم وطاساتهم (أوانٍ نصف دائرية بمعظمها)، فجاءت متطابقة في مختلف أنحاء أوروبا الوسطى، من أوكرانيا إلى الراين.

الهجر والقتل الجماعي

واصل المستعمرون، الذين أتقنوا استخدام المنجل، تقدّمهم نحو الشمال، مخترقين مناطق الشعوب المتخلّفة. امتاز الوافدون الجدد بنشاطهم وعملوا في الحقول بدأب. تُظهر التماثيل الطينية أنهم كانوا يرتدون السراويل ويحلقون ذقنهم. حتى أن النساء صبغن شعرهن باللون الأحمر وزيّنه بصدف الحلزون. كذلك، ارتدى كلا الجنسين القلنوسات واعتمر الرجال أيضاً قبعات مثلّثة.

في المقابل، غطى سكان القارة البدائيون أجسامهم بجلود الحيوانات وعاشوا في أكواخ بسيطة جداً. لذلك، اعترتهم الحيرة فيما راحوا يتأملون الوافدين الجدد وهم ينزعون الأشجار من مناطق صيدهم، يحرثون الأرض، ويزرعون البذور. فأثار ذلك، على ما يبدو، استياءهم، ودفعهم إلى مقاومة الدخلاء.

من الاكتشافات المريعة التي تعود إلى العصر الحجري الحديث في أوروبا مقبرة جماعية دُعيت {حفرة موت تلهايم} في البلدة التي تحمل الإسم ذاته. احتوت هذه الحفرة بقايا 34 جثة. فقد أُخذ أعضاء قبيلة كاملة على حين غرة وهم نيام. فضُربوا حتى الموت بالعصي والفؤوس. غير أن علماء الأثار لم يتمكّنوا حتى اليوم من معرفة ما إذا كان الوافدون الجدد قتلوا السكان المحليين أو العكس.

إكثار من شرب الحليب

من الواضح أن الغلبة النهائية كانت للمزارعين الذين يعتمدون على الحليب في قوتهم. فخلال هجرتهم، عثروا على مراعٍ غضة شكّلت جنة لأبقارهم. ومع تقدّمهم نحو الشمال حصدوا فائدة إضافية. فما عاد حليبهم يفسد سريعاً بسبب المناخ الأكثر برودة.

ولعل هذا ما دفعهم إلى الإكثار من شرب الحليب. وقد تعرّض البعض لطفرة جينية مكّنته من تناول الحليب من دون الإصابة بالغثيان. فمثّل هؤلاء مؤسّسي هذه الحركة الحقيقيين.

ونتيجة عملية {التطوّر السريع} هذه، انتقل تحمّل الحليب إلى شريحة أكبر من الناس خلال المئة جيل التالية، حسبما يوضح بورغر. فتحوّلت أوروبا إلى أرض الطفل الدائم، إذ صار بإمكان الناس شرب الحليب طوال حياتهم.

عاد هذا الطعام الجديد بفوائد جمة على الأولاد. ففي العصر الحجري الحديث، مات أولاد كثر بعدما فُطموا في عامهم الرابع. لكن عالِم الأحياء فريتز هوفلر يعتقد بأن {تناول الحليب الجيّد قلّل من هذه الوفيات}، ما أدى إلى نمو عدد السكان. نتيجة لذلك، ازداد توسّع هؤلاء الوافدين الجدد الجغرافي.

{ثورة بيضاء)

هل يعلّل ذلك السرعة التي احتل بها مخترعو المنجل والمحراث أوروبا، ما تسبّب باختفاء المجتمعات التي تجني قوتها من الصيد وجمع الثمار؟

لنتخيّل قرية تابعة لحضارة الخزف الخطي في فصل الشتاء. فمع تصاعد الدخان من الأكواخ الخشبية، كانت الطاولة في الداخل تعج بأولاد حمر الخدود يشربون الحليب الساخن مع العسل، الذي أعدته والدتهم لتوّها. تساعدنا هذه الصورة على فهم الأسباب التي دفعت بالإنسان إلى التخلّي عن تنقّله.

في مطلق الأحوال، يبدو بورغر مقتنعاً بأن الحليب أدى دوراً أساسياً في تحديد مجرى التاريخ، تماماً مثل البارود بعد فترة طويلة من الزمن. يوضح بورغر: {شهد العالم في الماضي ثورة بيضاء}.

back to top