المرض... واجهوه بالأمل والتفاؤل

نشر في 11-03-2011 | 00:00
آخر تحديث 11-03-2011 | 00:00
يخشى الجميع المرض، أو أقلّه الأمراض الخطيرة! لهذا السبب، يصعب على الناس أحياناً التلفّظ بكلمة «سرطان»، ولا بدّ من بذل جهد كبير للتحدّث عن هذا الموضوع بشكل تلقائي. من الملاحظ أيضاً أنّ المحيط الاجتماعي يبتعد أحياناً عن الشخص المريض كما لو كان مصاباً بمرضٍ مُعْدٍ. ينطبق ذلك على حاملي فيروس الإيدز أو المصابين بأمراض نادرة تُشعِر الناس بالانزعاج كونهم لم يعتادوا مواجهة حالات مماثلة. تنشأ العلاقة المعقّدة نفسها عند مقابلة أو معاشرة أشخاص أو أطفال معوّقين. فيعمد الناس غالباً إلى الابتعاد عنهم.

حين يُبدي الناس هذا النوع من المواقف، يصعب عليهم الاعتراف بأنّ المشكلة تكمن فيهم. كذلك، يصعب عليهم تخيّل ما سيشعرون به فعلياً في حال تلقّوا هذا النوع من الأخبار السيئة. قد يحاول المحيط أحياناً الانسحاب، لكن يصعب فعل ذلك على المدى الطويل أو المتوسّط حين يُصاب المرء نفسه بالمرض. وحتى لو كان الأشخاص المقربّون من المريض لا يفارقونه، إلا أنّ خبراً مماثلاً قد يبثّ فيه شعوراً عميقاً بالوحدة. نظرياً، من المعروف أنه يستحيل علينا وضع أنفسنا في مكان الآخر. وحين تكون حياة هذا الآخر عرضة للخطر، من الطبيعي أنّ أحداً لا يستطيع فعلياً التخفيف من الصدمة التي يواجهها.

الإعلان عن الإصابة 

يرتفع عدد المرضى الذين يلومون الأطباء على إعلان إصابتهم بمرض السرطان تحديداً أو إعاقة تطاول أحد أطفالهم بطريقة لا تراعي مشاعرهم. يواجه الأطباء والممرّضات هذا النوع من الإشكاليات بشكل متواصل، بل يومياً أحياناً، فيضطرّون إلى التعامل عادةً مع أشخاص لا يمتّون إليهم بِصلة، وبالتالي من الطبيعي أن يصبح الأمر عادياً بالنسبة إليهم مع مرور الوقت، فيبدو عليهم شيء من اللامبالاة عند إعلان الخبر السيئ. لذا بدأ بعض الجمعيات يطالب بتوعية الأطباء حول هذا الموضوع وضرورة القيام بهذه المهمّة بكلّ هدوء، مع ذكر التحذيرات المتعلّقة باستعمال العلاجات.

عمليّاً، لا تعني البراعة في تشخيص الأمراض والكفاءة العالية في المجال الطبي بالضرورة التمتّع بالقدرة على فهم حالة المريض النفسية. حتى أنّ بعض الأطباء يكون مقتنعاً بأنه يتلقّى أجره مقابل تقديم أفضل العلاجات للمرضى من دون أن يتخطّى الأمر حدود ذلك. لكن من المفيد أن يحاول الطبيب وضع نفسه مكان المريض والتساؤل عن الطريقة السليمة لإعلان خبرٍ مماثل لزوجته مثلاً أو لأي فرد من عائلته. صحيح أنّ قول الحقيقة عامل أساسي، لكن من الضروري أيضاً إعطاء المريض فسحة أمل. لا شكّ في أنّ مهمّة الإعلان عن الأخبار السيئة ليست سهلة بأيّ شكل، إذ يتطلّب الأمر تعاطفاً شديداً وإحساساً صادقاً وتدريباً حقيقياً في حال الافتقار إلى الخبرة في هذا المجال.

غالباً، تنجم حالة الهلع التي يشعر بها المريض عن إحساسه باقتراب الموت. يختلف الأمر عن التعرّض لحادث سيارة أو إصابة رياضية، إذ يبقى هذا الاحتمال بعيداً وغير مرجّح. لكن حين يُصاب المرء بالمرض، يبدو له أنّ شبح الموت يقترب منه، حتى لو تحقّق الشفاء بعد العلاج. في لحظة تلقّي الخبر، يترسّخ الخوف في دماغ المريض، إلى جانب الشعور بفقدان السيطرة على الجسم، الأمر الذي أدّى في الأصل إلى تطوّر المرض بصمت. هذا الشعور باقتراب النهاية الأصعب حتماً لحظة تلقّي الخبر وفي الأيام التي تليه. كذلك، يشكّل هذا الخبر صدمة بالنسبة إلى العائلة والمقرّبين من المريض، إذ ستشهد حياتهم أيضاً انقلاباً جذرياً.

ردّة الفعل الأولى

تكون ردّة فعل المريض غالباً سلبيّة نسبياً في البداية، وفي هذا المجال تؤدي ردّة فعل أفراد العائلة دوراً أساسياً. قد تشمل ردّة الفعل جميع أنواع المشاعر من ثورة، وأسى، وبكاء، وصمت، والبحث عن الوحدة، ونوبات الجنون. تبرز أهميّة الدعم النفسي في هذه المرحلة، وسرعان ما يسود التفكير المنطقي لدى الجميع وتبدأ العلاجات الطبية الإلزامية خلال فترة قصيرة.

يستلزم الوضع غالباً مساعدة علم النفس، لكن تبقى هذه الخطوة طوعيّة. يوافق عليها عدد كبير من المرضى الذين يشعرون بحاجتهم إلى ذلك أو ببساطة يفكّرون بأنّ الأمر لن يضرّهم. في المقابل، يفضّل آخرون مواجهة وضعهم من دون تلقّي مساعدة من هذا النوع، بل عبر اللجوء إلى الشريك أو صديق مقرّب، أو شقيق، أو أم، أو زميل... لكن يميل البعض أيضاً إلى الغرق في حالة من الصمت، لكن سرعان ما يحلّ اليوم الذي يشعرون فيه بضرورة التعبير عن حالتهم بطريقتهم الخاصّة.

قد تتكامل المقاربتان بما أنّ المقرّبين من المريض يعرفونه جيّداً ويكونون مستعدّين لتقبّل ردود فعله الأكثر تطرّفاً، بينما يتصرّف الطبيب النفسي بناءً على نظرته الموضوعية وخبرته الواسعة في هذا المجال. ولا ننسَى أنّ المرضى لا يعبّرون بالضرورة عن مشاعرهم بالطريقة عينها أمام شخص قريب وآخر يُعتبر غريباً.

شعور بالظلم

لكن علينا ألا ننسى أنّ الصدمة، مهما كانت عنيفة بالنسبة إلى المريض، فهي تكون كذلك بالنسبة إلى الأشخاص الذين يحبّونه أيضاً، لذا تتأثر الأسرة بأكملها بهذا الحدث المؤسف. تتمثّل ردّة الفعل الطبيعية عادةً بالسؤال التالي: «لماذا أنا؟ أو لماذا هو/ هي؟». غالباً، ينشأ شعور بالظلم، لكن سرعان ما يتلاشى مع مرور الوقت، لأنّ المريض يشاهد حالات مماثلة أو أصعب من حالته حين يواظب على زيارة المستشفى. يستفيد المريض فعليّاً من التعرّف إلى أشخاص عانوا الحالة نفسها، مثل بتر الأطراف أو الصدمات الحادّة، ومع ذلك لا يزالون صامدين وقادرين على التحدّث معه ومساعدته وطمأنته بوجود أمل بالشفاء. لكن يجب ألا تحصل هذه المواجهة مع مرضى آخرين في مرحلة مبكرة، لأنّ المرء يكون تحت أثر الصدمة وفي حالة من الثورة على واقعه.

التكلّم لتفريغ المشاعر

يساهم الطبيب النفسي في إعطاء المريض فرصة التكلّم عن حالته، فضلاً عن التوصّل إلى هدوء نسبيّ يسمح له باستيعاب المعلومات المتعلّقة بالعلاج، إذ يصعب عليه في البداية فهم المعلومات والمؤشرات التي لا ترتبط بالمرض. بالتالي، لا يمكن استيعاب طبيعة العلاج ونتائجه إلا بعد فترة من الوقت.

كذلك، قد يساعد الطبيب النفسي في توجيه المريض على طريق العلاج وإقناعه بمنافعه. يظنّ بعض المرضى في المرحلة الأولى ألا أمل في الشفاء، وبالتالي لا ضرورة للخضوع الى العلاجات التي يصعب تحمّلها أحياناً. لا يجب تجاهل دور الطبيب النفسي إذاً، بل على المريض أن يشعر بالراحة في هذا النوع من العلاقات، علماً أنه يستطيع إيقاف الجلسات والتوجّه إلى شخص آخر.

لا داعي للخضوع الى علاج نفسي على المدى الطويل بل تكفي الاستفادة من شخص يصغي إليك لفترة محددة أو الاستعانة بمساعدة أحد الاختصاصيين عندما يشعر المريض بالحاجة إلى ذلك. ولا يتعلّق الأمر بحلّ المشكلة بل بتقبّلها بغية مقاربة الوضع بطريقة أوضح واستيعاب الخيارات الممكنة.

كيفيّة مواجهة المرض

على المريض وعائلته مواجهة الوضع المستجدّ، كلٌّ على طريقته الخاصّة. ليس الوضع سهلاً بأيّ شكل، ولا سيّما في حال وجود أطفال، إذ لا بدّ من إبلاغهم بالطريقة الصحيحة التي تناسب سنّهم. لكن يجب التذكير مجدداً بأنّ المريض يحتلّ الأولويّة في هذا المجال.

تتنوّع طرق مواجهة المرض بحسب طبيعة كلّ شخص، لكن ثمة نقاط مشتركة بين جميع المرضى:

• يواجه جميع المرضى، في لحظة معيّنة، حالة من الضعف الجسدي الشديد الذي يؤدي بدوره إلى حالة ذهنيّة تختلف عن وضعها الطبيعي، وتحديداً حين تبدأ نوبات الألم. مع وجود المرض في صُلب حياة المريض، تتغيّر نظرة هذا الأخير إلى الزمن، فيصبح تفكيره منصبّاً على الحاضر، ويعيش كلّ يوم بيومه، بل كل ساعة بساعتها، مع أنّ هذا التفكير بعيد كلّ البعد عن المنطق والواقع، لكنه ينجم في غالبية الحالات عن إنهاك شديد.

• بحسب خطورة الحالة، يبدأ المريض بمحاربة المرض وترقّب تحسّن وضعه. لكنه يخصّص وقتاً طويلاً للتفكير بمسار حياته، وبالأحداث الماضية وأكثر الأمور المهمّة بالنسبة إليه، وأخيراً بما يجب فعله لمقاومة المرض.

• سرعان ما تصبح هذه الرغبة في المقاومة السلاح الأقوى في وجه الخوف من الموت. قلّةٌ من الأشخاص يستسلمون لحالتهم إلا إذا كانوا يعيشون في عزلة عن محيطهم.

• يشكّل المرض، على رغم غرابة الأمر، مؤشّراً على وجود الصحة فينا، ما يعني احتمال استعادتها. هذا ما يدفع المريض إلى التفكير بالأمور التي أدّت إلى هذه الاختلالات التي تسبّبت بدورها بنشوء المرض. تستحيل أحياناً الإجابة عن هذه التساؤلات بشكلٍ مباشر، لكن يسهل في المقابل تحديد أولويّات الحياة. وقد تنشأ أولويات جديدة مختلفة عن سابقاتها، بما أنّ التحدّي الأكبر يتعلّق بالنجاة من المرض. تشكّل المعاناة جرس إنذار بضرورة الإصغاء إلى حاجات الجسم وفهم ما يريد قوله، وهذا ما نميل عموماً إلى تجنّبه طالما لم يُصبنا مرض خطير.

• لا تعني الإصابة بالمرض أنّ المريض مسؤول عن حالته أو عن حوادث الحياة كافّة. لكن حين يصبح الألم أو المرض جزءاً من الحياة، يصبح الخيار أسهل فجأةً: يجب بذل أقصى الجهود لتخطّي المشكلة أو الاستسلام لها ببساطة، بغض النظر عن خطورة الحالة. يبدي بعض المصابين بمتلازمة «المنحبِس» أو الغيبوبة الكاذبة (Locked-in syndrome) عدم رغبتهم في الموت، بل متابعة بناء حياتهم على طريقتهم الخاصّة. غير أنّ تخيّل عدم القدرة إلا على تحريك الجفون على رغم الحفاظ على شكل أي شخص طبيعي أمرٌ بالغ الصعوبة. إنها حالة الممثل الراحل كريستوفر ريفز الذي رفض اللجوء إلى الموت الرحيم على رغم شلله وقرر متابعة حياته بفضل مساعدة زوجته.

• صحيح أنّ المرضى يمرّون في معظمهم بمرحلة من الثورة والشعور بالظلم، إلا أنّهم ينتقلون بسرعة إلى طريقة تفكير مختلفة لأنهم لا يجدون من يلومونه على حالتهم. أما إذا لم يتوصّلوا إلى تخطّي تلك المرحلة، فيجب مساعدتهم على تحقيق ذلك لأنهم يجدون العزاء في الآخرين الذين يمنحونهم القوة اللازمة للمضيّ قدماً.

• سرعان ما يقتنع المرضى، من خلال مواجهة وضعهم، بأنّ هذه المحنة تساعدهم على إيقاف تدمير ذاتهم. قد يتعلق الأمر بالمدخنين المُجبَرين على إيقاف التدخين بسبب وضعهم الصحي مثلاً. في حالات مماثلة، يصبح إيقاع الحياة مختلفاً ولا تعود التحذيرات الصحية سخيفة بنظر المريض. كذلك، يكتسب النظام الغذائي أهميّة كبرى، وتصبح أبسط الأمور قيّمة كالقدرة على الأكل والتحرّك والاسترخاء. لكن عدا عن هذه الجوانب الجسديّة، تحصل تغيّرات ملحوظة على المستوى المعنوي والنفسي، وهكذا يعيش المريض مرحلة فاصلة بين ما قبل المرض وما بعده.

• ثبت أنّ المرضى الذين ينتمون إلى جماعات دعم أو يتمتّعون بأسرة داعمة هم أكثر قابليّة للشفاء من الأشخاص الوحيدين. لكن لا يقتصر الدعم على الكلمات، فقد جرت دراسات عدّة بهدف المقارنة بين مجموعتين تتمتّعان معاً بالعناية الطبية عينها لكن تستفيد إحداهما من دعم جماعات خاصة. لم يقتصر الفرق في النتائج على نسبة الشفاء فحسب، بل شمل معدل العمر أيضاً. كذلك، أشار بعض الاختصاصيّين الذين يعالجون المصابين بحروق بالغة إلى أنّ خطورة وضع المريض كانت تختلف تماماً عن نتيجة الشفاء النهائية في بعض الحالات. فقد توفّي بعض المصابين بالحروق مع أنّ أملهم في الشفاء كان أكبر نسبيّاً من غيرهم لأنهم كانوا وحيدين. في المقابل، نجا أشخاص وصلوا في حالة ميؤوس منها إلى المستشفى بسبب قوة إرادتهم وشبكة الدعم التي أحاطت بهم.

فرص النجاة

يؤدّي المحيط الطبيّ بمعناه الواسع دوراً أساسياً في وضع المريض. لكن يكون الأطباء والممرّضات مسؤولين عن حالات كثيرة ولا يكونون متفرّغين دوماً لكلّ مريض. لذا يُعتبر الطبيب أو الاختصاصيّ الذي يتابع حالة المريض بانتظام أفضل من قد يساعده. فهو يعرفه منذ وقتٍ طويل ويمكنه تقديم النصح إليه وإبلاغه بالعلاجات المحتملة. غالباً، يسأل المريض عن فرص نجاته. لكنّ أي طبيب محترف لا يعطي إجابة محددة، بل عليه الاكتفاء بالتأكيد على خطورة الحالة الصحية واحتمال تدهور الوضع. لكنه غير مخوّل لتحديد مهلة زمنية للوقت المتبقّي أمام المريض، إذ تكثر الأمثلة التي لم تصدق فيها توقعات الطبيب. بالتالي، لا يستطيع أبرع الأطبّاء التأكيد على ما ستؤول إليه الأمور، لأنّ العلم لا يستطيع التحكّم بكلّ ما يحدث في جسم الإنسان على رغم التقدّم المستمر الذي يشهده مع مرور السنوات. مثلاً هذا العام، استيقظ مريض أميركي كان في حالة غيبوبة منذ عشرين سنة، وهو بقي حياً لأنّ عائلته رفضت نزع الأجهزة عنه، ولا يزال السبب مجهولاً.

صراع شخصي

حين ينشأ المرض، يبدأ المريض صراعاً شخصياً، حتى لو كانت المعركة تطاول أفراد الأسرة أيضاً. تشعر العائلة غالباً بأنها لا تبذل ما يكفي أو لا تعرف طريقة التصرّف الصحيح. فهل عليها التصرّف وكأنّ شيئاً لم يكن أم تغيير جدول نشاطاتها ونمط حياتها لقضاء أطول فترة ممكنة مع المريض؟

في البداية، يبدو الوضع معقّداً جداً لأنّ المريض نفسه يمرّ بمراحل مختلفة وغير مستقرّة، لذا يجب انتظار مرور بعض الوقت كي تستقرّ حالته جزئياً. بعد ذلك، يجب العمل على التأقلم مع الوضع. إذا كان المريض يخضع مثلاً للعلاج الكيماوي، فهو يمرّ بلحظات صعبة أثناء الجلسات العلاجية تترافق مع إرهاق شديد وتقيّؤ متكرر، لكنه يستطيع استعادة نشاطاته بشكل شبه طبيعي بعد بضعة أسابيع شرط اتّخاذ بعض التدابير الوقائية.

أهمية المحيط الطبي

يشهد عدد كبير من المرضى وحتى الأطباء على قساوة العلاجات الطبية. لكن تشكّل الكلمات أيضاً أداة شفاء لأنّ العلاج وحده لا يكفي. عادةً، يتمّ التوصّل إلى الحلّ عبر اللجوء إلى الطبيب النفسي، لكنّ ذلك لا ينفي أهميّة دور الاختصاصيّ المسؤول عن العلاج في عمليّة التواصل مع المريض. يساهم الرابط الذي يولّده الكلام في تعزيز نتائج العلاج الذي يخضع له المريض. لكن تجدر الإشارة إلى أنّ الاختصاصيّ لا يستطيع المبالغة في التعاطف مع المريض خشية ألا يتمكّن من تحمّل وفاة أحد مرضاه في مرحلة لاحقة. على صعيدٍ آخر، يشعر كثر بأنّ الأطباء يتعاملون معهم وكأنهم أشياء جامدة. صحيح أنّ المريض عليه تفهّم مشاغل العالم الطبيّ، لكن لا يجب أن يتقبّل أي معاملة سيئة، لا سيّما إذا كانت حالته خطيرة. فالإنسان ليس مجرّد جسد أو موضوع دراسات في خدمة الباحثين. يدرك الأطباء اليوم قوة الأدوية الوهمية على الصعيد النفسي والنجاح الذي يحققه بعض العلاجات. لكن تبقى المساعدة النفسية أساسية في هذا المجال ولو كانت لا تضمن الشفاء. وحتى لو كانت الحالة مستعصية، من الأفضل دوماً أن يشعر المريض بوجود من يتفهّمه ويدعمه من الأطباء بدل أن يشعر بالوحدة وبتراجع قيمته كشخص.

اليوم، يبلّغ الأطباء مرضاهم بجميع المخاطر المرافقة لمختلف العلاجات والجراحات حتى لو كانت تلك المخاطر ضئيلة، تجنّباً للتعرض لنوبات وصدمات مفاجئة في حال وقوع مشكلة. وينشأ غالباً حوار فاعل وصريح مع الطبيب المعالِج انطلاقاً من رغبة المريض في معرفة حالته الصحيّة الحقيقيّة.

دعم بشتّى الوسائل

قد تتّخذ جماعات الدعم أشكالاً متنوّعة هدفها منح الدعم المعنوي للمرضى إلى جانب العلاج الطبي الذي يخضعون له. يلجأ المرضى عادةً إلى الانتساب إلى جماعات الدعم، وجلسات اليوغا، والصلاة، وحبّ الأقارب، والعوامل التحفيزيّة، وتنفيذ المشاريع على المدى المتوسّط. ولا ننسَى أهميّة الاعتناء بالنفس وحبّ الذات.

تطوّر كبير في المجال الطبي

يشهد العالم الطبي تطوّراً ملحوظاً على جميع الأصعدة، لذا يجب ألا يستسلم المريض بل أن يطالب بأفضل العلاجات المتوافرة، بما في ذلك الحصول على فرصة التحاور والمعاملة الحسنة. على صعيدٍ آخر، شهدت معالجة الألم تحسّناً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. صحيح أنّ أهمية الألم تكمن في كونه أحد عوارض المرض، إلا أنه بات يُعتبر اليوم وجعاً لا يجب أن يتحمّله المريض، على الأقلّ ليس لمدّة طويلة، إذ ينبغي أن يتمتّع بجميع قواه للتجاوب مع العلاج. سرعان ما يخدّر الألم جسم المريض، لكن لا يستطيع هذا الأخير غالباً التحكّم به بمفرده. اليوم، يبذل الأطباء كلّ ما بوسعهم لتجنيب المريض الذي يعاني مرضاً خطيراً ومزمناً الشعور بالألم.

قديماً، قال الصينيون: «يجب أن يأخذ الطب بالاعتبار الجسد والروح اللذين يكونان على ارتباط وثيق». في حالة الأمراض الخطيرة التي تهدد الحياة، يستحيل الاكتفاء بمعالجة الجسد. بل يجب بناء طريقة تفكير منطقية لتقبّل الوضع الصعب، كالتفكير بعوامل التشخيص، والسن، وحالة الصحة العامة، والعلاجات التقليدية، ما قد يؤدي إلى الشفاء في بعض الحالات.

تبقى الناحية النفسية أكثر تعقيداً من الناحية الجسدية كونها تستلزم تدخّلاً أكبر. يبرز هنا دور العائلة والأصدقاء، لكن يواجه هؤلاء بدورهم بعض الصعوبة من دون مساعدة خارجية. يجب التفكير بالمريض ككيان كامل، جسد وروح، وإلا ستصعب معالجة أحد الجانبين وإهمال الآخر. ويتحمّل المريض بنفسه مسؤولية شحن قواه الجسدية والنفسية لمحاربة المرض. للتوصّل إلى ذلك، لا بدّ من الاستعانة بسلّة متكاملة من العوامل الأساسية التي تتيح له مواجهة المرض بفاعلية: العلاج الطبي، الأبحاث العلمية، الدعم المعنوي، التحفيز، الغضب، عيش الحاضر، الحزن، الرغبة في النهوض مجدداً، محبّة أقاربه... ولا ننسَى أهمية الأمل الذي قد يصنع المعجزات. ولا نعني بالمعجزات هنا المعنى الحرفي للكلمة، لكن قد تساهم هذه العوامل في إيجاد السبل الفاعلة لتخطّي المحنة وما يرافقها من ضغوطات. لا شكّ في أنّ الإنسان لا يجيد ابتكار الحلول دائماً حين يواجه المصاعب. لكن حين يجد المرء نفسه في موقف صعب ومصيريّ، سيضطرّ إلى البحث عن الحلول بنفسه لمعالجة وضعه. الخوف لا يمحو الخطر القائم على حياة المرء، لا سيّما بالنسبة إلى المقرّبين من المريض.

خلاصة الأمر، لِنستفد من السعادة والصحة التي ننعم بها راهناً!

back to top