بيروت تحتفل بذكرى رحيله الـ 50 الشاعر عمر الزعني... أغانيه تعرّضت للقرصنة والتحوير

نشر في 14-03-2011 | 00:00
آخر تحديث 14-03-2011 | 00:00
يحتفل اللبنانيون بالذكرى الخمسين لرحيل الشاعر الشعبي عمر الزعني (1895 – 1961) من خلال إصدار كتاب عنه بعنوان «عمر الزعني موليير الشرق» لسمير الزعبي، وتصوير فيلم وثائقي عنه بعنوان «عُمْر»، إضافة إلى جمع تراثه المونولوجستي بصوته في ألبومات مسجّلة.

هل أخذ عمر الزعني حقّه في النقد، وهل سبق أقرانه في تأسيس اللغة الانتقادية الساخرة، وقول ما يقال في هجاء السياسيين والمجتمع معاً؟

أول ما ينبغي التنبّه إليه، هو أن الثقافة اللبنانية تسرف في إطلاق الألقاب على الزعني، فتارة هو «شاعر الشعب» على رغم أن معظم صوره يضعه الى جانب رجال السلطة، إذ لم تكن لديه مشكلة في التقرّب من أحد سواء رجال القصور أو الشعب، ومشكلته الشخصية كانت في التهميش وخيبته من الجمهورية الأولى التي حلم بها، وطوراً هو «فيلسوف الشعب ومرشده» و{ابن الشعب» أو «ابن البلد»، وتارة أخرى هو «موليير الشرق» (في إشارة إلى المسرحي الكوميدي الفرنسي موليير الذي اشتهر بسخريته اللاذعة في تناول قضايا مجتمعه)، وتارة هو «فولتير العرب» (لا نعرف سر هذه التسمية) كأن الشاعر أو الكاتب لا يكتمل إبداعه الا إن قورن بأحد أقطاب الغرب.

وإذا كان الزعني مهمشاً من الجيل الجديد (باستثناء الفنان أحمد قعبور الذي يستعيد تراثه، وزيد حمدان الذي قدّم أغنية من كلماته) فهو كان نابغة بالنسبة إلى بعض أدباء لبنان وكتاباته «فشة خلق». فالأديب عمر فاخوري (وهو أكثر من أطل على كتابات الزعني في كتابه «الباب المرصود») قال عنه إنه «أحد أعظم الهجّائين بين شعرائنا لأنه استحدث الهجاء الاجتماعي»، ووصفه الفنان محمد شامل بأنه: «فنان صادق، وطبيب بارع، وُلد قبل مائة عام من ولادته»، وروى فاخوري أيضاً أن الكاتب أمين الريحاني التقى الزعني يوماً بالصدفة في صيف سنة 1925 يُنشد نفراً من إخوانه ومريديه بعض أغانيه الاجتماعية، فأعجب بما سمع. اقترب الريحاني من المغني الذي كان يستمع إليه من دون أن يكون قد عرفه سابقاً وسأله: يا رجل! أولست الزعني؟ قال: بلى. فقال له الريحاني: ما أنت بمغنٍّ، أنت مربٍّ».

إصلاح اجتماعي

قصد الريحاني بقوله إن الزعني ليس بمجرد مغنٍّ أو مطرب، وإنما هو داعية إصلاح اجتماعي. فالزعني المنفتح على الثقافات كان شاعراً قريباً من نبض الشارع اللبناني، يقول ما لا يقال، وكانت دائرة اهتماماته واسعة، وكان نقد الظواهر الاجتماعية والسياسية بالذات في طليعة ما أولاه عنايته.

وُلد الزعني في بيروت عام 1895 في الرّمل الظريف – بيروت. أبوه الشيخ محمّد الزعنّي وأمّه بهيّة المغربل. وعائلة الزعني قديمة في منطقة الظريف البيروتية. في عام 1850، كان والد الزعني شيخ الحي. وهو اللقب الذي يُعرف اليوم

بـ {المختار». كان عالماً صوفياً يدرّس الدين على الطريقة الشاذلية، وقاضياً يحل المشكلات العائلية، وتاجر حنطة «ورئيس حسبة» بين التجار. وقد حصل على «امتياز الدولة العليّة» لثلاث مرات أيام الدولة العثمانية والانتداب الفرنسي والاستقلال. مات والد الزعني وله أربعة أولاد: عمر، وإبراهيم (بائع أسطوانات)، وفؤاد (موظّف في محكمة البداية)، وسعد الدين (صاحب محل ثياب قرب بلدية بيروت).

تعلّم عمر صغيراً في مدرسة التوفيقة، وفي عام 1900 دخل المدرسة العباسية، بتوجيه من والده الشيخ محمد، صديق الشيخ أحمد عباس الأزهري (المنسوبة المدرسة إليه). زملاء عمر في الكليّة المذكورة، الأديب عمر الفاخوري، الشاعر عمر حمد، الأخوان محمد ومحمود المحمصاني، محمد عز الدين، عبد الله المشنوق، الرئيس رياض الصلح، عبد الغني العريسي، والدكتور مليح سنو. وفي العام التالي، التحق عمر بفرقة المدرسة الموسيقية، وظل فيها حتى تخرّجه في عام 1913. بعد ذلك، عمل مدرساً في مدرسته حتى عام 1914، عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى. فسافر إثر ذلك من بيروت إلى حمص في سورية والتحق بالمدرسة الحربية، التي تخرّج فيها بعد ستة أشهر برتبة ضابط إداري. وبعد انتفاضة 1916 وإعدام الشهداء على يد جمال باشا في 6 مايو (أيار) في ساحة البرج، أُبعد الزعني إلى فلسطين. ولم يعد إلى بيروت إلاّ مع نهاية العهد العثماني سنة 1918.

في فلسطين عمل الزعني مدرّساً، وبعد عودته إلى بيروت عمل مديراً على رأس الكلية الإسلامية في عام 1919، ومدرساً للموسيقى في مدرسة ماري كسّاب. لكن رحلته الحقيقية في الشعر بدأت مع قصيدة «الحجاب» التي انتقد فيها ما دار من معارك لفظية في مصر بين أنصار الحجاب وأنصار السفور، فيقول في هذا الصدد:

«الدنيا قايمة والشعب غافل

راحت بلادكم ما حدّ سائل

شوفوا البلايا، شوفوا الرزايا

والشعب قايم على الملاية»

وكان الزعني بدأ عام 1918 طريقَ الفنّ والموسيقى والشعر الضاحك، وأحيانًا القارص والانتقادي، مع صديقه الشيخ رائف فاخوري (المتوفى عام 1954)… على مسرح الكريستال في منطقة النوريّة (البيروتية)، حيث قدّم الشيخ رائف مسرحيّة «جابرُ عثراتِ الكرام». وخلال عرض المسرحيّة بين الفصل والآخر، كان يصعد الزعني إلى المسرح ويقدّم أغنيةً من تأليفه مطابقةً لواقع القصّة وللأحداث التي كانت تمرّ فيها البلادُ آنذاك. هكذا، بدأتْ مسيرتُه النقديّة الشعريّة - الاستعراضيّة في المسارح والفنادق وأماكن التجمّع والاحتفال. فعام 1920، وقف الزعنّي على خشبة مسرح الكريستال واضعاً على رأسه طرطوراً، حاملاً صندوقَ الفرجة ليسْخرَ من التحوّلات التي جاءت بأبناء الريف إلى المدينة وغيّرتْ أسلوبَ حياتهم. وقف ليغنّي قصيدته: «شوفْ تفرّجْ آه يا سلام/ شوف أحوالَك بالتّمامْ،» وفيها رصدٌ مبكّرٌ ثاقبٌ للتحوّلات الاجتماعيّة العميقة: «الفلاّح شلح التّبّانْ/ وعاف السكّة والفدّانْ/ وراح تْعَيَّنْ عند فلان/ مغرور بحبّ الألقابْ/ وما حاسِب للعزْل حساب/ كان سلطانْ وصار بوّابْ/بعشرة فول وبخمسة زيت/ كنت تعشّي أهل البيت/ أمّا هالأيام يا ريت/ ليرة واتْنين ما بتكفيك/ يا محلا يوم المتْليك/ يا حفيظْ ويا أمين...». وفي عام 1922 عمل الزعني موظفاً كمساعد قضائي في محكمة بيروت البدائية، وفي تلك الأثناء انتسب إلى كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية في بيروت مستعيناً بمنحة دراسيّة قدّمتها له جمعية «المقاصد الخيرية الإسلامية».

في هذه المرحلة من حياة الزعنّي، نضجت نزعته إلى نظم الشعر والأناشيد والأغاني التي توحي بها الأحداث الجارية في البلاد والتطورات الاجتماعية التي عاشها المواطنون، لا سيما في بيروت.

فشّة خلق

كان الزعني يحمل شيئاً من نبض الشارع، وكثيراً من السخرية «المولييرية»، والشعر الشعبي كان بالنسبة إليه أداة هجاء، ووسيلة لـ{فشّة الخلق». ففي عام 1926، دُعي إلى إنشاد إحدى قصائده في مسرح سينما الكريستال في بيروت بدعوة من نقابة الصحافة آنذاك، فأنشد قصيدة يصوِّر فيها تدهور قيمة العملة الفرنسية (الفرنك) بعنوان «حاسب يا فرنك»: شوف النار الدرب قدامك/ حاسب يا فرنك شد فرامك... وقد أزعج فيها سلطة الانتداب الفرنسي فأوعزت إلى الحكومة المحلية بنقله من وظيفته في بلدية بيروت إلى وظيفة أخرى في منطقة البترون البعيدة عن مكان إقامته، كذلك أشارت إلى إدارة كلية الحقوق في الجامعة اليسوعية أن تحرمه من دخول الامتحانات، لكن بعد ذلك استرجع الفرنك الفرنسي مركزه فأنشد الزعني: واليوم عز أيامك عرم يا فرنك وهز كمامك/ ما عاد في مزاحم قدامك المسترشلن خدامك.

في عام 1928، أصدر الفرنسيون كسلطة انتداب في لبنان قراراً يوجب على القضاة والمحامين ارتداء «الروب» الأسود المعروف أثناء المرافعات القضائية. فانتقد الزعني هذه الخطوة الشكلية، معتبراً أن ثمة ما هو أهم منها بكثير لتحقيق العدالة وإصلاح المحاكم، فأطلق أغنيته (طقطوقته) الشهيرة التي سبّبت ضجة كبيرة حينها، يقول فيها:

الخرط ما عاد ينفع

صار في حكام تسمع

فانوس الحق شعشع

حطوا على راسهم روب

عالهوب الهوب الهوب

والقاضي لابس روب

والحق أخذ مجراه

ما عاد في ظلم بنوب

من هيك من عشر سنين

نحنا نسن قوانين

والعلة ماهم فاهمين

تاري ناسيين الروب

عالهوب الهوب الهوب

والقاضي لابس روب

الواقع أن الزعني كان يرى في مقاومة الانتداب الفرنسي وما يتّصل به من مؤسسات ومسؤولين محليين هدفاً للانتقاد اللاذع في شعره، بعدما رسّخ الانتداب الفرنسي جذوره السياسية في المؤسسات الحكومية اللبنانية ووجدت تقاليد الإفرنج طريقها إلى بعض الأوساط الاجتماعية في لبنان، ومن بين هذه التقاليد القبعة الأوروبية، فقد حلّت لدى بعض المواطنين مكان الطربوش وكانت هذه الظاهرة باعثاً على نفور الفئة المحافظة من أهل البلد، وكان للزعني موقف في شعره وغنائه عبّر به عن الضجة التي أثارتها تلك القبعة التي تُسمى بالعامية «البرنيطة»، فنظّم قصيدة عبّر فيها عن المغزى الذي ترمز إليه سواء بالنسبة إلى لابسها من المواطنين أو بالنسبة إلى الفرنسيين.

يقول الزعني في هذه القصيدة:

ولا بدها شيطـة

ما بدها عيطــة

ولبسنا البرنيطة

في عام 1939، بدأت الحرب العالمية الثانية وكانت عواطف بعض العرب، من بينهم اللبنانيون، مع محور ألمانيا - إيطاليا وحلفائهما ضد الحلفاء (إنكلترا وفرنسا وحلفائهما)، وقد عبّر الزعني عن هذه العواطف بقصيدة لا تخلو من روح الشماتة بالحلفاء الذين مُنيوا آنذاك بهزائم عسكرية، لا سيما على الجبهة الليبية المصرية، فراح يقول: «أي بلا فرنسا وبلا إنكلترا». ذاعت هذه القصيدة وأصبحت على كل لسان داخل البيوت وفي الشوارع وتحت أروقة المنتديات في جميع أنحاء البلاد.

بشارة الخوري

ليس الفرنسي وحده من عاقب الزعني، فالأخير كان من دون شك الصوت الصادم والصارخ واللاذع تجاه كل من يراه أنه يقوم بما لا يجب. وذات ليلة أنشد في أحد فنادق الجبل، وبحضور نخبة من السفراء العرب والمواطنين اللبنانيين، قصيدته التي يخاطب فيها رياض الصلح، والموجّهة في الأساس إلى رئيس الجمهورية بشارة الخوري الساعي آنذاك إلى تجديد ولايته الرئاسية.

كان رياض الصلح عراب عملية التجديد، وكان يرى أن تجديد ولاية بشارة الخوري أفضل من انتخاب آخرين مثل إميل إده الذي كانت له صلات وثيقة بالفرنسيين. كان حلم التغيير يطوف في أذهان كثيرين بسبب الفساد الذي غرق فيه عهد بشارة الخوري. وكل هذه المعاني والمناخات يجدها القارئ في القصيدة التي أنشدها الزعني تلك الليلة، وقادته لاحقاً إلى السجن. يقول فيها:

جدد له ولا تفزع

خليه قاعد ومربع

بيضل أسلم من غيره

وأضمن للعهد وأنفع

وشّ عرفناه وجربناه

وصلت أخبار القصيدة إلى بشارة الخوري، فأمر بإحالة الزعني إلى القضاء بتهمة إهانة رئاسة الجمهورية. وقُبض عليه وأحيل موقوفاً أمام القاضي ثم صدر حكم بسجنه ستة أشهر، أمضى أكثرها في السجن قبل صدور عفو خاص عنه.

كذلك، سخر الزعني من الواقع المزري لمحدودي الدخل في لبنان، ورفاهية الخيل في إسطبلات الطبقة اللبنانية الميسورة التي كان بعض أفرادها من هواة تربية خيول السباق. يقول في أغنيته «لو كنت حصان»:

لو كنت حصان شو عَ بالي

أبو زيد خالي راسي عالي

من الهمّ خالي عايش سلطان

لو كنت حصان.

لو كنت حصان في بيت سرسق

باكل فستق باكل بندق

ما كنت بسرق زي الزعران

لو كنت حصان

أثارت الأغنية ضيق الوزير الراحل هنري فرعون، فتقدّم بشكوى من كاتبها الذي سُجن ثلاثة أشهر في سجن الرمل الذي كان قرب الجامعة العربية في بيروت.

السم في الدسم

كما هي الحال في السياسة اللبنانية وأهلها وبيروت وأحوالها، الأمر نفسه في الأمم المتحدة التي كانت في أيام الزعني «عصبة الأمم»، فكان يلعب في وصفها على الأمثال الشعبية مثل «السم في الدسم» و{ما في بالميدان إلا حديدان» المشتقة من قصة تُروى للأطفال تحكي عن ثلاثة أشقاء واجهوا الغول فبنى أحدهم بيتاً من الخشب، وبنى الثاني بيتاً من القش، وبنى الثالث بيتاً من الحديد فلما هاجمهم الغول نفخ في بيت «خشيبان» فانهار البيت فأكله، ثم نفخ في بيت «قشيشان» فاشتعل القش فدخل وأكله، أما بيت «حديدان» فصمد أمام نفخاته لأنه من الحديد فقيل: «لم يبق بالميدان إلا حديدان»، وهي دعوة إلى بناء الدار على أسس صحيحة مجازاً. يقول الزعني:

هيئة الأمم مجموعة لمم

كان ولم يزل وجودها عدم

دولتين حاكمين رقاب العالمين

والباقي قاعدين صورة ومش فاهمين

لكن مجبورين يقولولهم آمين

وراهم ماشيين أتباع وخدم

ما في الميدان إلا الأسدان

انكلو أميركان حاكمين الأكوان

على مدى الأزمان ماسكين الميزان

أسياد ورعيان والعالم غنم

وإذا كان الزعني انتقد بعض قادة السياسة في لبنان، فهو التحق بالموجة الناصرية ومجّد ضبّاطها قائلاً: «حيّا الله العسكريين/ والأحرار والثائرين/ هبّوا للموت الزؤام/ حاملين أكفانهم أعلام»، وكأنّه بصوته يحرس مسيرة العربيّ نحو الحريّة والحضور الفاعل، فالانتصار يجعله منتشياً والهزيمة تحوّله رثّاء أحلام قوميّة بصدق وتأثّر لا يخفيهما الكلام المحمول على جناحَي الصوت الثائر.

ورأى الزعنّي أنّ فلسطين لن يسترجعها سوى عبد الناصر، فما أبطأ في دعوته إلى ذلك:

عبد الناصر يا جمال حولك رجاجيل

يابا...

حرّرْ لنا فلسطين

يابا...

أمّا في العراق فقد غنّى الزعنّي باللهجة العراقيّة وحصد إعجاب العراقيّين ملوكاً ورجال فنّ وشعباً: «بغداد يا بلد الرشيد/ يا منارة المجد التليد/ بغداد يا قلعة الأسود/ يا بسمة... في ثغر الخلود»...

بيروت

كانت لمدينة بيروت بالذات حصة وافية في كتابات الزعني، فهو يعتبرها «زهرة في غير أوانها»، يقول مخاطباً المدينة في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين:

يا مناظر عالشاشة يا خداعة وغشاشة

يا عروس بخشخاشة يا مصمودي بالتابوت

يا ضيعانك يا بيروت

الخواطر مكسورة والنفوس مقهورة

والحرية مقبورة والكلام للنبوت

يا ضيعانك يا بيروت

الجهال حاكمين والأرذال عايمين

والأنذال عايشين والأوادم عما تموت

يا ضيعانك يا بيروت

كانت لعمر الزعنّي عين رصدت المجتمع اللبناني وسجّلت تحوّلاته الاجتماعيّة البيروتية. ففي بداية زمن السينما رأى أنّ الأخيرة أتت على حساب المستوى الفنّي، وأنّ المسرح انتهى لمصلحتها، وتراجع ألق الإبداع في الغناء والتمثيل وكأنّ الشاشة الكبيرة وحش يفترس الفنون وليس لديه البديل الراقي والمقنع:

ما عاد في شي إلو معنى

إن كان تمثيل وَلْلا مغنى... عبد الوهّاب كان نجمه غاب

عل مغنى تاب

لولا السينما»

وفي مكان آخر يقول:

وأمّ الغرّة

غنَّت مرّة

وصارت دُرَّة

وكوكب سينما

المرأة

لم يحصر الزعني انتقاداته بالسياسة وبيروت، فقد وزّع نقده وسخريته على جوانب اجتماعية كثيرة، من بينها ما يتّصل بالمرأة. وهو كان صاحب «هضمنة»، يلعب على الكلام والأمثال، وكان يجيد اللغة الفرنسية وكثير من كتاباته كان ضد أخلاقيات المدينة وثقافتها، خصوصاً ما يُسمى «الحرص» لدى «البيارتة» (أبناء بيروت)، وبرؤية عميقة يقول الزعني:

الشرف أعطاك عمره

والحيا انتهى أمره

والوفا اختفى أثره

أما الدين باقي قشره

ويذكر الباحث فاروق الجمال في كتابه «حكاية شعب»، أن الزعني أحب «مرمورة» فغنّى لها: «روح بسبيلك وتسهّل». وهي لم تسكت له:

«من بعد ما قطفت الزهرة

حوّلت مجرى حبك عنّي

يا ما ربّيت بقلبي الحسرة

يا ما دلالك لوّعني»

كان من بين عادات الزعني قبل صعوده إلى المسرح أن يجالس الحسناوات المعجبات به. كان يحب المرأة بلا حدود ولو أنه انتقد الكثير من سلبياتها. ومن طريق ما يُروى عنه أن صديقاً له من بلدة المريجات قرب زحلة دعاه مرة إلى العشاء عنده، فكان طلبه الوحيد أن تكون بين الحاضرين نساء وإلا اعتذر. وعندما حضر الزعني وجد أن الحضور يقتصر على الرجال، فقرر ألا يغني. لكنه عاد وقرر الغناء عندما رأى فستان سيدة يطل من باب مجاور مفتوح نصف فتحة. اعتقد الزعني أن النساء يستمعن إليه من غرفة مجاورة لأنهن محافظات. واقتنع بما شاهده واندفع يغني بحرارة وأجاد في الغناء حتى ساعة متأخرة من الليل. وعند نهاية السهرة، أراد أن يغسل يديه فمرّ بالقرب من الباب المفتوح، لكن يا للحسرة! لقد رأى فستان سيدة معلقاً على الحائط يداعبه هواء المريجات.

يقول الزعني في نقد الحياة الزوجية غير المتوازنة بين سلطة الزوج وسلطة الزوجة في بيت الزوجية:

رخاوة الديك

في القن يا شريك

هي بتعمل من الديك فرخة

وهي بتعمل من الفرخة ديك

اعتمد الزعني في نشر قصائده على الإلقاء العلني وعلى الغراموفون الذي كان منتشراً جداً، فسجّل عشرات الأغاني على أسطوانات من إنتاج «بيضافون» و{أوديون» وغيرهما، كذلك كان ينشر نص بعض الأغاني في كتيبات منها ما يُرفق بأسطوانات. وقد خصّ الزعني الصحافة بعدد كبير من قصائده، لا سيما مطبوعة «العفريت الفكاهي السيّار» ومجلة «الكشاف» موقّعاً باسم حنين وتحت عنوان «أغاني حنين».

مدينة وسرقات

ثمة قضيتان ينبغي التنبه إليهما في مسيرة الزعني، وهما صراع الجبل والمدينة، والسرقات التي تعرّض لها هذا الشاعر الشعبي، فالزعني في رأي الناقدة خالدة سعيد ظاهرة فولكلوريّة مدينيّة تمثََّلَ فيها الذكاء، والنظر الثاقب، والتقاط ما يهمّ الناسَ ويروي غليلَهم ويترجم ما يجول في الأفكار. إذ تشكّل قصائدُه التي كان يغنّيها ويمسرحها سجلاً للأحداث والتحوّلات. ومن ذلك مساجلاته مع الشعراء الشعبيين الذين يمجّدون الجبلَ معارضةً للمدينة وأهلها، وأيضاً تعليقاته اللاذعة على الأحوال الراهنة.

الزعني برأي الفنان أحمد قعبور كان «خارج الثقافة الرسمية في الجمهورية اللبنانية وخارج النظام السائد»، وهو همّش «لأنه يعبّر عن وجدان بيروت، هذه المدينة التي لم تكن بطلة في ظل الجمهورية الأولى، فالبطل في هذه الجمهورية كان «ثقافة الجبل» والعرزال والعين وساحة الضيعة، وبيروت لم تكن أكثر من عاصمة بالمعنى الفولكلوري وتمدح بوصفها مركز الترانزيت وليست المركز الثقافي، وهي لا تمتلك قرارها ولا تؤثر في شيء، وثقافتها لا تشارك في ثقافة الجمهورية الأولى».

ويبدو أنّ مسألة الاعتداد بالمنشأ الجبليّ أو القرويّ تحوّلتْ إلى ظاهرة، حتى كثُرَ التلميح حولها بحسب ما تلاحظ خالدة سعيد، ووصلتْ إلى المساجلات الزجليّة حول «البيروتيّ» و{الجبليّ.» ففي جلسةِ زجلٍ ضمّت الشعراءَ الشعبيين عمر الزعني وأسعد سابا وعبد الجليل وهبي وأسعد السبعلي، دارت معركةٌ زجليّة، وجرى الحوارُ الآتي بين سابا ممثِّلاً ابنَ الجبل، والزعنّي ممثِّلاً ابنَ بيروت، فقال الأول: «أوعى يغرّك سكوتي/ بتهزّ الصخْر بيوتي/ هات الليلة شو عندكْ/ يللي بتحْكي بيروتي». فأجابه الزعنّي: «لو عندك بالضيعة توتْ/ وكلامك كلُّه مثبوتْ/ ما كنت تركت الضيعة/ وجيتْ سكنتْ في بيروت»!

وفي المقلب الآخر، ثمة فنانون لبنانيون كثر سرقوا تراث الزعني، ولعل أبرز السرقات أغنية «بدنا بحرية يا ريس»، وهي الأغنية التي كتبها الراحل في ثلاثينيات القرن الماضي ولحّنها ويقول فيها: «... بدنا بحرية يا ريس صافيين النيّة يا ريس بزنود قوية يا ريس أبداً ما تحلس يا ريس...»، ويضيف: «البحر كبير بحرية حمير»، و{الريح معاكس يا ريس والخشب مسوس يا ريس، قاعد ومسرسغ يا ريس لأنك ريس يا ريس»... هذه الأغنية سلبت ونهبت واغتصبت وتحولت من أغنية نقدية سياسية الى أغنية فولكلورية لوديع الصافي، ولا نعرف ما الذي دفع بموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب الى تلحينها، وما الذي دفع ميشال طعمة إلى توقيعها باسمه وهي في الأساس لعمر الزعني.

هذه الأغنية التي نسمعها بصوت وديع الصافي وملحم زين وغيرهما، هي الأغنية التي انتقد فيها الزعني السلطة الصُوَرية لرئيس الجمهورية اللبنانية شارل دباس. وقد استعار في هذه الأغنية المقارنة بين قبطان السفينة (الريّس، باللهجة العامية) ورئيس الجمهورية، كذلك استعان في اللحن والغناء، باللحن الشعبي الذي يخاطب به البحارة قبطانهم.

كذلك الأغنية التي تقول: «قلتيلي تاركتك ماشي الحال/ ودعني يا حبيبي ماشي الحال/ ايا حال بدك يمشي/ ليش انتي تركتيلي حال» لزياد الرحباني مستوحاة من أغنية للزعني يقول فيها: «ماشي ماشي ماشي الحال، ما في شي ماشي ماشي الحال». ولا ينبغي نسيان أن أحد الموسيقيين استوحى أغنية «الروب» من الزعني أيضاً.

back to top