بين مساعي الفيزياء الفلكيّة وذكاء الكائنات الفضائيّة... اقتراح لإنشاء شبكة اتصالات بين النجوم
منذ اختراع أجهزة الراديو تقريباً، بدأ الناس يتساءلون عن احتمال استعمالها للإصغاء إلى الحضارات الموجودة خارج كوكب الأرض، أو حتى التواصل معها. منذ حقبة الستينيات، هدف بعض المحاولات إلى تحقيق ذلك عبر رصد المؤشرات الصادرة عن الفضاء الخارجي بحثاً عن أي حديث بين كائنات فضائية.«ذي إكونوميست» تناولت هذا الموضوع...
في الفترة الأخيرة، أشار استعمال الليزر في قطاع الاتصالات إلى وجود طريقة أفضل للتواصل عبر المساحات الشاسعة، لذا يُعتبر البحث عن ومضات لامعة من السماء مهمّة شائعة في الوقت الراهن.غير أن التقنيات التي تعمل جيداً على كوكب الأرض لا تكون فاعلة بالضرورة للتواصل عبر الفجوات الهائلة التي تفصل بين النجوم. وقد عمد جون ليرند من جامعة هاواي وأنتوني زي من جامعة كاليفورنيا، سانتا بربرا، طوال سنوات، إلى الترويج لما يعتبرانه فكرة أفضل. من وجهة نظرهما، لا تركّز أي حضارة مهمّة خاصة بالكائنات الفضائية على الفوتونات التابعة للطيف الكهرومغنطيسي – سواء كان الطيف بصرياً أو مبنياً على ترددات الراديو – لتوجيه الرسائل إلى أنظمة شمسية أخرى. بل إنها تركّز اهتمامها على جزيئة أساسية مختلفة غالباً ما يهملها التكنولوجيون من البشر. تُسمى تلك الجزيئة «النيوترينو» (Neutrino).لكن لا بد من الاعتراف بأن الباحثين يهملون جسيمات النيوترينو لسبب وجيه. صحيح أنها تتواجد بأعداد فائضة (على الأرجح، يحتوي الكون على أكبر عدد ممكن منها بما يفوق أي نوع آخر من الجسيمات، باستثناء الفوتونات)، لكن يصعب رصدها. يعود ذلك إلى واقع أنها تتفاعل أحياناً مع أشكال أخرى من العناصر. لكن لهذا السبب تحديداً، يبدي ليرند وزي إعجابهما بشكلها. من المعروف أن الأشعة وموجات الراديو تُمتصّ وتُنشر عبر الغاز والغبار الموجودَين بين النجوم. تعبر جسيمات النيوترينو مباشرةً عبر هذه الحواجز، ويمكن رصدها بسهولة عبر أجهزة التلسكوب الخاصة برصد جسيمات النيوترينو على كوكب الأرض (وهي تتكون عادةً من حاويات ماء ضخمة أو، في الآونة الأخيرة، من كميات هائلة من جليد القطب الجنوبي). يذهب الباحثان إلى أبعد من ذلك. فهما يعتبران أن إشعاعات جسيمات النيوترينو يمكن استعمالها لتحويل النجوم كاملة إلى منارات وامضة لتبثّ المعلومات عبر المجرّة. بقدر ما يبدو هذا الاختراع عجيباً، إلا أنه فكرة يسهل التحقق منها لأن علماء الفلك يملكون أصلاً بيانات قد تتضمّن رسائل صادرة من خارج كوكب الأرض. هم يحتاجون ببساطة إلى تحليل تلك البيانات من منظور جديد. لذا يحاول الباحثان ليرند وزي إقناع شخص يدرس البيانات المعنية بأخذ فكرتهما على محمل الجدّ وتخصيص بعض الوقت للتحقّق من هذه النظريات.رصد الإشعاعات يعني رصد جسيمات النيوترينو عبر استعمال أجهزة التلسكوب المتوافرة، مسح خلفية هذه الجسيمات الطبيعية. لحسن الحظ، تنجم تلك الجسيمات عن التفاعلات النووية بين النجوم، وتتمتع جسيمات النيوترينو النجمية بطاقة منخفضة نسبياً. إذا أصدرت الكائنات الفضائية إشعاعاتها انطلاقاً من جسيمات النيوترينو التي كانت تتمتع بطاقة أكبر بملايين الأضعاف من تلك التي تصدر عن النجوم (وهذا أمر لا يتخطى حدود الخيال التكنولوجي الحديث بحسب الباحثين)، فقد تختفي الضجة المرافقة لتلك العملية. عند ارتفاع مستوى الطاقة إلى درجات عالية بما يكفي، يسود هدوء تام في بقية أنحاء المجرّة لدرجة أنّ رصد بعض جسيمات النيوترينو العالية الطاقة التي تصل من الاتجاه نفسه سيعني حتماً أنها جسيمات اصطناعية.فضلاً عن ذلك، يقترح الباحث ليرند استعمال طاقة خاصة قد تفضّلها الكائنات الفضائية. يُعتبر رقم 6،3 كدريليون إلكترون فولت الرقم السحري في هذا المجال. (الإلكترون فولت هو نسبة الطاقة التي يمكن أن تستعملها بطارية بقوة فولت واحد لتسريع حركة الإلكترون). يملك النيوترينو المزوّد بهذه الطاقة فرصة جيدة لإنتاج جزيئة تُعرَف باسم «بوزون دابليو» (W-)، عند مروره عبر جهاز الرصد. سرعان ما تتفكّك جزيئة «بوزون دابليو» بطريقة خاصة، وتخلّف وراءها معابر واضحة لجسيمات النيوترينو.هذه ليست المرة الأولى التي تُعتبر فيها إشعاعات جسيمات النيوترينو وسيلة محتملة للتواصل بين النجوم. لكن كانت الاقتراحات الماضية تستلزم طاقات هائلة (بحجم مجموع إنتاج الشمس) لتشكيل إشعاع قويّ بما يكفي. لذا ابتكر الباحثان ليرند وزي تصميماً لجهاز تسريع حركة الجزيئات من شأنه القيام بهذه المهمّة بإمكانات أقل مستوى، عبر استعمال نوع آخر من الجزيئات شبه الذرية، اسمها «بيون»، كعناصر وسيطة في هذه العملية. وفقاً لتقديراتهما الخاصة، يُفترض ألا تتطلب هذه العملية طاقة أكبر من تلك التي توفرها أي محطة عادية لتوليد الطاقة على كوكب الأرض. بالتالي، قد ترغب الكائنات الفضائية، تماماً مثل البشر، في تجربة الأمر، في حال الاقتناع بالفكرة. ما إن تتقن أي حضارة حيلة توليد جسيمات النيوترينو عالية الطاقة، يتخيل الباحث ليرند أنها ستنذر بوجودها إلى الكون الذي ينتظرها بطريقة أخرى – هنا يبرز دور السجلات الفلكية المتوافرة. طوال مئة سنة، ركّز علماء الفلك انتباههم على فئة من النجوم المتبدّلة تُعرف باسم «النجوم القيفاوية». تكمن أهمية هذه النجوم في كونها تنتج نبضات ضوئية منتظمة، وترتبط مدّة تلك النبضات على وجه الخصوص بحدّة لمعان النجم. بالتالي، يمكن احتساب مسافة بُعد النجم القيفاوي بدقة كبيرة. وبما أن النجوم القيفاوية الفردية تكون لامعة بما يكفي كي تُرصَد بسهولة في مجرّات أخرى، كانت تلك النجوم الأداة الأولى التي استُعملت لتقدير المسافات التي تفصلنا عن تلك المجرات.لكن، يضيف ليرند أن المدة التي يظهر خلالها نبض النجم القيفاوي الضوئي يمكن تعديلها عبر استعمال إشعاع مناسب من جسيمات النيوترينو. يخترق هذا الإشعاع طبقة النجم الخارجية بسهولة، لكن يكون داخل النجم سميكاً بما يكفي لامتصاص جزء منه. سيكون ذلك كافياً لتسخين داخل النجم قليلاً، وستساهم عملية التسخين بدورها في تسريع معدّل نبض النجم القيفاوي. إذا كان توقيت توجيه الإشعاع صحيحاً، يمكن ضبط النجم على برنامج إرسال أف. أم. (FM)، فيبثّ إشاراته إلى الكون عبر موجة تحمل نبض النجم القيفاوي.ملامسة النجوملا شك في أن الطاقة اللازمة لإنتاج إشعاع نيوترينو الذي تعدّله النجوم القيفاوية ستكون جزءاً هائلاً مما تنتجه الشمس. لكن عدا هذه التحديات الهندسية الضئيلة، يحرص الباحث ليرند على التشديد على نقطة معينة مفادها أن النجوم القيفاوية خضعت لتدقيق شديد، لذا قد يستلزم البحث عن مؤشرات البث من مؤسسة «منكب الجوزاء» للإرسال (Betelgeuse Broadcasting Corporation) مجرّد إعادة التدقيق بالسجلات. في حال التقاط نسخة عن البرنامج الإذاعي (Yesterday in Parliament) بين المجرات عبر شبكة اتصالات مماثلة، فقد لا يدل ذلك على وجود كائنات فضائية ذكية بالفعل. لكن في حال رصد تغطية للبرنامج الإذاعي (Test Match Special) الخاص بلعبة الكريكيت مثلاً، فسيكون الأمر مؤشراً إيجابياً حتماً.