باتريك زوسكيند... المشهور المجهول!
الروائي الألماني باتريك زوسكيند صاحب «العطر» على غرار التشيكي ميلان كونديرا، لم يجر حديثاً صحافياً منذ الثمانينيات، فلجأت المجلات إلى ابتكار حوارات له عبر نقل أفكار دوّنها في كتبه، خصوصاً بعد صدور أعماله كاملة في باريس.زوسكيند يشبه أيضاً الأميركي سالينجر صاحب رواية «الحارس في حقل الشوفان» الذي عاش 45 عاماً من العزلة الغامضة حتى ظنّ كثر أنه مات منذ زمن بعيد.
باتريك زوسكيند هذا الشخص الذي لا تجد له حديثاً صحفياً واحداً، أو صورة منشورة في جريدة، أو في كتاب، يُعرف بأنه صاحب رواية «العطر»، التي لم ينشر بعدها سوى قصتين طويلتين هما: «الحمامة» و»حكاية السيد زومر»، إضافة إلى مسرحية «كونتراباص» وثلاث قصص قصيرة قبل أن يصمت مطلع التسعينات.اليوم، نكاد لا نعرف عن زوسكيند سوى «النص»، أما شخصه فغير مرئي تقريباً. وبات الحديث عن عزلته مملاً أو هو إحدى علامات شهرته، ففي قرار العزلة نجده يشبه كافكا الذي أوصى ماكس برود بحرق كتبه وأعماله، لكن الأخير وبسبب حب الفضول عمد الى نشرها، وعلى هذا صارت «وصية كافكا» إحدى علامات شهرته. إلا أن كتاباً كثراً سألوا: لماذا لم يحرق كتبه بنفسه؟ فالراجح أن وصيته كانت لعبة أدبية وثقافية، وهي من دون شك أحدثت جدلاً طويلاً ودوِّنت حولها مئات المقالات.مضمون الروايةيتخيّل للقارئ أن شخص زوسكيند على صورة مضمون الروايات القليلة التي أصدرها، فأعماله مرآة لعزلة الإنسان في حقبة ما بعد الحداثة، خصوصاً رواية «الحمامة» التي ترتكز على حدث رمزي طريف، يتلخَّص في المغزى البعيد للانقلاب المفاجئ في حياة حارس المصرف الباريسي «جوناثان نويل»، ذلك عند ظهور الحمامة في يوم حار من أيام شهر أغسطس (آب) 1984. ونويل الذي تعدى الخمسين من عمره، وهو يعيش منعزلاً ووحيداً على هامش حياة بسيطة ومتقشّفة، قضى منها 20 عاماً خلت من أية أحداث، لم يتصور يوماً أن يحدث له في حياته أي شيء ذي أهمية، فهو على الدوام حارس المصرف الباريسي العتيق الذي اعتاد رتابة حياته اليومية داخل غرفة صغيرة على السطح في إحدى العمارات المهملة. يكره الفوضى التي قد تهدد كيانه، ويرى أن الفائدة الوحيدة لعمله الوضيع تكمن في دعة الشعور بالاستقرار والهدوء النفسي.لكن نويل هذا يصبح بين ليلة وضحاها رجلاً مذهولاً ومرعوباً ومشرداً بسبب الحضور العبثي لتلك الحمامة، حينما تستقر بجوار باب شقته، وتهيمن بعينيها العاريتين وريشها المنسدل على ضفاف وجوده، مهددة بلامبالاة جسيمة حياته واتزانه وهدوءه ذاك. يبني زوسكيند روايته على خرافة ما قابلة للتصديق بطريقة سردية مجازية توصلنا الى حساسية فائقة. فالقارئ حين يتابع وصف الروائي لعين الحمامة وهي تنظر لا بد من أن يشعر برهبة ما، أو مفاجأة ما، وأحياناً قد يشعر بالاشمئزاز من الحياة نفسها خصوصاً حين يتحسّس واقع التشرّد من خلال بطل الرواية. يُشار إلى أن ثمة من أصبح يقتدي بحياة زوسكيند في العالم العربي ويعيش العزلة و{يلتهم» الكتب أكثر من الطعام. والسؤال: ما الجدوى من اللاهوت الأدبي، أليست الكتابة جزءاً من الحياة، ألا تحتاج الكتابة الى حياة في جوهرها كي تكون قريبة من المتلقّي؟ الأرجح أن هذا جوهر ما يعانيه المتأثرون بحياة زوسكيند، فهم في الكتابة قراء أكثر من كونهم روائيين أو شعراء!بالعودة إلى كتب زوسكيند، نجد أن جوهر أجواء رواية «الحمامة» لا يختلف عن مسرحية «كونتراباص» المترجمة حديثاً الى العربية عن «دار الجمل» وسبق أن تُرجمت عن «المركز القومي للترجمة» في مصر، هذه المسرحية اشتهرت في العالم على رغم حجمها الصغير، وهي إشارة إلى واقع هذا الكاتب الكبير، فقبل أن يكتب زوسكيند «الكونتراباص» عام 1980 كان قد جرَّب قلمه في أعمال نثرية عدة لم يجد من ينشرها، ثم في سيناريوهات أفلام لم تجد من يخرجها أو يمثّلها. مع «الكونتراباص» بدأ نجمه «يشرقط». بُث العمل أولاً تمثيلية إذاعية، قبل أن يجد طريقه إلى خشبة أحد مسارح ميونيخ، وقبل أن يصدر في كتاب عام 1984. منذ ذلك الحين وهذه المسرحية المكتوبة لممثل واحد تحقّق نجاحاً ساحقاً (قدّمها أحد الممثلين اللبنانيين في مسرح بيروت ولم تلقَ نجاحاً جماهيرياً).تعتمد المسرحية على ممثل وحيد، وفي بدايتها يشاهد المتفرج رجلاً في منتصف العقد الرابع، يجلس وحيداً في غرفة ذات جدران عازلة للصوت، تكاد تخلو من كل شيء إلا من آلة الكونتراباص الضخمة الحجم، العميقة الصوت. هي رفيقته في السراء والضراء. يحبها وينطقها بالعزف البارع، ويفتخر بدورها في الأوركسترا. لكن هذا الاعتزاز الشديد بآلته الموسيقية، يقابله كره دفين لها؛ لأنها في نظره أصل كل بلاء في حياته. فهي التي تجعله يجلس وراءها في الصف السادس أو السابع من الأوركسترا، وتجبره على العيش في الظل. فهو يعلم أنه لن يقف أبداً في دائرة الضوء عازفاً منفرداً، إذ لم يحدث أن ألّف بيتهوفن أو موزارت أو تشايكوفسكي أو أي موسيقار مشهور، مقطوعة منفردة للكونتراباص. فالأوركسترا ـ بترتيبها الهرمي، وكما يقول العازف الذي يجهل المشاهد اسمه «صورة طبق الأصل عن المجتمع البشري» «الكونتراباص» أمثولة رائعة لعلاقة الحب والكره التي تسيطر غالباً على الإنسان. إنه يكره شيئاً، لكنه لا يستطيع التخلّص منه، يحبه ولا يستطيع التوقّف عن توجيه اللعنات إليه.العطرإذا كانت كلّ من رواية «الحمامة» ومسرحية «كونتراباص» حظيتا باهتمام ملحوظ في العالم، فرواية «العطر» أصبحت كـ»الأيقونة» في عالم الأدب. فعندما نذكر «دون كيشوت» لثرفانتس و»مئة عام من العزلة» لماركيز و»الجبل السحري» لتوماس مان و{المسخ» لكافكا، لا بد من أن نذكر أيضاً «العطر» لزوسكيند، لأنها إحدى أبرز الروايات في العالم، وقد حققت فور صدورها نجاحاً ساحقاً، وباعت خلال عام نصف مليون نسخة، وبلغت مبيعاتها حتى اليوم أكثر من 15 مليون نسخة، بذلك فاقت رواية «الطبل الصفيح» للروائي غونتر غراس.تحكي الرواية قصة الشاب جان باتيست غرنوي الذي وُلد في ظروف صعبة، وتربى في ظروف أصعب، وكان يتميز بحاسة شم قوية للغاية. ويروي الكاتب استغلال هذا الشاب الحاسة القوية التي امتلكها، فعمل كصبي لأحد العطارين، وأكمل هكذا بقية حياته لكي يتعلم كيفية استخلاص عبق الكائنات الحية. كان هدفه الحصول على عبق أجمل الفتيات، واستغل قدرة المواد الدهنية على امتصاص عبق الأجسام فاستخلص عبق الـ 25 فتاة بعد قتلهن ووضعه في قوارير صغيرة كي يستخدمها لنفسه، فهو لم يكن يملك رائحة جسدية خاصة به كبقية البشر، فرغب في استخلاص هذا العبق ليتميز برائحة ضحاياه الـ 25 التي كانت تعجبه. استطاع في نهاية الرواية سلب كل من حوله إرادته وتطويعها للخضوع لمحبته هو، فكان بمقدوره أن يذهب إلى الملك لجعله يقبّل قدميه. في تلك الرواية سرد روائي إبداعي لعبقري حقيقي كان منبوذاً من المجتمع، محروماً من أنواع الذكاء الأخرى كافة. استطاع بإرادة ملحة لشم العطر الذي يبحث عنه أن يؤدي مهمة صناعته. تنتهي الرواية بمقتل بطلها على يد مجموعة من المجرمين في باريس ليلاً. هي رواية مزيج بين الواقع والخيال، وذات بعد فلسفي بوليسي مشوّق، وقد صُورت في فيلم سينمائي على يد المخرج الألماني توم تيكفير، لكنه لم يأخذ صدى كما الرواية نفسها.زوسكيند في سطورزوسكيند مشهور ومجهول في آن، فهو ينتسب إلى عائلة من الكتّاب أبدعوا أعمالاً قليلة رائعة، ثم آثروا أن يتوقفوا بعدها. أنهى دراسته الابتدائية والثانوية، ثم درس التاريخ في ميونيخ وإكس آن بروفانس في فرنسا حيث قدم رسالة تخرجه التي كان موضوعها نشاط برنارد شو السياسي والاجتماعي. بدأ بكتابة القصة القصيرة منذ كان على مقاعد الدراسة الثانوية، كذلك كتب للصحافة في أوقات متقطّعة. أما قوته اليومي فكان يكسبه، حسب إفادته الشخصية، من عمله في قسم العقود والعلامات التجارية في شركة سيمنس، وعمله في بار «الهولندي الطائر» في بيرغ أم سيه وكمدرب مساعد للعبة كرة الطاولة وأعمال أخرى، أما القسم الأكبر من دخله فكانت تدره عليه مسلسلاته التلفزيونية التي كتبها.