«الأخ الكبير» والأموال الكبرى

نشر في 24-09-2010 | 00:01
آخر تحديث 24-09-2010 | 00:01
إن شركات مثل «مايكروسوفت» و«ياهو» و«غوغل» تسعى إلى جمع المال، تماماً مثل شركة «آي بي إم» التي باعت آلاتها الحاسبة في ثلاثينيات القرن العشرين للنظام النازي: فاستخدم النازيون هذه الآلات لتحويل تنكيلهم بضحاياهم إلى مسائل روتينية وبيروقراطية.
 غاي سورمان في أنحاء العالم المختلفة، يُضمِر مستخدمو الإنترنت وهماً رومانسياً بشأن الفضاء الإلكتروني، وبالنسبة لأغلب متصفحي المواقع على الشبكة العالمية فإن الإنترنت تزودنا بإحساس زائف بالحرية الكاملة والقوة وإخفاء الهوية.

بطبيعة الحال، تتطفل علينا من حين إلى آخر رسائل وإعلانات غير مرغوب فيها ويتصادف أنها تتصل على نحو غامض بأكثر عاداتنا حميمية، وهذا يذكرنا بأننا نحن مستخدمي الإنترنت خاضعون لمراقبة افتراضية لا تنقطع، وحين تكون دوافع المراقبين تجارية بحتة، فإن مثل هذه "الرسائل المزعجة" تبدو وكأنها انتهاكات طفيفة. ولكن في الصين أو روسيا، تخضع شبكة الإنترنت لدوريات مراقبة ليس من قِبَل باعة غير مرغوب فيهم بل بواسطة الشرطة.

لذا فما كان للناشطين الروس في مجال حقوق الإنسان أو المنتمين إلى منظمة "موجة بايكال لحماية البيئة" أن يندهشوا حين باغتتهم في وقت سابق من هذا الشهر قوات شرطة أفرادها من لحم ودم، فصادروا أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم والملفات المخزنة عليها. في أيام الاتحاد السوفياتي، كان رجال جهاز الاستخبارات وأمن الدولة (كيه جي بي) يتهمون هؤلاء المنشقين المناهضين لبوتين بالخلل الذهني. والآن في "روسيا الحديثة" فإن المعارضين على الفضاء الإلكتروني يتهمون بانتهاك حقوق الملكية الفكرية.

ذلك أنهم كانوا يستخدمون أجهزة كمبيوتر تعمل بأنظمة تشغيل تابعة لشركة "مايكروسوفت" ولم يتمكنوا من إثبات ملكيتهم للبرامج أو أن البرامج غير منسوخة بشكل غير قانوني، وبمصادرة أجهزة الكمبيوتر فمن المفترض أن أفراد الشرطة الروسية كان بوسعهم أن يتحققوا مما إذا كانت برامج شركة "مايكروسوفت" التي كان الناشطون يستخدمونها مثبتة بشكل غير قانوني.

على السطح، يبدو أفراد شرطة شركة "مايكروسوفت" أو شرطة رئيس الوزراء فلاديمير بوتين وكأنهم أغراب يشاركوننا فراشنا، ولكن أهم كذلك حقا؟ لقد أعلن ممثلو شركة "مايكروسوفت" المفوضين أنهم لا يستطيعون إبداء اعتراضهم على إجراءات الشرطة الروسية، وذلك لأن الشركة التي تتخذ من سياتل مقراً لها لابد أن تلتزم بالقانون الروسي. ومن الممكن أن يُفسَّر هذا التصريح الغامض إما باعتباره دعماً نشطاً للشرطة الروسية وإما تعاوناً سلبياً معها. فضلاً عن ذلك فمن المعروف أن شركة "مايكروسوفت" تبرعت في حالات سابقة بمساعدة الشرطة الروسية في تحقيقاتها بشأن المنظمات غير الحكومية.

ومن الواضح أن الناشطين في مجال حقوق الإنسان في روسيا لا يمكنهم ولا ينبغي لهم أن يعتمدوا على شركة "مايكروسوفت" بوصفها حليفاً لهم في جهودهم الرامية إلى بناء مجتمع أكثر انفتاحا. ولكن سلوك "مايكروسوفت" الغامض- في أفضل تقدير- يشكل جزءاً من نمط معتاد. والواقع أن سجل شركات الإنترنت في الدول ذات الحكومات الاستبدادية متماسك وباعث على الكآبة في آن.

والواقع أن شركة "ياهو" تحمل لواء ريادة شركات الإنترنت وشركات التكنولوجيا الفائقة في التعاون مع القمع السياسي. ففي عام 2005 أعطت تلك الشركة الشرطة الصينية رموز تحديد هوية أجهزة الكمبيوتر للصحافي المعارض شي تاو الذي كان قد بعث برسالة يمتدح فيها الديمقراطية، فرصدتها أجهزة المراقبة. وبالحصول على أثره من "ياهو" تمكنت الشرطة الصينية من اعتقاله. ومازال شي سجيناً إلى يومنا هذا.

وفي ذلك الوقت، أعلن مديرو "ياهو" في الولايات المتحدة، مثلهم كمثل أقرانهم من "مايكروسوفت" في روسيا، أنه كان لزاماً عليهم أن يلتزموا بالقانون الصيني. ولاشك أن شي تاو شعر في زنزانته بالابتهاج الشديد حين علم أن الصين يحكمها القانون، وليس الحزب الشيوعي. فحكم القانون هو ما يناضل شي تاو من أجل فرضه على كل حال.

أما شركة "غوغل" فقد بدا الأمر، ولو لفترة وجيزة على الأقل، وكأنها تتبع مبادئ توجيهية مختلفة فيما يتصل بأعمالها التي تزاولها في الصين، فأظهرت التزامها بمبدأ أخلاقي معلن على نطاق واسع مفاده: "لا تكن شريرا". ففي عام 2009، ولإبداء احتجاجها على الرقابة، قررت "غوغل" التي تتخذ من وادي السليكون مقراً لها أن تنقل مقرها من البر الرئيسي للصين إلى هونغ كونغ التي لاتزال تتمتع بقدر نسبي من الحرية. وعن طريق محرك البحث في هونغ كونغ، بات بوسع مستخدمي الإنترنت الصينيين أن يقرؤوا عن تايوان، أو مذبحة "ميدان السلام السماوي" في عام 1989، أو الدلاي لاما. أما في موقع "غوغل" الصيني فإن هذه المصادر، وغيرها من نتائج البحث التي تستخدم العديد من المصطلحات الأخرى المحظورة، لا تظهر ببساطة.

وبدا الأمر وكأن هذا التحرك من جانب "غوغل" كان الهدف منه التوفيق بين فلسفتها التحررية المعلنة وبين أخلاقيات العمل التجاري. ولكن هذا التوفيق لم يدم طويلاً: ذلك أن غوغل كانت تتقبل الرقابة منذ بداية مزاولتها لعملها في الصين في عام 2006، وذلك حتى تتمكن من اكتساب الفرصة للدخول إلى السوق الصينية. وبعد ستة أشهر من الحياة في هونغ كونغ بدأ المال يتحدث، وأعادت الصين خدماتها في البر الرئيسي للصين، وبنفس المستوى السابق من الرقابة. وفي نهاية المطاف فقدت "غوغل"، وليس الحزب الشيوعي الصيني، ماء وجهها.

وبهذا تكون كل من "ياهو" و"غوغل" و"مايكروسوفت" قد سلكت مساراً متماثلاً إلى حد مذهل: الوصول إلى الأسواق المربحة يبز آلام الشواغل الأخلاقية. إن الأدوات التي تقدمها هذه الشركات محايدة سياسياً. ويحاول المنشقون والمعارضون استخدامها لملاحقة أجندة مناصرة للديمقراطية، وتستخدم الشرطة هذه الشركات لتتبع وقمع المنشقين. وفي كل الأحوال فإن شركات مثل "مايكروسوفت" و"ياهو" و"غوغل" تسعى إلى جمع المال، تماماً مثل شركة "آي بي إم" التي باعت آلاتها الحاسبة في ثلاثينيات القرن العشرين للنظام النازي: فاستخدم النازيون هذه الآلات لتحويل تنكيلهم بضحاياهم إلى مسائل روتينية وبيروقراطية.

ولكن هل ينبغي لنا أن نُصدَم حين نعلم أن شركات الإنترنت تضع الأرباح قبل الأخلاق؟ إنها في المقام الأول والأخير شركات عادية تسعى إلى تحقيق الأرباح، مثلها كمثل شركة "آي بي إم" في عهد هتلر. والواقع أن شركات الإنترنت ربما تميل أكثر من غيرها إلى إخفاء دوافعها الحقيقية وراء شعارات زائفة ذات وقع ديمقراطي على الأذن، ولكنها في النهاية تعمل على التسويق لمنتجاتها مثلها كمثل أي شركة أخرى. وفي عالم الإعلان أو الترويج الذاتي فإن اختيار الكلمات يتحدد وفقاً لتوقعات العملاء، وليس انطلاقاً من فلسفة خاصة يتبناها القائمون على شركات الإعلان.

إن الرأسمالية تنطوي دوماً على مفاضلة ما: إذ يتعين علينا أن نتعايش مع سلوكيات غير أخلاقية من قِبَل المؤسسات التي تصنع المال والتي تزودنا بأدوات جديدة مفيدة. وهذا الأدوات قد يستخدمها إيرانيون يكافحون الدكتاتورية، أو معارضون من التبت يحاولون إنقاذ ثقافتهم. ومن الممكن أيضاً أن تستخدم مثل هذه الأدوات لحساب عدد اليهود الذين أبيدوا، أو لاعتقال منشق صيني، أو لانتهاك حقوق الإنسان في روسيا.

إن "مايكروسوفت" في روسيا، أو "غوغل" في الصين، تعلمنا أن الرأسمالية ليست أخلاقية: فهي تتسم بالكفاءة فحسب، ورجال الأعمال يتسمون بالجشع بالتعريف: وإذا لم يكن الجشع من سماتهم فإن الإفلاس مصير حتمي لهم. ولا شك أن المجتمع المفتوح لن ينشأ ولن يجد السند والدعم في رجال الأعمال الصالحين، ولن يكون نتاجاً ثانوياً للهندسة السياسية، وستظل الحرية، كما كانت حالها دوماً، نتاجاً لمساعي رجال ونساء أحرار.

* فيلسوف فرنسي وخبير اقتصادي، وهو مؤلف كتاب «الاقتصاد لا يكذب».

«بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة»

back to top