في أي كوكب يعيش العرب؟

نشر في 06-02-2011
آخر تحديث 06-02-2011 | 00:00
 خلف الحربي دفعتني أحداث تونس ومصر إلى تأمل خريطة العالم بحثاً عن بقعة جغرافية تتوحد صحاراها وجبالها وبحارها في تقديس حكم الفرد، فاكتشفت أن العالم العربي وحده- دون سواه- يعيش في عالم آخر ليس له أدنى علاقة بخارطة العالم في القرن الحادي والعشرين، فأوروبا الشرقية اليوم أصبحت تنافس أوروبا الغربية في الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأميركا اللاتينية تخلصت من حكم العسكر، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من العالم المتحضر، وكذلك الحال بالنسبة لمعظم دول إفريقيا وآسيا.

صحيح أنني خلال تأملي لخارطة العالم وجدت بعض الدمامل الدكتاتورية الصغيرة مبعثرة هنا وهناك؛ مثل كوريا الشمالية وكوبا، ولكنها دمامل وحيدة ومعزولة وخارجة عن سياق الدول المجاورة لها، لذلك أقترح ضم هذه الدول الاستثنائية إلى جامعة الدول العربية كي لا تشعر بالوحشة.

فالحقيقة التي لا تخفف مرارتها جبال من السكر هي أن المواطن العربي اليوم يستقدم خادمة من الفلبين، وسائقا من بنغلاديش، ويتعامل معهما بغطرسة شديدة دون أن ينتبه إلى حقيقة مهمة، وهي أن الفرد في تلك البلاد الفقيرة يستطيع تغيير الشخص الذي يحكمه بمجرد ذهابه إلى صندوق الاقتراع، لذلك فإن الإنسان العربي اليوم يعيش في عالم افتراضي مماثل لذلك العالم الموجود في ألعاب الفيديو، حيث يتحدث عن مفردات مثل الحرية والديمقراطية والكرامة والمساواة دون أن يدرك أنه لا يملك أدنى قدر منها.

وفي مقاييس القرن الحادي والعشرين لم يعد مصطلح «الدولة» دقيقا حين نحاول إسقاطه على أي مساحة في العالم العربي، حيث سنجد أنفسنا أمام مزارع خاصة وإقطاعيات يملكها أفراد يوزعون الثروة والحقوق، ويفرضون الواجبات تبعا للحالات المزاجية التي يمرون بها.

وحين بدأت رياح العولمة العاتية تضرب الخارطة العربية كي تصبح جزءا من هذا العالم خرج أنصار نظرية المؤامرة ليحذروا من الفوضى الخلاقة التي يهندسها أعداء الأمة، ويخططون لها في غرف بعيدة، وقد يكون كلامهم هذا صحيحا، فالفوضى التي يمكن أن تدب في كل أرجاء العالم العربي تظل احتمالا مطروحا بقوة، ولكن هل كان لمثل هذا الاحتمال أن يلوح في الأفق لو لم تكن دولنا تتجاهل كل تغيرات العصر واستحقاقاته وتصر على البقاء في العصر العباسي؟!

ما من شك أن التغيير الذي ارتفعت راياته في مصر المحروسة، وانطلقت شرارته الأولى في تونس الخضراء سوف يؤثر في جميع الدول العربية دون استثناء، ولعل الخيط الفاصل بين الحرية والفوضى هو إدراك العرب أن الشكل الحالي للدولة العربية هو شكل غير قابل للاستمرار لأنه ببساطة لا ينتمي إلى هذا العصر، حيث يصعب على إنسان القرن الحادي والعشرين تقبل فكرة الحاكم الفرد الذي يملك البلاد والعباد، ولا بد من التفكير جديا بأن الأجيال الجديدة لم تعد تهضم أكذوبة «نعمة الاستقرار» خصوصا أن الاستقرار هنا أصبح مقرونا بالحياة البائسة وانعدام الحرية.

كانت العرب ترى أن استقرار العين يعني عماها، وإذا كان الآباء والأجداد قد قبلوا أن يعيشوا العمر عميانا فإن ثمة جيلا قادما لن يفرط في نعمة البصر مهما كان باهظا... فهل نفتح أعيننا مرة واحدة كي نرى الواقع الجديد؟ وهل سنصبح جزءا من هذا الكوكب أم سنبقى في عالمنا الافتراضي، وحين تأتي ساعة الحقيقة نصب لعناتنا على المؤامرة التي دبرها أعداء الأمة؟!

* كاتب سعودي

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء

يمكنك متابعة الكاتب عبر الـ RSS عن طريق الرابط على الجانب الايمن أعلى المقالات السابقة

back to top