العين الثالثة للرسام


نشر في 04-05-2011
آخر تحديث 04-05-2011 | 00:01
 زاهر الغافري أن نرسم، يقول إيف بونفوا في كتابه الصوتُ والحجر، يعني: «أن نختار بين محاكاة شيء أو إنتاج علامة، سواء تعلق الأمر بمحيط، بإيقاع، بتشكيلٍ ندركه عند نقطة من الأرض، وهكذا نترك الشكل الذي يُولد على الورقة يستمع إلى نداء فعل واقعي يتعالى عن كل المعارف، أو تعلّق الأمر بأن نخطّ بداية من شيء ما في الإدراك الحسّي- من شيء، ولكن ربّما أيضاً من تذكّرٍ مبهم لكل شيء.» يجب القول أولاً، إن النزهة طريق مختصر للتفكير في شيءٍ ما، وعلى عادة المشّائين الكبار، لن يوقف شيءٌ الرسام الذي ينوي الوصول الى نقطة اللاعودة، الى ما وراء الأفق. لكن ما الذي سيكتشفهُ هناك. لِمَ يرمي الرسام برأسهِ الى الخلف وينظر بعينين ضيقتين ويرتد مرعوباً، كما لو كان يتطلع الى جبال الأرض وهي تنهار أمامه دفعة واحدة. أكان ينظر الى داخله؟ أكان يستمتع بنزهةٍ في حديقةٍ داخلية، مسوّرة بما هو أكثر من غبطة الألوان؟ كان الرسام ينظر الى ما وراء الأفق، لكنه لم يكُن يرى شيئاً، ولكي يرسم سيلزمه أن ينظر الى داخلهِ، أن يطل الى الحديقة المخبّأة هناك، حيث ستنبثق بعد قليل صرخة مسموعة بوضوح. حسناً كيف سيقبض الرسام في اللوحة عن صرخةٍ بينما «الثابت انه كلما طالت الصرخة فقدت معناها»، كما يقول جورج حنين. تذكر الرسام لوحة الصرخة للفنان النرويجي أدوارد مونك التي رسمها عام 1893 حيث يقع مشهد اللوحة في مدينة نورد ستراند النرويجية، فجأة قفزت في خياله كلمات مونك: «كنتُ أسير في أحد الأيام برفقة صديقي وبدأت الشمس تغيب وفجأة تحوّل لون السماء إلى أحمر قان، توقفتُ بعد أن شعرتُ بالتعب وأسندتُ جسمي على السياج. أكمل الصديقان سيرهما، وقفتُ وحيداً أرتجف من الخوف فشعرتُ أن صرخة لا تنتهي تمّر عبر الطبيعة». أحسّ الرسام أنه غيرُ قادر على الامساك بموضوع ما، كل شيءٍ يفلتُ منه، في هذه اللحظة بالذات عند الانقلاب المفاجئ للنفَس تتحول ذاكرته الى ما يشبه لون الرماد، تذكر طفولته فوجدها بعيدة، أحس برجفة برد تسري في عظامه. أيرسم عن الموت؟ فكر الرسام، وقال: لكي أرسم عن الموت ينبغي أن أحيا من جديد، الموت صيغة لتخيّل الزمن تحت تهديد مفاجئ من بعيد يسمع الرسام كلام الأموات، كان الهواء يحمل كلام أصدقائه الموتى وينثره في اتجاهات أربعة، كان الكلام متقطعاً، حزيناً، ومشوشاً، شعر بالصدمة، وقال: لن أفكَّ هذا السحر حتى أرسم الزهرة في فم الأفعى، ثم تذكّر أن جلجامش مات منذ عصور سحيقة. ظل الرسام ينتظر اشارةً، دليلاً منقذاً في مفترق الطرق: قال الرسام سأكتب عن السفر. وقف الرسام ينتظر القطار لكي يلهمه بلوحة قال: لن تأتي اللوحة طالما أقف هكذا مثل تمثال من رخام، ينبغي أن أتحرّك، أن أحس بالضوء، أن أمشي في رواق طويل، أن أترك قدميّ تتنزهان وحدهما. تحسس الرسام رأسه فوجده ثقيلاً وعندما نظر في اتجاه القطار القادم، أحس بأن عينيه فارغتان تماماً. لأن الرسام ما ان رأى الجموع الغفيرة، النازلة من القطار حتى تذكر مشهداً من فيلم قديم بالأبيض والأسود، تذكر مشهد القاتل الذي يرتدي معطفاً ويضع على رأسه قبعة وهو ينزل من القطار، لكن الرسام الذي وقف حائراً بين أحداث الفيلم وما يراه الآن، أحسّ بالغضب، فقال: لقد خُدعتُ! كانت عينا القاتل في الفيلم كعيني من أصيب بخيبة أمل. أما هذا الذي ينزل الآن، فلا يبدو أن لديه ذرة ضمير. قال الرسام هناك كان يمكنني على الأقل أن أفتح ممّر استعارة لصرخة القتيل أو للموت أو للسفر. عصفت في ذهن الرسام عاصفة قوية، فقال: تخونني اليد والألوان لا تريد أن تخرج إلا بعد أن أدفع لها مقدماً، وأنا رسام موهوب لكنني مفلس. ثم تذكر الرسام شيئاً قال: لن تخرج هذه اللوحة لكي أرسم عن القاتل، لقد كنتُ في السابق أرسم المقتولين، الضحايا، فكيف إذن ارسم قاتلاً! قال الرسام: هبط الليل ولم أرسم شيئاً، لأعود الى بيتي، ربما لو كنت بين الجدران، سأحس بالنعومة، والهدوء، هناك أستطيع أن أصبح اسطورة ضائعة في الرمل، هناك سيرتطم رأسي بليل المسافات وأنا وحيد. هناك أيضاً يمكنني أن أصرخ، وأفكر بالمساحات البيضاء التي تشبه روائح الماضي. وسأرسم لوحة عن الصرخة، صرخة القتيل في الفيلم وأربطها برحلة القطار، ثم ان الضحية بالتأكيد سيكون ميتاً وبهذا أرسم لوحة واحدة في هذه الموضوعات الثلاثة. عاد الرسام إلى محترفه وجد نفسه محاصراً، بالأفكار، وهو غير قادر على البدء، في زاوية المحترف هناك فرشاته وألوانه مرتبة بعناية فائقة، فكّر في المساحات البيضاء وفي الأوراق الموضوعة على الطاولة. قال الرسام: ينبغي أن أهدأ، ان وجودي في محترفٍ كهذا أمر يبعث على القلق. قال: فليذهب الرسم إلى الجحيم، تناول قنينة النبيذ وصبّ لنفسه كأساً، مع الكأس السادسة أحس الرسام بأن حياته تجري على عكس ما يرغب ويشتهي، ودون أن يدري تقريباً كمن يقوده أحد من يده إلى النافذة، كانت صرخته عالية إلى درجة أنه لم يستطع أن يقيسها، أرتّد إلى الخلف وانبطح في سريره وأطفأ المصباح لكن عينه الثالثة ظلت تلمع باستمرار.
back to top