مصر: صفقة «عمر أفندي» تثير جدلاً ساخناً بشأن برنامج الخصخصة
البعض يرى البرنامج «خطيئة حكومية» ... آخرون يدافعون عنه والكل يجمع على سوء التطبيق
رأى كثيرون أن برنامج الخصخصة الذي بدأ تطبيقه منذ مطلع التسعينيات حتى عام 2008 ساعد الحكومة في التخلص من أعباء مالية ضخمة ممثلة في خسائر ومديونيات طالما تحملتها الشركات العامة.
فتحت صفقة إعادة بيع شركة محلات عمر أفندي لمستثمر مصري، مجدداً ملف الخصخصة في مصر، وأثارت جدلاً اقتصادياً وسياسياً، حول جدوى البرنامج ومدى فائدته، وخسائره، وأضراره.وفي الوقت الذي تباينت فيه آراء ومواقف خبراء وأساتذة متخصصين في الاقتصاد، حول برنامج الخصخصة من حيث المبدأ، أجمعوا على أن عملية التطبيق شابها الكثير من العيوب، مشيرين إلى أن تلك العيوب كانت السبب في عدم تحقيق الهدف من البرنامج وهو تمكين القطاع الخاص من إدارة المشروعات الحكومية التي تم بيعها.ورأى كثيرون أن برنامج الخصخصة الذي بدأ تطبيقه منذ مطلع التسعينيات وحتى عام 2008 ساعد الحكومة في التخلص من أعباء مالية ضخمة ممثلة في خسائر ومديونيات طالما تحملتها الشركات العامة، فضلا عن توجيه جزء كبير من حصيلته إلى سد عجز الموازنة، ومن ناحية أخرى يرى البعض أنه برنامج فاشل تم في إطاره بيع الشركات بأقل من أسعارها الحقيقية.ومن وجهة نظر د.محمد تيمور، عضو مجلس إدارة المركز المصري للدراسات الاقتصادية، ورئيس مجموعة "فاروس" للاستشارات المالية، أحد أبرز مؤيدي الخصخصة "أن برنامج الخصخصة ليس سيئا".ويقول "لا يصح الحكم على البرنامج بسبب وجود قصور في صفقة أو أخرى، مؤكداً أن قطاع الأسمنت أبرز دليل على نجاح البرنامج، حيث لم تكن طاقته الإنتاجية تتجاوز 12 مليون طن قبل خصخصته، وأصبحت في ما بعد أكثر من 47 مليون طن".وأضاف "أنا مقتنع تماماً بالفكرة رغم وجود ثغرات بالفعل في نظام البيع والتسعير، لكن هذا لا يعني العودة إلى الوراء بل يعني ضرورة تلافي الأخطاء.ودافع تيمور عن طريقة تقييم الشركات قائلا: إن التقييم أمر مقيد بتوقيت معين وبوضع السوق؛ بمعنى أن الحكومة قد تقوم بوضع سعر معين للشركة ثم تصبح قيمتها أكبر من ذلك في وقت لاحق، وهذا لا يعني أنه تم البيع بالبخس، ويعتقد تيمور أنه لا يمكن التخلي عن فكرة الخصخصة في ظل اتجاه الدولة إلى جعل أغلب وسائل الإنتاج في أيدي القطاع الخاص".وخاطب تيمور رافضي الخصخصة قائلا: إذا كانت هناك انتقادات للفكرة بسبب فشل بعض الصفقات فلتوقفوا البيع وعودوا إلى القطاع العام ليمتلك الاقتصاد ويديره، مؤكدا في الوقت ذاته أنه ليس من مصلحة السياسيين أن تعمل شركات القطاع العام في ظل مناخ جيد يحسن من أدائها حتى يتسنى لهم تعيين أقاربهم والمحاسيب بها.ويرصد عمر مهنا، رئيس مجلس إدارة مجموعة السويس للأسمنت، الرئيس السابق لغرفة التجارة الأميركية، ما وصفه بـ"حالة ترصد"، ويقول: لو لم تقم الدولة بخصخصة قطاع الأسمنت، لما تضاعف إنتاجه خلال سنوات قليلة، ولما تمكنت الشركة القومية للأسمنت، وهي الشركة الحكومية الوحيدة، من تطوير أجهزتها ومعداتها كي تستطيع المنافسة في السوق.ومن وجهة نظر مهنا فإن برنامج الخصخصة الحالي ترنح كثيرا أمام حدة الانتقادات والغضب المتصاعد إلى أن سقط، لكنه أشار إلى أن الحكومة لن تتمكن من الاستمرار في الوضع الحالي، وبالتالي سوف تعود إلى تنفيذ البرنامج مرة أخرى.وقال: أنا واثق من أن هناك مرحلة أخرى من الخصخصة خلال الفترة القادمة، ويمكن القول بأن البرنامج لم ينجح في تحقيق أغراضه، وفي مقدمتها توسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص وتنمية الاقتصاد من خلال حصيلة البيع، فوفقا لورقة بحثية أعدها طارق الغمراوي، الباحث بالمركز المصري للدراسات الاقتصادية، فإن إجمالي حصيلة الخصخصة لم يتجاوز 0.86 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ليس ذلك فحسب بل إن ثلث تلك الحصيلة ذهب لتمويل عجز الموازنة، وهو مع ذلك لم يمثل سوى 4 في المئة من مجموع العجز خلال السنوات من 1994 حتى عام 2009، وهو ما يعني أن الخصخصة لعبت دورا صغيرا في سد عجز الموازنة.وتشير الورقة إلى أنه تم تقسيم حصيلة عمليات البيع في إطار البرنامج على بندين، الأول تمويل عجز الموازنة العامة والإبقاء على نسبة منه توضع في صندوق إعادة الهيكلة. والثاني يتم توجيهه إلى الشركة القابضة لضخه في شركات أخرى، وتكشف الورقة المهمة عن أن 53 في المئة من حصيلة بيع الشركات خلال الفترة من 1994 وحتى 2002 تم توجيهها إلى صندوق إعادة الهيكلة ليوجه بدوره 31 في المئة لإعادة الهيكلة المالية وتسوية المديونيات و4 في المئة لإعادة الهيكلة الفنية و18 في المئة لمدفوعات المعاش المبكر والأجور، في حين تم توجيه 47 في المئة من حصيلة تلك الفترة لتمويل عجز الموازنة، وخلال الفترة من 2002 وحتى 2009 تم توجيه نسبة 19.3 في المئة لتمويل عجز الموازنة في حين تم توجيه 80 في المئة إلى صندوق إعادة الهيكلة.وأشارت الورقة إلى أن البيع لمستثمر رئيسي كان أفضل أساليب البيع، حيث استحوذ هذا الأسلوب على نسبة 64 في المئة من إجمالي عمليات الخصخصة.وفي ورقة بحثية أخرى للدكتور إيهاب الدسوقي حول تأثير الخصخصة على أداء الشركات يتضح أن الشركات التي تمت خصخصتها ارتفعت كفاءتها، وتحديدا في قطاعات الأسمنت والصناعات الغذائية والكيماويات، بينما انخفضت كفاءة شركات النقل والزراعة وتجارة الجملة التي تمت خصخصتها من جانب الحكومة.وأكدت الورقة أن كل القطاعات حققت مؤشرات ربحية إيجابية فيما عدا قطاعين، هما الزراعة والمعدات الكهربائية، في حين ارتفعت معدلات نمو الاستثمار داخل جميع القطاعات عدا التشييد والبناء، وتشير إلى أن الشركات التي تم بيعها لمستثمر رئيسي بلغ عددها 17 شركة من العينة البالغة 67 شركة، كانت هي الأفضل من حيث النتائج الإيجابية، في حين حققت معظم الشركات التي تمت خصخصتها بالبيع إلى اتحاد العاملين نتائج سلبية.وقالت ورقة البحث إن حوالي 54 شركة من شركات العينة تمثل 80.6 في المئة حققت ربحية إيجابية بعد الخصخصة، كما قامت 25 شركة فقط تمثل 37.3 في المئة من الشركات بالتوسع في ضخ استثمارات جديدة داخل الشركة بعد الشراء، ومع ذلك هناك معارضون للخصخصة.ورغم أن تلك الأصوات لا تختلف مع فكرة الخصخصة وإفساح المجال للقطاع الخاص فإنها ترى في برنامج الخصخصة نموذجا على الفشل الذريع الذي لا يمكن إنكاره، حيث ترى د.عالية المهدي، أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن أحد أوجه الفشل في برنامج الخصخصة يتمثل في بيع شركات تتمتع بوضع احتكاري في السوق مثل شركات الأسمنت أو صفقة المراجل البخارية وبيبسي وكوكاكولا وغيرها, موضحة أن الحكومة باعت تلك الشركات وهي تعلم أنها تمتلك حصة كبيرة من السوق، ومع ذلك لم تضع ضوابط أو معايير يمكن من خلالها مراقبة تلك الشركات حتى لا تقوم بأي عمليات تضر بالسوق.في السياق نفسه أكدت د. هناء خير الدين، المدير التنفيذي السابق للمركز المصري للدراسات الاقتصادية، أن المشكلة الرئيسية في برنامج الخصخصة والتي جعلته يفقد كثيرا من بريقه هي أن معظم عمليات البيع تركزت في الشركات غير الخاسرة في حين تم الإبقاء على الشركات الخاسرة التي من شأنها تحميل الحكومة والموازنة العامة مزيدا من الأعباء.أما د. أحمد جلال، رئيس منتدى البحوث الاقتصادية، فيؤكد أن ما حدث لا يمكن التعامل معه على أنه كان خصخصة، مشيرا إلى أن ما حدث من عمليات بيع موسعة يمكن أن يكون أي شيء سوى الخصخصة! وأن عمليات البيع التي تمت لم تضف جديداً إلى الاقتصاد المصري ولم تتمكن الحكومة من توجيهها إلى أوجه إنفاق مهمة.ويرى د. جودة عبدالخالق أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن ما طبقته الحكومة خلال العقدين الماضيين بشأن عملية بيع القطاع العام أثبت فشله بشكل واضح جدا، وأكد أن هناك نماذج أجنبية للخصخصة كان من الممكن تطبيقها في مصر دون تحمل أية خسائر، منها التجربة الصينية، ويتم خلالها طرح أسهم جديدة للاكتتاب في سوق الأوراق المالية مع احتفاظ الشركة بكامل عائد عملية الطرح ولا تأخذ منه الحكومة شيئا.أما د. محمد عمران النائب السابق لرئيس البورصة، نائب الرئيس الحالي للاتحاد المصري للتأمين فبرغم انه من المؤيدين للخصخصة فإنه يرى أن 18 عاما من الخصخصة تعني أن هناك خللا ما في البرنامج.وأكد أن دولة مثل كوسوفو وضعت لنفسها خطة للانتهاء من البرنامج خلال عامين فقط وليس خلال عقدين من الزمان، ودافع عمران عن الانتقادات الموجهة لطرق تسعير الشركات التي تباع، موضحاً أن هناك لجنة خماسية هي التي تقوم بتقييم الشركة وتسعيرها وبيعها وأنها تواجه تعنتاً شديداً من جانب بعض المسؤولين، كاشفاً عن أن صفقة بيع بنك القاهرة لم تنجح بسبب التعنت في التسعير بشكل حاد.من جانبها قالت د.ماجدة قنديل المدير التنفيذي للمركز المصري للدراسات الاقتصادية: للأسف برنامج الخصخصة فشل على مدار 20 عاماً في تحقيق المستهدف منه وهو توسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية.وأضافت أن ما حدث يدل على أن البرنامج تخبط كثيرا خلال تلك الفترة، موضحة أن ثلث الحصيلة الناتجة عن الخصخصة تقريبا تم توجيهها لسد العجز في الموازنة الحكومية، ولم يتم توجيهها لأوجه إنفاق تنموية، مؤكدة أن برنامج الخصخصة فشل فشلا ذريعا.وقالت "هذه شهادة لا نعتز بها في تاريخنا الاقتصادي، لكنني لا ألوم هنا على فلسفة الخصخصة نفسها فاللوم كله على التطبيق الذي جعل صورة الخصخصة لدى الرأي العام صورة سلبية للغاية".