ثغرات في النظام الروسي
قبل ثلاثة أيام من الاعتداء على مطار دوموديدوفو، وعد بوتين المنطقة بتقديم استثمارات بقيمة 13.5 مليار دولار هذه السنة، غير أن آلاف الوطنيين المتعصبين الذين نادوا بعبارة «روسيا للروس فقط» خلال مسيرة حاشدة خارج مقر الكرملين، في شهر ديسمبر، لم يكونوا يطالبون حصراً بطرد الوافدين من شمال القوقاز، بل بالتخلي عن منطقة تعيق مسار موسكو.كشف التفجير الانتحاري في أكثر مطارات موسكو اكتظاظاً، يوم الاثنين الماضي، عن ثغرات عدة على مستوى الأجهزة الأمنية في ما يخص أجهزة رصد المعادن وغيرها من التهديدات المحتملة. كذلك، كشف الاعتداء الإرهابي، الذي أسفر عن مقتل 35 شخصاً وجرح أكثر من مئة آخرين، عن ثغرات في النظام السياسي المتحجر الذي بناه رئيس الوزراء فلاديمير بوتين طوال العقد الماضي، وكانت نقاط الضعف هذه هي التي سمحت بوقوع مأساة الأسبوع الماضي، وهي توفر ظروفاً مناسبة لوقوع اعتداءات جديدة.
من المعروف أن الأعمال الإرهابية تعتمد على نقاط ضعف الحكومات وأجهزتها الأمنية، ولا يمكن لأي بلد أن يعتبر نفسه مدرعاً بما يكفي ضد ضربات مماثلة، مهما ارتفعت درجة جاهزيته، ولقد استهدف الإرهابيون أكبر المدن العالمية مثل لندن ومدريد واستوكهولم في السنوات الأخيرة.لكن ما يفرق موسكو عن غيرها هو تكرار هذه الاعتداءات وعجز الحكومة عن منع تكرارها.لقد شهدت العاصمة الروسية ثمانية اعتداءات إرهابية كبرى خلال العقد الماضي، وفقاً لسجلات صحيفة «فيدوموستي»، منها حادثة حصار مسرح «دوبروفكا» وتفجيرات قطار الأنفاق في عامي 2004 و2010. تُعتبر العناوين الرئيسة التي تتصدر الصحف عن عمليات الاغتيالات السياسية وانفجار القنابل في منطقة شمال القوقاز التابعة لروسيا- حيث انبثقت حركة تمرد إسلامية عن الصراع مع الانفصاليين في الشيشان خلال التسعينيات- شائعة جداً لدرجة أنها نادراً ما تطغى على الأنباء المحلية لأكثر من بضع ساعات.لا عجب إذن في أن يعلن المحققون مسؤولية جماعة مسلحة من شمال القوقاز عن التفجير في مطار دوموديدوفو، فقد أُلقي اللوم على المقاتلين من تلك المنطقة في معظم الاعتداءات الماضية.«الوقاية من اعتداءات إرهابية مماثلة مسألة معقدة، تماماً مثل ضمان أمن وسائل النقل. لقد أثبتت التجارب الأخيرة ذلك، ويجب أن نطور الخطوات المتَّخذة راهناً وأن ننظر إلى المشاكل القائمة على نطاق وطني شامل». هذه كانت كلمات الرئيس ديمتري ميدفيديف بعد التفجيرات الانتحارية المزدوجة في مترو موسكو منذ أقل من عام، وربما استعمل الكلمات عينها، في الأسبوع الماضي، حين وجه انتقاداته ضد شرطة النقل «الجامدة» التي تكتفي بابتزاز الأموال من العمّال الأجانب غير الشرعيين في المطارات ومحطات القطار.في غضون ذلك، تعهد بوتين بألا تتفاوض روسيا مطلقاً مع الإرهابيين، ودافع بشكلٍ غير مباشر عن طريقته الخرقاء في المصالحة مع الشيشان حين قال إنّ الشيشانيين لم يكن لهم أي ضلوع في التفجير الأخير على ما يبدو. لقد دأب القائدان، اللذان حكما روسيا معاً منذ أن انتقى بوتين بنفسه ميدفيديف خلفاً له في منصب الرئاسة، عام 2008، على تبني أدوار مألوفة في ما سمياه شراكة «وثيقة». لم يتوانَ ميدفيديف الأصغر سناً عن الإشارة إلى وجود ثغرات واضحة في وكالات إنفاذ القانون في البلاد، في محاولةٍ منه للحفاظ على صورته الليبرالية. فوعد بوتين بالانتقام الحتمي بصفته رئيساً سابقاً للأجهزة الأمنية الفدرالية.لقد سمع الروس هذا الكلام كله من قبل، ولا أحد يتوقع حدوث أي تغيير فعلي لأن الآلية السياسية الخاصة ببوتين، والتي اعتُبرت في السابق «لا تُقهر»، تبدو عاجزة اليوم عن مواجهة التحديات الكبرى.غالباً ما تُعتبر عمليات اغتيال منتقدي الحكومة دليلاً على وجود دولة شرطة وحشية في روسيا، بل إن عمليات القتل تُصور مدى تراجع سيطرة الدولة على البلاد. يعني استفحال الفساد وغياب المحاسبة أن وكالات إنفاذ القانون ابتعدت كثيراً عن وظائفها الأصلية. يرى 60% من الروس أن رجال الشرطة يهتمون أولاً وأخيراً بضمان مصالحهم الشخصية، بينما يعتبر 24% منهم أن الشرطة تضع سلامة المواطنين على رأس أولوياتها، وفقاً لاستطلاع الرأي الذي نشره مركز ليفادا في شهر نوفمبر. وكأن وجود دائرة شرطة كبيرة لكن غير كفؤة لا يكفي، بل تواجه روسيا أيضاً مشكلة إضافية تتمثل في التهديد الإرهابي الذي ينبثق من داخل حدودها.قام القياصرة بغزو المنطقة الجبلية في شمال القوقاز ذات الأغلبية المسلمة، في القرن التاسع عشر، وتضم هذه المنطقة خليطاً من الجماعات الإثنية الصغيرة لكنها مختلفة، منها الشيشانيون. وصل بوتين إلى رئاسة روسيا عام 2000، بعد أن كان رئيس الوزراء في عهد الرئيس بوريس يلتسن، فشن حملة لقمع الحركة الانفصالية الشيشانية نهائياً. صحيح أن رمضان قديروف الموالي لبوتين يحكم الشيشان اليوم بقبضة حديدية، إلا أن التطرف الإسلامي الذي عززه الصراع مع الانفصاليين ينمي الآن حركة سرية في أنحاء المنطقة. تأخر بوتين في إدراك أن الفقر وغياب الفرص الاقتصادية والسلطات المحلية المستقلة تؤدي جميعها إلى حث الأفراد على الانضمام إلى صفوف المقاتلين المحليين.بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وانبثاق 15 دولة مستقلة في عام 1991، تمثل أكبر خطر واجهته روسيا بعد أن أصبحت دولة موحدة باستمرار القوى الهامشية بتمزيق البلاد. بعد طمس قضية استقلال الشيشان، لم يختفِ هذا التهديد كلياً.تكمن المفارقة في المساعي المُكلفة للاحتفاظ بالشيشان في أن معظم الروس لا يعتبرون شمال القوقاز جزءاً محورياً يستحق أن تحتفظ به روسيا. قبل ثلاثة أيام من الاعتداء على مطار دوموديدوفو، وعد بوتين المنطقة بتقديم استثمارات بقيمة 13.5 مليار دولار هذه السنة. غير أن آلاف الوطنيين المتعصبين الذين نادوا بعبارة «روسيا للروس فقط» خلال مسيرة حاشدة خارج مقر الكرملين، في شهر ديسمبر، لم يكونوا يطالبون حصراً بطرد الوافدين من شمال القوقاز، بل بالتخلي عن منطقة تعيق مسار موسكو. سيؤدي تفجير المطار إلى زيادة احتمال نشوء صراع إثني داخلي.ربما تتعلق أكبر نقطة ضعف في روسيا خلال عهد بوتين بوجود مجتمع مدني حيوي يمثّل مصالح المواطنين، لكن الحكومة لا تستجيب لمطالبه. خلال معظم أوقات السنوات العشر الماضية، لطالما تجنّبت الحكومة الروسية المحاسبة من خلال تهميش المعارضة والسيطرة على قنوات البث التلفزيوني الوطني وقمع الجماعات المدنية المستقلة. لقد مُحيت معظم الاعتداءات الإرهابية الماضية من ذاكرة الناس الذين تناسوا أيضاً طرح الأسئلة المحرجة المتعلقة بالعوامل التي سمحت بحصول تلك الاعتداءات أصلاً.غداة الاعتداء على مطار دوموديدوفو، دعا مدفيديف المجتمع المدني لتقديم المساعدة في المعركة ضد الإرهاب، لكن لم يتّضح أي جهات قصد بكلامه.