العقول الميكانيكيّة وقوّة الكائن البشريّ

نشر في 28-05-2011 | 00:00
آخر تحديث 28-05-2011 | 00:00
ما معنى التفكير؟ سؤال أزعج الفلاسفة طوال آلاف السنين وعلماء الكمبيوتر طوال عقود. عام 1950، ابتكر آلان تورينغ، الذي كان أول من أنشأ مفهوم الذكاء الاصطناعي، اختباراً لتحديد إلى أي درجة قد تقلِّد الآلة الجنس البشري، في محاولةٍ لمعرفة ما إذا كانت أجهزة الكمبيوتر تفكّر فعلاً.

بحسب رأي تورينغ، في حال استطاع الكمبيوتر خداع أي شخص وجعله يظنّ بأنه يتواصل مع شخص آخر، فسيستحيل على ذلك الشخص أن يحدّد ما إذا كان ذلك الكمبيوتر يفكّر أم لا. منذ ذلك الحين، طُلب من لجنة تحكيم بشرية التمييز بين مراسلَين، إنسان وآلة، في منافسة تُقام سنوياً منذ عقدين من الزمن. قبل سنتين، تولى براين كريستيان مهمة إقناع هؤلاء الحكّام بأنه لا يشبه جهاز الكمبيوتر. وهو يصف هذه التجربة بالممتعة والمفيدة.

يحبّ البشر أن يفكّروا بأنهم يملكون قدرات فريدة من نوعها مثل القدرة على استخدام الأدوات، واستعمال لغة معينة مع اتباع قواعدها النحوية، ومعالجة معادلات رياضية معقدة. كان أرسطو مقتنعاً بأن البشر وحدهم يستطيعون التفكير بمنطق. غير أن تطوّر أجهزة الكمبيوتر المعقّدة التي تتمتع بقوة وقدرات غير مسبوقة، أدى إلى تبديد تلك الادعاءات: بفضل اختراع «البوابات المنطقية» مثلاً، تمكّنت الآلات من إجراء عمليات الطرح، وحين هزم كمبيوتر «ديب بلو» (Deep Blue) الخاص بلعبة الشطرنج، من إنتاج شركة «آي. بي. أم» (IBM) لتطوير البرمجيات، بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف، في العام 1997، بدا وكأن الآلات بدأت تتفوّق على البشر.

لكن، يشعر كريستيان بالتفاؤل بشأن البشرية. وهو يشير إلى أن أجهزة الكومبيوتر تبيِّن عن كفاءتها في مجالات معينة، بينما تظهر نقاط ضعفها في مجالات أخرى. قد يقود الكمبيوتر اتجاه الصواريخ، بحسب قوله، ولكنه يعجز عن ركوب الدراجة الهوائية مثلاً. وقد يحلّ الرجل الآلي مكان الإنسان في المزارع والمصانع ومراكز الاتصالات والمختبرات، لكن ينحصر نطاق عمل الآلات في المجالات التي ترتكز على الأتمتة. كذلك، يصف كريستيان ظهور مفهوم الذكاء الاصطناعي بعبارة «العلاج باليرقات»: فهو يُستخدَم حصراً في تلك الأجزاء «من سوق العمل» التي لم تعد خاصة بالبشر، ما يساعد البشر في الحفاظ على صحتهم».

كذلك، تفيد لعبة الشطرنج في كمبيوتر Deep Blue في تحديد مواقع الابتكار في لعبة الشطرنج. قد يفوز الكمبيوتر بطريقة عشوائية وغير منطقية من خلال اتخاذ خطوات افتتاحية تقود إلى لعبة سبق ولعبها الجهاز وفاز بها. لذا تصبح اللعبة مثيرة للاهتمام عند البدء بمعطيات جديدة، ما يُجبر الكمبيوتر على مراجعة حساباته رداً على أي تحرّك غير مألوف لقطع الشطرنج بدل اتباع مسار معروف ومستهلك.

استعدّ كريستيان لدوره في اختبار تورينغ الذي أُقيم في العام 2009، حيث تنافس المتسابقون على جائزة لوبنر لاختيار أفضل كمبيوتر بشري وأفضل إنسان بشري، من خلال تحليل الطريقة التي قد تعتمدها أجهزة الكمبيوتر لخداع الناس كي يفكروا بأنهم بشر، وتفسير ما يُقنع الناس بأنهم يتحدّثون مع آلة. يروي كريستيان حكاية أخبرها روبرت إيبستاين الذي شارك في اختراع الجائزة مع هيوغ لوبنر. خُدع إيبستاين وفكّر بأنه كان يتبادل رسائل طويلة، عبر شبكة الإنترنت، مع امرأة خلال فترة أربعة أشهر، بينما كان في الواقع يتحدث مع برنامج المحادثات المتعدد (Chatbot). يحدّد كريستيان ما يميّز الكمبيوتر عن أي شخص حقيقي، معتبراً أن الآلة التي تحلّل أعداداً هائلة من المحادثات السابقة لتحديد رد مناسب تصبح غير فاعلة أحياناً لأن هويّتها تتشعّب من أفراد عدة. يفتقر الـChatbot إلى الحوافز الحقيقية، فهو لا يملك سبباً معيّناً لقول ما يقوله ويتكلّم من دون الإصغاء فعلياً إلى الطرف الآخر. يعطي الناس إجابات مناسبة، بشكل صحيح قدر الإمكان، بينما تقدّم أجهزة الكمبيوتر إجابات صحيحة بوتيرة سريعة قدر الإمكان. كذلك، يُعتبر برنامج الـChatbot «عنيداً» بشكل عجيب: إنه أفضل ما تجيد هذه الآلات فعله، وهي لا تملّ من ذلك مطلقاً.

لم يسبق أن خدع أي جهاز كمبيوتر جميع أعضاء لجنة التحكيم في جائزة لوبنر ليفكروا بأنه جهاز بشري وأن الشخص الذي يُقارَن به كان جهاز كمبيوتر. لكن اشتدت المنافسة في بعض الأحيان: ففي العام 2008، خدع

الـChatbot ثلاثة من 12 حكماً ممّن استجوبوه. وأدت مسابقة العام 2009 التي شارك فيها كريستيان إلى انتصار صريح لفريق البشر، وتحديداً لكريستيان الذي فاز بجائزة «أكثر إنسان بشري». لكن حتى لو انتصرت أجهزة الكمبيوتر، كانت الجائزة لتذهب إلى البشر الذين اخترعوها، لا إلى الآلات نفسها!

back to top