أيهما يقود الآخر... المثقف أم رجل الشارع؟
في ظل الأحداث المتسارعة كثيرا ما يُطرح السؤال بشأن علاقة المثقف بالسلطة، وكذا علاقته برجل الشارع، والسؤال الأخير لا يخلو من "مكر" وإعطاء دور للمثقف أكبر من حجمه، وتزداد المصيبة حين يصبح المثقف وصيّا على المعرفة.بأي معنى يمكننا الحديث عن المثقف؟ أو من هو المثقف أصلاً؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل كفيلة إلى حد ما بتوضيح مساءل عديدة ملتبسة بحق المثقف والثقافة على السواء. فما يردده المثقفون أنفسهم بأن الثقافة بدأت تنحصر وتتقهقر، وأصبح المثقف يقف متفرجا على ما حوله, لا يفهم ما يحدث ولا حتى يفهمه الناس، وأن لغة الاتصال والتواصل بين المثقف ورجل الشارع العادي انقطعت بالفعل دون رجعة, مما يترتب عليه من ناحية أخرى أن رجل الشارع هو الذي يقود المثقف, مع تحفظنا إزاء استخدام كلمة القيادة, التي تختزل بذكاء لا يخلو من مكر العملية الثقافية برمتها في مسألة الانقياد وكأن المنطقي هو أن العامة يجب أن تتبع المثقف وليس العكس!
باعتقادي أن هناك خللا في طرح المفاهيم وخللا في النظرة للعلاقة بين المثقف ورجل الشارع البسيط, واستجلاء هذا الطرح المقلوب يكفل لنا الكشف عن "مخطط" الوصاية على أفكار وعقول الناس والتي نسميها بحق "الوصاية الفكرية", فالمصيبة الأعظم هي عندما يصبح المثقف "وصيّا على المعرفة" أو وصيّا على ما يجب على الناس أن يفكروا فيه, وعلى ما يجب أن يشكل ثقافتهم, وهذه المصيبة تخفي – كما أظن – تكتيكا وبعدا سياسيا- سلطويا يمارسه المثقف نفسه بحق الثقافة والناس أيضا, كما تخفي – وهذا هو الأهم- نوعا من الكبرياء والغرور والإحساس بالعظمة الذي إن تفحصته جيدا فسيظهر لك في أعماقه هاجس الإحساس بالجهل من جهة المثقف نفسه, فأزمة المثقف هي بالدرجة الأولى أزمة أخلاقية تقوم على معادلة بسيطة جدا وهي: أن المثقف الذي يلح دائما بالقول إنه مثقف وسيد الثقافة, هذا المثقف يعيش مشكلة في الثقافة نفسها قائمة على جهله بها، لذلك يتمظهر بالغرور والعظمة وهذا السلوك يخفي اتهاما مبطنا للناس بالجهل والتخلف, وأن الذي لا يسمع – بالتالي- صوت هذا المثقف المبشر يعتبر رجعيا ويعيش في غياهب الجهل.ابن رشد من يعود الى قراءة حياة وأعمال ابن رشد وهو مثقف بامتياز لا يملك إلا أن ينحني احتراما وإجلالا لهذا الفقيه والفيلسوف، الذي اجتمعت في شخصيته سماحة المتدين وتواضع العالم وحكمة الفيلسوف. لقد تعلم ابن رشد الدرس السقراطي جيدا, حيث يردد سقراط دائما ويعترف أنه لا يعرف إلا شيئا واحدا فقط وهو أنه لا يعرف شيئا, ولهذا حق عليه قول تلميذه أفلاطون "بأن أحكم البشر هو من اعترف كسقراط بأن حكمته لا تساوي شيئا بالقياس إلى الحقيقة". المثقف ليس ذلك الرجل الذي لديه فكرة في كل فرع معرفي، كما يفهم ذلك المثقفون أنفسهم, بل إن المثقف – كما أعتقد – هو ذلك الواقف على عتبات العلم يقرأ بلا كلل وبكل تجرد, وهو الذي يتحرر من فرضية أنه يمتلك سلفا الحقيقة ويفهم ما لا يفهمه الناس ويرى ما لم يروه. المثقف بهذا المعنى, هو رجل حكيم ومتواضع متحرر من نرجسيته التي تدفعه - بطريقة لا واعية – الى القول "أنا أعرف والناس لا يعرفون". فالمثقف يقول بالأحرى "أنا لا أعرف لأني مازلت أتعلم وأتثقف في مجالات العلوم".نرجسيةإن أزمة المثقف هي, في جانب منها, أزمة نرجسية ووصاية, والناس محقون عندما يتركون هذا المثقف يعيش في أوهام نرجسيته ويهجرونه ولا يستمعون لصوته, ويقاطعون بالتالي الثقافة التي تكرس مثل هذا النوع من الوصاية والنرجسية والتي تخلق أيضا النخبوية الاجتماعية باسم الثقافة نفسها, لذلك فعلى المثقف الحقيقي أن يخرج من نرجسيته ويصبح "إنسانا واقعيا" يتكلم بلغة الناس أي اللغة التي يفهمها رجل الشارع العادي, وهي مهمة ليست صعبة ولا مستحيلة.