العالم العربي... استيقظ من نومه

نشر في 29-07-2009 | 00:00
آخر تحديث 29-07-2009 | 00:00
No Image Caption
الأنظمة تكون غير حكيمة إذا راهنت على أن تدوم سلبية شعوبها إلى ما لا نهاية. فكما يشير تقريرنا الصادر في هذا العدد، وراء كل ركود سياسي في العالم العربي بدأت تظهر بوادر انتفاضة اجتماعية كبرى سيكون لها تداعيات واسعة.

ماذا يعانيه العرب؟ أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذا الأسبوع تقريراً خامساً ضمن سلسلة من التقارير المثيرة للاهتمام عن وضع العالم العربي. تُشعر هذه التقارير قارئها بالإحباط؛ فالعرب شعب يتميز بنشاطه وإبداعه، يشمل تاريخه الطويل والعريق مساهمات بارزة في عالم الفن والثقافة والعلوم وطبعاً الدين؛ لكن أداء الدول العربية العصرية لا يُعتبر مؤثراً نظراً إلى سجلها الحافل بالفشل.

في البداية، أخفقت هذه الدول في منح الحرية لشعبها؛ تفرض ستة بلدان عربية حظراً صريحاً على الأحزاب السياسية، في حين أن الدول المتبقية تضبطها بإحكام، كذلك أخفق حكام هذه الدول في جعل شعوبهم تعيش في بحبوحة؛ فعلى الرغم من النفط، تشير الأمم المتحدة إلى أن اثنين من كل خمسة أشخاص في العالم العربي يعيشان بدولارين أو أقل في اليوم. وأخفقوا أيضاً في صون أمن شعبهم: يذكر التقرير أن قوى الأمن الداخلي النافذة غالباً ما تحوّل الحكومة العربية إلى خطر يهدد الشعب. وهم على وشك أن يخفقوا في دعم الشبان العرب. يوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن على العالم العربي إيجاد 50 مليون فرصة عمل جديدة بحلول عام 2020 كي يستوعب القوى العاملة المتنامية، وهذا أمر مستحيل نظراً إلى المنحى الراهن.

اعتادت الحكومات العربية تجاهل الانتقادات. وقد اضطرت إلى تحمل الكثير منها عندما كان جورج بوش الرئيس وعندما ألقى المحافظون الجدد في الولايات المتحدة مسؤولية ظهور تنظيم «القاعدة» على غياب الديمقراطية العربية. غير أن الزعماء العرب، بحكم العادة، صاروا خبراء في تعليل إخفاقاتهم وتبديدها. فهم غالباً ما يشيرون إلى حضارتهم ويقولون إنها لا تتلاءم مع أشكال الديمقراطية الغربية. أو يرجعون إلى التاريخ، متحججين بأنه في الأزمنة العصرية، كانوا سيبلون بلاء حسناً لو أنهم لم يُضطروا إلى التعامل مع تدخلات الإمبرياليين والصهيونيين ومقاتلي الحرب الباردة.

لا يمكن إنكار بعض هذه الحجج؛ فقد يُعقّد الإسلام أحياناً اتباع السبل الديمقراطية. ولا شك في أن النفط، وإسرائيل، والصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي عنت أن العالم العربي لم يُترك ليتقدّم بمفرده بعد انتهاء حقبة الاستعمار. علاوة على ذلك، صُعق العرب أخيراً عندما رأوا تطورات غزو العراق. وها هم اليوم عالقون في الوسط بينما تتصارع إيران والولايات المتحدة على السيطرة الإقليمية.

من الغريب يا صاحب السمو أنهم يودون الاقتراع!

ولكن مع مرور الوقت باتت هذه الحجج واهية. فلم يحُل الإسلام دون تأصل الديمقراطية في بلدان آسيا المسلمة. حتى بعد الانتخابات الأخيرة التي جرى التلاعب بها في إيران، أظهرت هذه الدولة، التي يُفترض أنها ثيوقراطية، حيوية ديمقراطية أكبر مما نراه في معظم البلدان العربية. أما بالنسبة إلى التدخل، فقد عُقد بعض عمليات الانتخاب الأكثر نزاهة في السنوات الأخيرة في الأراضي فلسطينية في ظل الاحتلال الإسرائيلي وفي العراق بعد الغزو الأميركي. إذن، حين يُعطى العرب فرصة المشاركة في انتخابات حقيقية، كما حدث في لبنان أخيراً، لا يصعب عليهم فهْم أهمية هذه الخطوة ويتدفقون للتصويت بأعداد كبيرة. لكن قادتهم هم عادة مَن يقررون عرقلة الانتخابات أو تزويرها أو تجاهلها، خوفاً من أن العرب سيصوتون لطرد الأوغاد من مناصبهم في حال صاروا أصحاب القرار.

لهذا السبب نحن واثقون بأن الأنظمة، إذا أمكنها التصرف على هواها، فلن تمنح العرب أي فرصة. ويتمسك الحكام العرب بالسلطة من خلال مزيج مخيف من القوة والترهيب والاحتواء. فمن حين إلى آخر، يسمحون لأحزاب فارغة بالتنافس في انتخابات زائفة تعيدهم في النهاية إلى السلطة. أما في الأماكن التي تتوافر فيها معارضة حقيقية، فغالباً ما تكون منقسمة بشدة بين الحركات الإسلامية من ناحية والأحزاب العلمانية التي تخشى الإسلاميين أكثر مما تكره النظام من ناحية أخرى. فضلاً عن ذلك، فإن معظم التحسينات الشكلية، التي اعتمدها القادة العرب حين فرض بوش «أجندة الحرية» على حلفائه قسراً، أُلغيت منذ ذلك الحين. ومن المؤسف القول إن قضية الديمقراطية أضحت ملطخة بالعار بسبب ارتباطها برئيس يحتقره معظم العرب لأنه غزا العراق.

وهم الاستمرار

هل تستطيع أنظمة تفشل في خدمة مصالح شعوبها بشكل جلي إلى هذا الحد السيطرة على نحو 350 مليون نسمة إلى ما لا نهاية؟ يتولى حسني مبارك منصب رئيس الجمهورية في مصر منذ 28 سنة. ويحكم معمر القذافي ليبيا منذ عام 1969. وعندما توفي حافظ الأسد بعد ثلاثة عقود في سدة الرئاسة في سورية، انتقلت السلطة بهدوء إلى ابنه بشار. بعد معضلة العراق وفشل جهود بوش في الترويج للديمقراطية، استبدل باراك أوباما «الحرية» بـ«الاحترام» كمحور للخطاب الأميركي الموجه إلى العالم المسلم. ولعل هذه خطوة حكيمة؛ فمنذ وصول أوباما إلى الحكم، تحسنت مكانة الولايات المتحدة في نظر العرب، فضلاً عن أن حماسة بوش لإصلاح دول أخرى عادت بنتائج سلبية في مطلق الأحوال. لكن ذلك يعني أن على العرب السعي هم بأنفسهم وراء الديمقراطية إذا أرادوا الفوز بها.

إلا أن البعض في الغرب يخافون الانتخابات العربية، لأنهم يخشون أن يستغل الإسلاميون هذه الفرصة للوصول إلى السلطة على أساس مبدأ «رجل واحد، وصوت واحد، ولمرة واحدة». ولكن يبدو أن الإسلاميين يصارعون لرفع معدل دعمهم ليتخطى العشرين في المئة من الناخبين. كذلك تُظهر الدول الإسلامية غير العربية، مثل تركيا وإندونيسيا، أن الديمقراطية هي الطريقة الفضلى للتخلص من سمّ التطرف، لأن القمع يزيد من خطورته.

لا تقتصر الديمقراطية على الانتخابات، بل تشمل أيضاً التعليم والتسامح وبناء المؤسسات المستقلة، مثل الجهاز القضائي والصحافة الحرة. ومن هنا ينشأ السؤال الصعب: كم يتوق المواطن العربي العادي إلى مثل هذه الأمور؟ رأينا القليل من التظاهرات المشابهة لاحتجاجات طهران في شوارع القاهرة. إلا أن معظم العرب مازالوا غير مستعدين لدفع ثمن التغيير. أو ربما يفضلون، بعد رؤيتهم ما جرى في العراق، الركود على الفوضى التي قد يحملها التغيير معه. لكن الأنظمة تكون غير حكيمة إذا راهنت على أن تدوم هذه السلبية إلى ما لا نهاية. فكما يشير تقريرنا الصادر في هذا العدد، وراء كل ركود سياسي في العالم العربي بدأت تظهر بوادر انتفاضة اجتماعية كبرى سيكون لها تداعيات واسعة.

في كل الدول العربية تقريباً، تتراجع نسب الإنجاب ويزداد عدد المتعلمين، خصوصاً النساء. كذلك يريد رجال الأعمال أن يتمتعوا بتأثير أكبر في الاقتصاد الذي تهيمن عليه الدولة. بالإضافة إلى ذلك، كسرت ثورة محطات الأقمار الاصطناعية سحر وسائل الإعلام الحكومية وأوجدت شعباً بدأ يطالب حكامه بتوضيح تصرفاتهم وتعليلها بطريقة لم يسبق لها مثيل. صحيح أن أياً من هذه التغييرات، إذا تأملناها على حدة، لن يبدو مُهماً بما فيه الكفاية ليشعل ثورة. ولكن إذا تفحصناها معاً، نلاحظ أنها تولّد اضطراباً كبيراً في الباطن. فقد فشل نمط الحكومات القديم (الفساد وعدم الشفافية والاستبداد) على كل الصعد ولا يستحق أن يبقى على قيد الحياة. ولا شك في أنه سينهار في مرحلة ما، لكن ما نجهله حقاً هو متى سيحدث ذلك؟

back to top