العودة المستحيلة

نشر في 20-01-2010
آخر تحديث 20-01-2010 | 00:01
 زاهر الغافري ما الذي يفكر فيه المنفي وهو عائد إلى وطنه؟ أعني ما الذي يجول في تفكيره بالتحديد، بعد نفي وغياب يمتد لأكثر من ثلاثين عاماً؟ ما الذي يتوقعه المرء هناك في تلك الزاوية الأخرى من العالم، ذلك المكان الذي يشكل جزءاً من طفولة وصبا وشباب المنفي؟... أسئلة أجوبتها تكاد تكون مستحيلة. أهي عودة الغائب، أم عودة إلى الطفولة والصبا، ثم ما الذي يبقى من العودة، أليس ارتباكة العودة ذاتها، وما تحمله من لهب وارتعاشة، وما تحمله من غبار المنافي والشقاء الداخلي. تلك الجذوة الصغيرة التي ظلت طوال سنوات تعذب روح المنفي.

إن مشهد اللقاء بأرض كانت ذات يوم لؤلؤة مستحيلة، وحلماً بعيد المنال قد يصبح واقعاً، لكنه واقع ممزوج بالمرارة والقسوة والألم. كان إدوارد سعيد من المثقفين القلائل الذين لامسوا جرح المنفى، وقدم في كتابه «تأملات في المنفى» نظرات ثاقبة، وأسئلة غاية في الدقة، معتبراً أن المنفى يشكل في «جوهره حالة متقطعة عن حالات الكينونة»، وهو «الشرخ المفروض الذي لا التئام له بين كائن بشري ومكانه الأصلي، بين الذات وموطنها الحقيقي». على أن إدوارد سعيد كان يؤكد على الدوام ضرورة الاستفادة القصوى من ذلك اللمعان الذي يشحن المنفي بطاقة خلاقة للإبداع والابتكار. أي إيجاد وخلق تلك المعاني والتصورات الإيجابية، لإضاءة الروح بقيم إنسانية منفتحة.

لقد شهد العالم تجارب مريرة وقاسية في ما يتعلق بالمنفى، بما في ذلك التجربة الألمانية، سنوات الرايخ الثالث، وقد توزّع الكتّاب والمثقفون الألمان في المنافي الأوروبية والأميركية، والتجربة الإسبانية في سنوات فرانكو، والتجربة التشيلية بعد الانقلاب الدموي على سلفادور اللندي في عام 1973، دون أن ننسى بالطبع فلسطين، ذات الطابع الخاص باعتبارها أرضاً محتلة أصلاً.

لقد التقيت في نيويورك المخرج السينمائي التشيلي، البارز، راؤول رويز، وقد تحدثت معه عن تجربة المنفى التشيلية، وكنت على علم بكتاب ومثقفين وسينمائيين، عاشوا في المنافي في أقصى بلدان العالم، لكن رويز المقيم حين ذاك في فرنسا ولا يزال على ما أعتقد، حدثني بشغف عن تجارب هؤلاء الكتّاب والفنانين، وصديقه السينمائي ميجيل ليتين، الذي كتب عنه غارسيا ماركيز كتاباً كاملاً عن عودته السرية- هو المحكوم عليه بالإعدام- المنظمة تنظيماً دقيقاً إلى تشيلي والى قصر الدكتاتور تحديداً متنكراً بهيئة عامل كهرباء، وخرج من ذلك القصر العجيب دون أن يكتشفه أحد، بفيلم يحكي عن مغامرته الجريئة هذه. وقد ظهرت في تلك الفترة تجربة أدب المنفى التشيلية، وكانت الأدبيات واضحة في هذا المجال. كان رويز نفسه قد حقق مجموعة من الأفلام التي تتحدث عن فكرة المنفى هذه بشاعرية نادرة في السينما، خصوصاً في فيلمه «ثلاثة قروش من أجل بحار».

لقد أثيرت في السنوات الأخيرة تجربة «أدب المنفى» في الأدبيات العراقية والعربية، وأزعم بأنني كنتُ واحداً ممن تلمسوا هذه التجربة مبكراً، وقد ناقشتها مع عدد من أصدقائي الكتّاب والمثقفين العراقيين، ورغم انني لا أتحدث هنا عن حكم قيمة ذي طابع معياري، فإنني أميل الى اعتبار التجارب الواسعة في الكتابة الشعرية والقصصية والروائية، والمسرح والتشكيل، وحتى الأبحاث- هذا الإنتاج الكبير- تشكل مفصلاً وزخماً حقيقياً في التجربة العراقية بشكل خاص والعربية على نحو أعم. ولأنني كنت قد أشرت الى المنافي عند شعوب أخرى، فلأن التجربة العراقية على الصعيد العربي، والعالمي واحدة من أقسى التجارب التي خبرتها عن قرب، ورغم ما يظهر أحياناً من لبسٍ على الصعيد الثقافي والسياسي فإن بعضا وأقول بعض الكتّاب والمثقفين العراقيين، أرادوا الإمساك بالمجد من طرفيه، أعني مجد السلطة، ومجد المنفى، وهذا أمر بات مفضوحاً، وينبغي ألا يشكل أهمية حقيقية في المسار العام لتجربة المنفى.

ويخطئ البعض عندما يتخيل أو يتصور أن حياة المنافي- الاوروبية تحديداً- فيها رفاهية العيش والسكينة والغبطة. العكس تماماً صحيح، ان شقاء الروح والقسوة والذل، تمثل قطعاً حقيقياً مع جذور النفس البشرية.

يقول اودونيس في مقطع له عن (حالة المنفي):

فرّ من قومه،

عندما قالت الظلمات: أنا أرضه وأنا سرها

كيف، ماذا يسمي بلاداً

لم تعد تنتمي اليه، وليس له غيرها؟

back to top