الديمقراطيّة التوافقيّة تضمن للأقليّات حقوقها د. إبراهيم الهدبان: التحوّل الفجائي إلى الديمقراطيّة يؤدي إلى إراقة الدماء
يؤكد الباحث د. إبراهيم الهدبان أن مراعاة حقوق الأقليّات في الدول الإسلاميّة يجنّبها مخاطر الفرقة والحروب، داعياً إلى منحها تمثيلاً في الحكومات والمجالس التشريعيّة، في ظل ما يسمى بـ «الديمقراطية التوافقية». كذلك أوضح الهدبان، أن الديمقراطية المفروضة من الخارج، وتحوّلات أنظمة الحكم الفجائية يؤديان إلى فوضى عارمة وإراقة الدماء، مشيراً في هذا الصدد إلى العراق، والصومال والجزائر.
وأكّد الهدبان أن العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الكويت تمرّ بحالة تشنج لأسباب كثيرة أبرزها، عدم أخذ السلطة التنفيذية مطالب السلطة التشريعية بعين الاعتبار، وتداخل الاعتبارات الشخصية و{الخدماتية» ضمن أجندة المساءلة. الهدبان تحدث أيضاً عن التعليم الديني في الدول الإسلاميّة والرخاء الاقتصادي وأثره على الديمقراطيّة في الحوار التالي.تعاني الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي عدم وضوح الرؤية في ما يتعلّق بتطبيق الديمقراطية، أين مكمن الخلل برأيك؟تكمن المشكلة في التحوّل من أنظمة شمولية إلى ديمقراطيّة، فعندما يكون التحوّل سريعاً وفجائياً، ومفروضاً من الخارج، يفشل بالتأكيد، كما حصل مثلاً في أندونيسيا، التي حكمها سوهارتو منذ عام 1966 إلى 1997 بشكل دكتاتوري.في ظل هذه الدكتاتورية كانت أندونيسيا مستقرة، لكن الوضع تدهور في اللحظة التي فُرضت فيها الديمقراطية من الخارج، من بريطانيا وأستراليا وأميركا، وأوقف البنك الدولي مساعداته كي يتخلّص من سوهارتو. فعلاً تم التخلص منه، فقامت ثورات في جزر الملوك، ومشاكل في تيمور الشرقية، وغاب الاستقرار. لننظر إلى العراق الآن. حين فرضت الديمقراطية من الخارج بهذا الشكل السريع، من دون مراعاة خصوصية الدولة، ثقافتها وتقاليدها، أصبح البلد غير مستقر، منذ عام 2003 إلى اليوم. الحال نفسها في أفغانستان: جاءت أميركا، واحتلت البلاد، وزعمت أنها ستنشر الديمقراطية، لكن في الواقع نجد أن الرجل الذي وضعته في أفغانستان، لا يستطيع أن يحكم سوى العاصمة كابل، فيما بقية البلاد تحت تصرّف طالبان. كذلك أشير إلى أن أحد مساوئ إسقاط النظام فُجائياً انتشار زراعة المخدرات بشكل واسع.في الجزائر نجد أن التحوّل إلى الديمقراطية حدث تدريجاً، لكن ثمة سبب أفشل هذه التجربة، ويتمثل في تشدّد القيادات السياسية. من جهة، بدأت قيادة الجبهة الوطنية للإنقاذ تطالب بتغيير الرئيس وقمع الجيش، حتى قبل أن تصل إلى السلطة. من جهة أخرى، إضافة إلى وجود تيارات متشددة في المؤسستين العسكرية والأمنية، ثمة أحزاب سياسية متشددة مثل حزب «التجمع لأجل الثقافة والديمقراطية» بزعيمه سعيد سعدي، البربري الذي رفض قبول نتائج الانتخابات ودعا الجيش إلى التدخل لحماية الديمقراطية. هذه التيارات المتشددة هي التي تسببت في إفشال الديمقراطية في الجزائر، ومنذ عام 1992 إلى يومنا ذهب ضحيتها أكثر من 140 ألف قتيل.عموماً، الديمقراطية سيكون مصيرها الفشل، في حال كانت القيادات السياسية غير متناسقة أو منسجمة في قضية حرصها على التمتع بالديمقراطية، أو كانت الأخيرة مفروضة من الخارج، ولا تراعي خصوصيات الشعب أو ظروفه الاجتماعية.كيف يمكن تعريف الديمقراطية من منظور إسلامي؟ وهل هي نموذج جاهز قابل للاستنساخ من الغرب وتطبيقه في كل مكان؟أكاديمياً، ثمة تعريفان للديمقراطية: الأول موضوعي، مثلاً أن نعادل بين الديمقراطية وقيمة أخلاقية أخرى، فنقول الديمقراطية هي العدالة، هي الحق، هي الحرية. هذا التعريف بحد ذاته ليس ناجحاً، لأنه يعادل بين الديمقراطية وقيمة يصعب قياسها. إذا قلنا الديمقراطية هي الحرية، سرعان ما يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: الحرية بمفهوم من؟ بمفهوم الشاذين جنسياً في شوارع سان فرانسيسكو مثلاً، الذين يؤيدون زواج الرجل من الرجل بعقد رسمي؟ وعندما نقول الديمقراطية هي العدالة، يتكرر السؤال ذاته، ونقول العدالة بمفهوم من؟ بمفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية أم بمفهوم الكلمة الغربي؟ من هنا يتضح أنه يصعب علينا أن نتفق على أداة للقياس إذا أردنا تعريف الديمقراطية بموضوعية.التعريف الثاني إجرائي: وجود مجموعة إجراءات في مجتمع ما يسهّل تسميته مجتمعاً ديمقراطياً، وإن غابت كان غير ديمقراطي. الإجراءات يمكن تلخيصها في الحريات، حرية التعبير عن الرأي، التفكير، الاعتقاد، التجمعات، الانتقال، وحرية العمل. كذلك لا بد من توافر انتخابات دورية، سرية، شاملة قدر الإمكان، نزيهة، وعامة للجميع. وهذه الشروط تتوافر في الدول الغربية المتطورة. أذكر عندما كنا في ولاية أوهايو الأميركية كنا نختار قيادات المسجد الذي نتبع له بالتصويت. حتى في اختيار قياداتنا الإسلامية داخل المجتمع سواء كانت مسلمة أو غربية نختارها بطريقة ديمقراطية، بحسب القدرة والكفاءة.لكن ألا تعتقد بأن الديمقراطية تحمل بعض السلبيات لناحية تجاهل الأقليّات، لأن الغلبة ستكون للأكثرية في التصويت؟أوافقك الرأي. في بعض المجتمعات تتعرّض الأقليات للظلم إذا طبقنا حكم الأكثرية، ففي هذه الحال ثمة أشخاص لن يشاركوا في صنع القرار السياسي، رغم أنهم مواطنون، لذا يشعرون بالتهميش، ما قد يدفعهم لحمل السلاح، أو للتآمر على النظام. للخروج من هذا المأزق ابتدعت طريقة تسمى «الديمقراطية التوافقية» أو التعايشية، التي تتحقق عبر منهجين: إقرار «كوتا» معينة تضمن للأقليات تمثيلاً في البرلمان، أو في عملية صنع القرار أو حتى في السلطة التنفيذية، فتؤخذ من الطائفة (أ) أو الطائفة (ج)، أو من القبيلة (ب) مثلاً نخبة تمثل البقية في صنع القرار... ويكمن الحل الآخر بعقد اجتماع مع نخب تنتمي إلى العرقيات القليلة والقبائل، والتعرّف إلى مطالبها، ومحاولة تلبيتها.مثلاً، في العالم العربي لا بد من إعطاء النخبة التي تمثل البربر في الجزائر والمغرب مناصب وتلبية مطالبها من حيث الازدواجية اللغوية، بذلك نضمن ولاءها للدولة ونظام الحكم فيها. الديمقراطية التعايشية إذاً، تضمن تعايش هذه الفئات في المجتمعات، وتُغلق المجال أمام طائفة مهمشة لتتآمر لقلب نظام الحكم. ما رأيك بمفهوم الشورى، وهل يمكن أن يكون بديلاً للنظام الديمقراطي في الدول الإسلامية؟ما يُطرح بشأن الشورى حول ما إذا كانت مُلزمة للحاكم أم لا، سؤال جوهري.أن يستشير الحاكم أصحاب الحل والعقد وأصحاب الرأي أمر لا بد منه، والحاكم ملزم بذلك، لكن المشكلة أنه في نهاية المطاف قد لا يأخذ بآراء من استشارهم، ويعود إلى رأيه الخاص. هنا ندخل في قضية أخرى، وهي التساؤل بشأن ما إذا كان الحاكم هو الأصلح لمجتمعه، مع الأخذ بالاعتبار أن المجتمع المسلم لا يخرج على الحاكم ما دام يقيم أركان الإسلام، فثمة شروط لا بد أن تتوافر للخروج عليه، وفي النهاية لا تريد الشعوب اقتتالاً في الشارع كما يحدث في الصومال الآن. إذا وُجدت الكفاءة وتمت استشارة أشخاص يوصفون بأنهم أصحاب رأي وثقل داخل المجتمع، نكون قد وصلنا إلى حل يصلح للجميع.يلجأ بعض الحكام، وبتواطؤ من رجال الدين، إلى استخدام تأويلات النص الديني لفرض السمع والطاعة، ما رأيك؟حين تناقش قضية الخروج على الحاكم من عدمه، أنت مضطر إلى مناقشة قضية المنفعة والمفسدة، فإذا ترتبت على الخروج على الحاكم إراقة الدماء وانتهاك الأعراض والأموال والممتلكات، عندها أعتقد أن الإنسان عليه أن يصبر عوضاً عن أن يخرج على الحاكم، حتى لو كان الأخير ظالماً، لأن البديل نراه اليوم في العراق وأفغانستان والصومال حيث القتل والتدمير.هل نستطيع القول إن هذا الوضع أفضل من استمرار الدكتاتور، الذي قد تنفع معه المناصحة أحياناً، أو قد يمارس عليه الشعب ضغوطاً داخلية لأجل الإصلاح، حتى إن لم تتوافر الديمقراطية الكاملة؟اعتماد التعليم الديني في العالم الإسلامي في معظمه على قراءة الفقه، وعدم الاطلاع على العلوم والفلسفات والنظريات العلمية الحديثة، ألا يؤثر سلباً في مسيرة التطور.حتى الفقه في تصوري يحتاج إلى العلوم الأخرى، فمن يتصدّى لقضايا الفقه والفتوى عليه أن يكون مطلعاً على الأمور المستحدثة كافة في العالم، وعلى بعض العلوم النظرية الأخرى كالفلسفة والمنطق... فعندما يُسأل عن شيء يتعلق بفلسفة معينة يكون على إدراك بها.عموماً، لا يجب أن يكون الرأي الفقهي مجرداً من كل شيء، والمطلوب أن نتناول الفقه في ضوء ما يحدث من مستجدات في عصرنا الراهن. ينعم بعض الشعوب برخاء اقتصادي، في ظل أنظمة بعيدة عن الديمقراطية تماماً، كما هي الحال في بعض دول الخليج. ما رأيك؟ما الذي يدفع الناس إلى التحرك والانقلاب؟ السبب الرئيس يتمثّل في انسداد قنوات الحوار بين الحاكم والمحكوم. يلجأ الشعب إلى الثورة عندما يشعر أنه مهمش، ولا يشارك في صنع القرار السياسي. في عمان مثلاً يجول السلطان قابوس على القبائل سنوياً، وفي المملكة العربية السعودية ثمة مجلس يجتمع فيه الناس ويلتقون بالملك للتحدّث عن همومهم... ذلك كله يفتح قنوات للحوار. إذاً، الحوار المفتوح المباشر بحد ذاته يحارب الضغط والتوتر، ويبث الراحة في نفوس الناس، حتى إن لبّى الحاكم 10 % من مطالبهم فقط. تخيّل لو أنك تعيش في ظل نظام لا يسمح لك بأي شكل من أشكال التعبير عن الرأي، وغير مسموح لك إيصال صوتك إلى الوزير، أو إلى الحاكم ورئيس الوزراء، ألا يؤدي بك هذا الوضع إلى «الانفجار»؟ الأنظمة الحاكمة في غنى عن هذا الوضع، خصوصاً إنه إذا ظهر أفراد يحملون السلاح، سيستعينون بدول خارجية، وهذا ليس في مصلحة الاستقرار، لا سيما أن بعض الدول الكبرى بدأ يتدخّل في شؤون دول العالم الثالث، ويبحث عن أي معارض كي يتبنى قضيته، ويقلل من سيادة الدول. لم لا يتصالح الحاكم مع شعبه، حتى لو بعيداً عن شكل الديمقراطية الغربية؟ للتواصل بين الحاكم والمحكوم ليس بالضرورة أن تتحقق الديمقراطية عبر انتخابات على الطريقة الغربية.كيف تنظر إلى واقع البرلمان الكويتي، وحالة الديمقراطية فيه؟في الكويت يُفترض أن السلطة التشريعيّة تحظى بدورين، التشريع ومراقبة أداء السلطة التنفيذية. لكن ثمة نوع من التشنج في العلاقة بين السلطتين، والسبب أن السلطة التنفيذية لا تستجيب أحياناً لمطالب التشريعية في أسئلتها أو استيضاحاتها، ما يدفع النواب إلى نوع من التصعيد والتهديد بأداة الاستجواب، التي قد تؤدي في ما بعد إلى قضية طرح الثقة.المشكلة أن أداة الاستجواب خرجت عن الغرض الذي وُضعت لأجله، كأن نجد نائباً يذهب إلى الوزير في وزارته، ويطلب منه خدمة معينة قد لا تتفق مع العدالة أو الحكمة، وعندما يرفض الوزير تلبية المطلب يتوعده النائب بالاستجواب، ومباشرة يعلن على صفحات الجرائد «المنصة لفلان». أعتقد أن ما يحصل في الكويت مسؤولية مشتركة، بسبب انقطاع الحوار بين السلطتين، أو الوصول إلى ما يسمى حوار الطرشان، إضافة إلى انتشار لغة التهديد والوعيد، ما أدى بالتالي إلى أزمات سياسية عدة، أبرزها قضية حل الوزارة والبرلمان مراراً.أعتقد أن ذلك يؤدي إلى تراجع الكويت في ما يتعلق بموضوع الديمقراطية، ويجعل الشعب برمته يفقد ثقته في العمليّة الديمقراطية، لا سيما أننا وصلنا إلى مرحلة بات فيها من كان يدعو إلى الديمقراطية والمشاركة السياسية يقول إنه لا يريد الديمقراطية، بل التنمية، ففي ظل صراع السلطتين التشريعية والتنفيذية ماتت المشاريع، واختفت القرارات، وراح الوزراء يعدلون عن قراراتهم سريعاً، حتى عن النظر في مشاريع وضعوها بأنفسهم، أو وضعها من سبقهم في الوزارة، وبالتالي ذهبت القرارات الفعلية في الكويت أدراج الرياح. هل للأمر علاقة بتوعية الناخبين، أي أنهم لا بد من أن يبتعدوا عن انتخاب نواب يتسببون في أزمات؟بالتأكيد، لكن الشعب استفاد كثيراً من التجارب السابقة، لذا أعتقد أن المجلس الحالي سيكون أكثر استقراراً مما سبقه. من جهة، فهم المرشحون أن صاحب السمو أمير البلاد ليست لديه أية مشكلة في قضية حل المجلس إذا خرج عن مساره الطبيعي، وفي الوقت ذاته بدأ الشعب يفهم أنه عند اختيار «المؤزمين»، فإن الأمر برمته ربما ينتهي إلى حلّ المجلس، وتعطيل الحياة النيابية في البلد.لذلك حدث تغيير ملحوظ في المناطق الداخلية، خصوصاً الدوائر الأولى والثانية والثالثة، فيما تدخّل بعض العوامل في المنطقتين الرابعة والخامسة، مثل موضوع الفرعيات أو الدواوين التي بنيت على أراضٍ ملك للدولة.هذه الأمور وغيرها ولّدت رد فعل لدى الناخبين، وأصبحوا إلى حد ما معارضين للسلطة التنفيذية، بالتالي باتت طريقتهم في الاختيار ترتكز على اختيار أشخاص يساهمون في شطب السلطة التنفيذية وتحجيمها، وأولئك يتحدثون بقوة، أو نقول «برجولة» ويهددون باستمرار. عموماً، حدث تغيير في المجلس الحالي، بعض «المؤزمين» من النواب عاد، لكن أعتقد أنه فهم الدرس، وطريقته في التعامل ستكون مختلفة عن المجلس السابق. كيف تنظر إلى دور النُخب العربية في نشر ثقافة الديمقراطية؟لعلك تقصد هنا النُخب العلمانية، لأنها تكتسح الشارح في مقابل الخطاب الديني بدول كثيرة، من بينها دول الخليج.الخطاب الديني يتطلّب الثقة في القيادة، أو بالحزب الذي يقود الشارع، ويتوقف دور الجماهير عند منح الثقة للقيادات. قد يصبّ موضوع الطائفية في الاتجاه ذاته، فإذا كان المرء منتمياً إلى إحدى الطوائف، ويمنح الثقة للقيادات فيها، يترك لها «الخيط والمخيط» لتفعل ما تشاء، والأمر ينطبق أيضاً على زعماء القبائل.للأسف، نحن نعيش في وقت زادت فيه الطائفية والقبلية، والانقسام الديني، فقد أصبح المسلمون أكثر تشدداً، وظهر تيار متشدد من المسيحيين، حتى في دول الغرب التي يعرف عنها الانفتاح والاتجاه العلماني، وفي إسرائيل يستحوذ على صنع القرار اليهود الأكثر تشدداً. في ظل هذا الاستقطاب الديني، أتصوّر أن الديمقراطية ستعاني ضغوطاً كثيرة، وتتجه إلى الانحسار، وحتى إن وُجدت الديمقراطية ستطغى عليها الاعتبارات التقليدية كالدين والعرق والطائفة، لذلك لا أحد سيستمع إلى الخطاب العلماني، فينحسر في نخب الصالونات والتجمعات ذات الطابع الفكري، التي لا تتمتع بقاعدة كي تتغلغل داخل المجتمع.لماذا العودة إلى الالتفاف حول القيادات الدينيّة والطائفية؟يخاطب الدين العاطفة وليس العقل، والإنسان حين يعاني صعوبات اقتصادية واجتماعية... نجده يلجأ في النهاية إلى شيء خارق، وليس إلى شيئ مادي، والأشياء الخارقة تتمثل غالباً في الدين، لذا يستعين بعض العلماء والمفكرين في الغرب بمقولات تعتمد على إحداث خرق في الطبيعة. أشير هنا إلى أن الموضوع برمته يتركّز حول الإيمان، في ظل الخواء الروحي الذي نعيشه راهناً.تغيّر خطاب رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما الأخير الموجه إلى الشرق الأوسط كثيراً عمّا كان يطرحه المحافظون الجدد، هل ولى عهد تدخّل أميركا عسكرياً في دول العالم الثالث إلى غير رجعة؟خطاب أوباما مختلف عن خطاب بوش، بسبب خلفية الرئيس الجديد وخصوصيته والحزب الذي ينتمي إليه، لذلك نجده يدعو إلى النقاش والحوار، لكن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى تخلي أميركا عن مشاريعها في هذه المنطقة، لأنه حتى في عهد بوش، وقبل وصول أوباما، عندما رأت الإدارة الأميركية أن الديمقراطية ستأتي بـ{جبهة الإنقاذ الديمقراطي» في الجزائر، و»حماس» في فلسطين، وبأشخاص إسلاميين في بعض الدول الأخرى، رفعت يدها وقالت نريد نظاماً يتعاون معنا ويحقق مصالحنا، فعادت ودعمت أنظمة ليست ديمقراطية.ماذا عن سيادة الدول في هذه المنطقة؟حين يجد المواطنون أن دولتهم ضعيفة، يقل احترامهم لها، ويخرجون إلى الشارع كي يصنعوا القرار بأنفسهم. هكذا تنامت ظاهرة الإرهاب، فالمواطن الذي يجد أن كل السبل مسدودة أمامه، الحاكم لا يسمع رأيه، ولا تتاح أمامه فرصة التعبير عن آرائه الدينية يلجأ إلى الانتحار، وقد يفجر نفسه في مكان ما، أو ضد مصالح دولته. الحرب على الإرهاب في بعض جوانبه أصعب من الحرب الواقعة على الدول. الولايات المتحدة مثلاً، حين حاربت العراق انتصرت عليه خلال ثلاثة أسابيع، فيما حربها على الإرهاب ما زالت مستمرة، لأنها هنا تواجه عصابات، وسلاح الأخيرة الاغتيال والتفجير، سلاح مراوغ لا يمكن ضبطه، ثم إنها (الولايات المتحدة) إذا قتلت 10 إرهابيين، يولد 100 إرهابي في المقابل، هكذا العملية لن تنتهي.هل الحوار أداة التفاهم الوحيدة، أم أننا نحتاج إلى القوة أحياناً؟نحتاج إلى القوة أحياناً، لكن يجب أن تكون مستندة إلى أداة أو عذر شرعي وعقلاني، يقنع الطرف الآخر أنه ليس من الحكمة أن تحمل السلاح ضد الدولة.