أسس السيميائيّة لدانيال تشاندلر... لا شيء أفضل من دراسة اللغات
ما هي السيميائية؟ لماذا ندرسها؟ ما هي مفاهيمها ومذاهبها وأهم نظريات علمائها؟ ما علاقتها بسائر العلوم الإنسانية؟ وما هي مجالات تطبيقها؟ تلك بعض الأسئلة التي يحاول كتاب «أسس السيميائيّة»، الصادر عن المنظمة العربية للترجمة، لدانيال تشاندلر وترجمة: د. طلال وهبة، الإجابة عنها بالإضافة إلى ثبْت المصطلحات وثبْت تعريفي لشرح بعض المفاهيم من وضع المترجم.إنه مدخل وافٍ يتصف بالشمول والوضوح وغزارة المادة وهو بالتالي يتوجه الى المبتدئين من الطلاب والى الأساتذة والباحثين الاختصاصيين في آنٍ واحد. وإذ نلاحظ ندرة المؤلفات التي تعالج هذا الموضوع في اللغة العربية، بل غيابها التام، ندرك أهمية هذا الكتاب والحاجة إليه.
في عرضنا السريع لمضمونه، نتوقف عند الأسس التي يرتكز عليها هذا العلم، وعند بعض القضايا الرئيسة التي يطرحها.السيميائية ترجمة المصطلح الأجنبي Sémioties وتعني علم الإشارات، والإشارة هي كل ما ينوب عن شيء آخر ويكون حاملاً معنى: الكلمات والصور والأصوات والأشياء... كلّها إشارات، أو يمكن أن تكون إشارات إذا حملت معنى. مؤسسا السيميائية الفيلسوف الأميركي Peirce. S.Ch (1839-1914) ومؤسس علم اللغة الحديث (أو ما اصطُلح على تسميته الألسنية) السويسري de Saussure .F (1857-1913). يُستخدم عادة مصطلح السيميولوجيا للدلالة على مذهب سوسور والسيميائية للدلالة على مذهب بيرس. لماذا دراسة السيميائية؟من الطريف أن المؤلف يورد قولاً لأحد النقاد يتصف بالفكاهة والسخرية وهو أن السيميائية تخبرنا عن أمور نعرفها ولكن بلغة لن نفهمها أبدًا. والواقع أن مواضيعها مستمدة من الحياة، ممّا حولنا، ما يحيط بنا ونستخدمه ونتلقاه، وهي ككل علم حديث العهد لا يزال يبحث عن مجالاته ومقوّماته وحدوده، تتعدد فيه النظريات وتكثر المصطلحات وتختلف دلالاتها من باحث إلى آخر: ... ولكن مهما اختلفت النظريات وصعبت الإحاطة بها وصعب اختيار مذهب دون الآخر فهي براهين على أهميتها واتساع مجالاتها وأهمية المواضيع التي تطرحها. ذلك أننا نعيش في عالم من الإرشادات. فنحن لا ندرك الأمور إدراكًا مباشرًا، بل من خلال الإشارات التي هي وسائط بيننا وبين العالم. أهمّ هذه الإشارات، كما سنرى، هي الإشارات اللغوية. يقول بيرس: نحن لا نفكر إلا بواسطة الإشارات. فدرس الإشارات وسيلة ضرورية لفهم العالم الذي نعيش فيه. والمواضيع التي تطرحها السيميائية جوهرية شغلت ولا تزال تشغل المفكّرين على مرّ العصور: ما هو الواقع؟ ما هو المعنى؟ هل هو جوهر كائن مستقلّ عنّا أم إننا نكوّنه نحن؟ وهل هو ثابت أو متغيّر؟ ما العلاقة بين الكلمة وما تدلّ عليه؟... هكذا نجد أن السيميائية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعلم اللغة العام (فهي فرع منه أو هو فرع منها باختلاف وجهات نظر الباحثين) والفلسفة والمنطق وعلم النفس وعلم الاجتماع... لغة النطقنظرية سوسور السيميولوجية:تنطلق نظريته من دراسته للغة وهو يقول: لا شيء أفضل من دراسة اللغات لإظهار طبيعة المسألة السيميولوجية، كما يؤكد هذا الموقف عدد كبير من العلماء الذين تأثروا به. منهم جاكبسون الذي يقول إن اللغة أهم المنظومات السيميائية البشرية، وليفي ستروس: لغة النطق هي المنظومة السيميائية بامتياز. تعتمد نظرية سوسور اللغوية، وبالتالي نظريته السيميولوجية على مبدأين أساسيين: مفهوم الإشارة Signe والتفريق بين اللغة Langue والكلام Parole. فهو يشدّد على أن الإشارة تجمع بين الدالّ والمدلول أو بين الصورة الصوتية والفكرة وعلى أن هذه العلاقة غير حتمية وغير طبيعية أو منطقية، بل هي علاقة اعتباطية أو اصطلاحية، وهو يعتبر أن معنى الإشارات يكمن في علاقتها ببعضها في النظام العام (نظام اللغة) وليس ناتجًا من الإحالة الى مرجع خارجي. لتوضيح هذه الفكرة يعتمد سوسور على تشبيه نظام اللغة برقعة الشطرنج: قيمة كل قطعة تتعلق بموقعها على رقعة الشطرنج. اعتبار الإشارة اعتباطية ينتج منه استقلالية اللغة عن الواقع: اللغة لا تعكس الواقع بل تبنيه. كان لهذه النظرية تأثير بالغ في علم النفس التحليلي (Lacan) وعلم الانتروبولوجيا (ليفي ستروس). والجدير بالذكر أن المؤلف يعرض بإسهاب مفهوم الاعتباطية ويناقشها بالاعتماد على نظريات متعددة ويشير الى أن الاعتباطية نسبية وعلى درجات، وإلى أن الإشارات تكون اعتباطية قبل دخولها الاستعمال ثم تبطل اعتباطيتها بعد الاستعمال. النظرية الأساسية الثانية لدى سوسور هي التمييز بين اللغة والكلام. اللغة نظام ذو قواعد، وهي مؤسسة اجتماعية موجودة قبل الأفراد الذين يستخدمونها وهي مستقلة عنهم، والكلام هو استخدام اللغة الفردي. على أساس نموذجه السيميولوجي، البنى Structure في النظام أهم من الاستخدامات الفردية. يعرض المؤلف لهذه الآراء بتوسّع ويناقشها بالاعتماد على آراء باحثين من مختلف المذاهب مرورًا بالماركسيين الذين يرون أن معنى الإشارة يتحدّد في سياق استخدامها الاجتماعي، وصولاً إلى المعاصرين الذين يشددون على البعد التاريخي وينظرون إلى اللغة كنظام حيّ، ديناميكي، دائم التطور. مقابل نظرية سوسور التي كان لها تأثير واسع وعميق في العلوم الإنسانية على اختلافها والمذاهب الفكرية الحديثة، نظرية أخرى في السيميائية مختلفة وضعها وطوّرها خلال فترة طويلة الفيلسوف الأميركي بيرس. يكمن الاختلاف في الدرجة الأولى من المنطلق والتكوين الفكري لكلّ منهما: سوسور عالم لغوي وهو يُعتبر مؤسس علم اللغة الحديث، في حين أن بيرس فيلسوف وعالم في المنطق. فمقابل نموذج سوسور الثنائي للإشارة (الدّال والمدلول) نموذج بيرس ثلاثي. وفي مصطلحه الممثل (يقابل الدّال) والتأويل (يقابل المدلول) والموجود أو المرجع (وهو العنصر الثالث الذي لا يوليه سوسور اهتمامًا). في حين يشدد سوسور على أن قيمة الإشارة تكمن في علاقتها. بإشارات أخرى، فإن التأويل لدى بيرس يقوم على سيرورة تفسير ديناميكية تؤدي الى فكر حواري وهو ما لا نجده لدى سوسور. الواقعية السطحيةانطلاقًا من هذين النموذجين المؤسسَين لعلم الإشارات، يعالج المؤلف مواضيع أساسية متفرعة منهما: هل الواقع موجود بذاته مستقلاً عن الإشارات أم أن الإشارات جزء من بناء الواقع؟ النظرة الواقعية السطحية تعتبر أن الكلمات تعكس الموجودات في العالم الخارجي، فهي أسماء للأشياء. ينتقد سوسور هذه النظرة السطحية ويقول: لو كانت الكلمات جدولاً لأسماء الأشياء لكانت الترجمة من لغة إلى أخرى أمرًا سهلاً ذلك أن كل لغة تصنّف الواقع تصنيفًا خاصًا، وعملية التصنيف والتبويب تلغي الموازاة بين الكلمة والشيء.مزاجيةنكتفي بهذه الخطوط الرئيسة التي تسمح بها حدود المقال لننتقل إلى إبداء بعض الملاحظات المتعلقة بالترجمة وباللغة. الترجمة دقيقة واضحة تولاها اختصاصي، ولكن مع ذلك لا بدّ من الإشارة الى ما يثيره بعض الاستعمالات من تساؤلات وبعض المصطلحات من غموض واضطراب. فالمصطلحات، في جميع الترجمات، تعاني من الفوضى والبلبلة والمزاجية. فالمؤلف يترجم concept: أمفهوم في حين يترجمه آخرون: بمعنى مجرد، تصور، مفهوم، صورة ذهنية... وSigne: بإشارة، في حين يترجمه آخرون: علامة، رمز. وهو يترجم Systeme بمنظومة في حين أن الترجمة المألوفة: نظام، فلماذا فضّل منظومة على نظام؟ ولماذا ترجم Object في سيمياء بيرس بموجودة؟ ربما كان الأجدى في هذه الحالة ذكر المصطلح الأجنبي بشكل دائم مقابل المصطلح العربي غير الموحّد وغير المتفق عليه. وإذا كان توحيد المصطلحات متعذرًا على المستوى العام بين الأفراد والمؤسسات في العالم العربي، فلماذا لا تتوحد في منشورات مؤسسة معينة على الأقل، المنظمة العربية، مثلاً: فالمصطلحات تختلف حتى الفوضى والتناقض من كتاب الى كتاب، مما يحدث غموضًا والتباسًا وإفسادًا للمعنى في مؤلفات تعتبر مراجع أساسية.تبقى أخيرًا الإشارة إلى بعض أخطاء طباعية ولغوية لا يجوز أن تقع في مؤلفات بهذا المستوى من الاختصاص ومن الأهمية: ص 58: صحيح أن سوسوري عتبر، والصواب: سوسور يعتبر، ص 59: يذهب أرسطو أبعد من ذلك، في التحليل، أبعد من ذلك فيقول... فالخطأ في تكرار أبعد من ذلك، والغموض في العبارة التي لا يتضح معناها إلا في التنبه إلى أن (في التحليل) هو كتاب أرسطو de l’interpretation وترجمته المألوفة (في التفسير). ص 62: ملفت للانتباه، والصواب: لافت للانتباه لأن الفعل (لفت) وليس ألفت، وهذا الخطأ يتكرر مرّات عدة. ص 113: يرى أن كل من التعبير... والصواب كلاًّ. ص 113: إسناد إلى كل بُعد دلالته المحتملة، وهي ترجمة حرفية وتركيب غير صحيح في اللغة العربية والصواب: إسناد الدلالة المحتملة الى كل بعد. ص 132: إليكم مثال عاديّ، والصواب: مثالاً عاديًّا. ص 133: تبلغ مستوى عالٍ جدًا، والصواب: مستوى عاليًا جدّاً. ص 134: النظر الى التجريد باعتباره مستويات وأنماط... والصواب أنماطًا...والأخطاء من هذا القبيل ليست قليلة، ولكننا نكتفي بهذا القدر، لأن المقصود إيراد نماذج لا استيفاء الموضوع...كتاب بهذا المستوى من الاختصاص والروح العلمي، تولّى ترجمته اختصاصيّ لا يقدّر معاناته إلا من عانى ترجمة آثار هذا الموضوع وهذا المستوى، لا يجوز أن تشوّهه أخطاء من هذا النوع.