سينما أنور وجدي
بدأ أنور وجدي ممثلاً مسرحياً، ثم ممثلاً سينمائياً ولم يلبث أن أصبح منتجاً ومخرجاً وكاتباً سينمائياً، أي {رجل سينما} بصورة شاملة، وحقق نجاحاً لا ينكر على هذه الأصعدة، وبمفهوم حدده وأقرّ به مراراً هو تقديمه صنفاً من سينما الترفيه والتسلية.في هذه السطور نلقي نظرة على سينما أنور وجدي وملامحها ومحصلتها، سينما قدمها بأقصى الطاقة والحماسة رجل السينما الذي ولد في 11 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1911 ورحل في 14 مايو (أيار) 1955.
كمخرج كانت بداية وجدي مع {ليلى بنت الفقراء} عام 1945، فيلم كان مقدراً أن يشرع في إخراجه كمال سليم وتقوم ببطولته نجمة الغناء والسينما الكبيرة ليلى مراد، وكانت إعلانات الصحف تقدمه باعتباره باكورة إنتاج شركة الفيلم المصري {أنور وجدي وشركاه}، وشاركت البطلة أسماء يتقدمها أنور وجدي وسليمان نجيب وبشارة واكيم وزوزو حمدي الحكيم وغيرهم. لكن المخرج الرائد كمال سليم وافته المنية في 2 أبريل (نيسان) عام 1945، وفيما توالت الأسماء المقترحة لإخراج الفيلم فاجأ وجدي الجميع باستعداده لإخراجه، وبحصوله على موافقة ليلى مراد ذلل أهم عقبة، وبدأ رحلته مع الإخراج السينمائي واستطاع بعدها بتطوير قدراته وأدواته إخراج أفلام أحدث معظمها صدى مثل: {ليلى بنت الأغنياء 1946، قلبي دليلي 1947، طلاق سعاد هانم 1948، عنبر 1948، غزل البنات 1949، ياسمين 1950، ليلة الحنة 1951، حبيب الروح 1951، قطر الندى 1951، بنت الأكابر 1953، دهب 1953، 4 بنات وضابط 1954}.لم يهدف وجدي من أي فيلم إلى التعبير عن رؤية أو أفكار، إنما ظل هدفه تقديم المتعة والتسلية أمام الشاشة الساحرة، وحصل في المقابل على نجومية حرص على أن تزداد بريقاً باستمرار.الحق أنه لم يدخر جهداً في تقديم {سينما جيدة الصنع} بمقدار ما تتيح الموهبة والطاقة، لذلك حرص أيضاً على إثراء عناصرها وتجديدها بدأب، مع الحفاظ على سماتها العامة. يرصد الناقد محمد عبد الفتاح بعضاً من سمات سينما وجدي في كتابه {سينما أنور وجدي}، من بينها وربما أولها أنها سينما مهتمة، إن لم تكن {متخمة}، بالأغنيات، سواء فردية أو جماعية متمثلة في الاستعراض الغنائي الراقص. وبدا أحياناً كما لو أن سينما وجدي في بعض أفلامها تقدم عرضاً كاملاً {لما كان يقدم في صالات بديعة مصابني وببا عز الدين وغيرهما}. كانت هذه السينما تقدم باستمرار قصة حب تحدث من أول لحظة أو نظرة، وأحد الحبيبين ابن الطبقة الفقيرة أو الشعبية والآخر ابن الطبقة الأرستقراطية أو {الأكابر}، وتدور أحداث الفيلم حول تذليل الصعاب للتأكيد على أن الحب فوق الطبقات ومختلف الظروف الصعبة.كان يحلو لوجدي تقديم نفسه في أفلامه كضابط أو كموسيقي متشرد.. وكان محظوظاً بليلى التي نجح المخرج المقتدر توجو مزراحي في تحويلها إلى رمز الحب والرومنسية والجمال، وكانت هي بموهبتها الكبيرة المشعة تتيح المرجو منها وأكثر...يشير عبد الفتاح إلى {أن ليلى مراد كبطلة في سينما أنور وجدي أعطت الأخيرة دفعة قوية إلى الأمام وجعلتها تعيش بفضل أغانيها بصرف النظر عن أي شيء آخر!}، مؤكداً أن وجدي كان من الحصافة والذكاء، فلم يجمع بين النجمتين ليلى و{فيروز} كي لا تحرق إحداهما الأخرى.. وفيروز طفلة رعاها وجدي وقدم لها حملة دعائية لا مثيل لها ساعدت في تثبيت {معجزة الشرق} وتشبيهها بشيرلي تمبل الشرق!لا تخلو سينما وجدي من إشارات إلى قضايا اجتماعية (الأطفال المشردون في فيلم {دهب}، وانتقاد نظام الإصلاحيات في {4 بنات وضابط}...)، لكن الإشارات لم تكن صلب العمل الفني، الذي كان في أساسه عملاً ترفيهياً، تتنوع عناصره بين الدراما التي قد تصل إلى مبالغات الميلودراما الشديدة في مواقف، وطابع الكوميديا الذي قد يصل إلى الهزل الزائد، إضافة إلى الاستعراض كعنصر أساسي.وصلت سينما وجدي إلى ذروة نضجها الفني والحرفي في {غزل البنات}، لكنها عموماً سينما مخرج ونجم تشرّب أصول المهنة والحرفة... لم يهتم أو ينشغل بفكرة أو هم عام، إنما توقف عند هدف الترفيه والتسلية، وما يحسب له أنه لم يدع أبداً أكثر من ذلك، وأفلامه لم تقدم نفسها باعتبارها تحتوي على ما هو أعمق، إلا أنها لم تخل وإلى الآن مما يمتع بحق.