American Dreams وThe Icarus Syndrome... عواقب الحلم الأميركي

نشر في 07-06-2010 | 00:00
آخر تحديث 07-06-2010 | 00:00
صدر أخيرًا كتابان جديدان عن أحلام الولايات المتحدة الطموحة وعواقبها:The Icarus Syndrome: A History of American Hubris لبيتر بينارت. هاربر ويقع في 482 صفحة (صادر في بريطانيا عن دار هاربر كولينز بعنوان The Icarus Syndrome: How American Triumph Produces American Tragedy)، وAmerican Dreams: The United States Since1945 لهنري وليام براندز. (دار Penguin Press)، ويقع في 432 صفحة.

عندما يكون الحاضر محيراً والمستقبل مبهماً، يبحث الناس عن الحكمة في دروس الماضي. ويصح ذلك خصوصًا في حالة الولايات المتحدة اليوم. تصارع هذه الدولة للتكيّف مع الركود الاقتصادي والحروب الخارجية الموهنة وتراجع الثقة بالنفس. لكن المفارقة أن دروس الماضي قلما تكون دقيقة، وتُعتبر خادعة غالبًا، لا بل خطيرة.

هذا هو محور The Icarus Syndrome، واحد من كتابين جديدين عن تاريخ الولايات المتحدة المعاصر. كان المؤلف بيتر بينارت أحد الليبراليين الذين دعموا غزو العراق عام 2003. لكنه أدرك اليوم خطأه، ويتساءل: كيف يمكن للولايات المتحدة أن ترتكب خطأ فادحاً كهذا؟ أما الإجابة التي يقدّمها فهي أن الولايات المتحدة تنجر من حين إلى آخر وراء نجاحاتها. فالانتصارات، وإن كانت ضيقة النطاق، تولّد طموحات مبالغًا فيها. فقد صدّقت الولايات المتحدة أنها تملك جانحين وأنها تستطيع التحليق. وعلى غرار إيكاروس، حلقت بالقرب من الشمس فذابت أجنحتها.

يعيد بينارت الغزو الأميركي للعراق إلى عجرفة تلت سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1989. لكن هذه العجرفة لم تظهر في الحال. ففي نهاية الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة منشغلة بالمخاوف الاقتصادية والقوة العسكرية. لكنها تورطت في عدد من تدخلات عسكرية صغيرة ومتوسطة النطاق أدت إلى انتصارات: أولا في بنما ومن ثم الكويت (قال جورج بوش الأب: {لقد تخلّصنا من متلازمة فيتنام إلى الأبد}.) وأخيراً في البلقان.

بحلول عام 2001، زاد عقد من الهيمنة العسكرية والاقتصادية والعقائدية على غرور الولايات المتحدة وأقنع الرئيس جورج بوش الابن باستغلال اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) كـ{فرصة} (استخدم هذه الكلمة بالتحديد) لتحقيق إنجاز كبير: فلم يكتفِ بالرد على أفغانستان، بل أراد أيضاً {تحرير} العراق وإعادة رسم كامل الشرق الأوسط. ونظرًا إلى السهولة التي أطاحت بها الولايات المتحدة بطالبان في أفغانستان، ظنت أن حرب العراق ستكون سهلة للغاية. وهذا ما أكدته آليتها العسكرية، إلى أن تحوّل الغزو السهل إلى عملية تمرد مؤلمة طويلة الأمد.

أليست هذه الأفكار تقليدية؟ ربما، إلا أن براهين بينارت لا تقتصر على العراق. لذا يحاول أيضاً تقديم حجج تظهر أن {عجرفة السيطرة}، التي أغرقت الجنود الأميركيين في بلاد ما بين النهرين، ما هي إلا واحد من أنواع ثلاثة من عجرفة أبعدت السياسة الأميركية عن مسارها الصحيح خلال القرن الماضي. فقبل {عجرفة السيطرة} ظهرت {عجرفة الشدة}: فعقب دروس ميونخ والتهدئة، ظهر الاعتقاد بأن على الولايات المتحدة أن تحتوي الاتحاد السوفياتي وتحارب الشيوعية في مختلف أنحاء العالم. وقبل {عجرفة الشدة} برزت {عجرفة المنطق}: وهم وودرو ولسون أن النصر في الحرب العالمية الأولى سيتيح للولايات المتحدة أن تبتكر نظامًا عالميًّا يقوم على السلام والمنطق والالتزام بالقوانين.

لا يُعتبر The Icarus Syndrome مجرد تعداد لتدخلات غير مبررة. يؤرخ هذا الكتاب أيضًا التطورات الفكرية، متطرقاً إلى مفكرين مثل جون دووي ووالتر ليبمان ورينولد نيبور وجورج كينان. فمنح بينارت هؤلاء المفكرين، الذين أثرت آراؤهم في قرارات الرؤساء، اهتمامًا ضاهى اهتمامه بأفعال الرؤساء أنفسهم. علاوة على ذلك، وضع هؤلاء المفكرين في أطرهم التاريخية والمؤسساتية وصوَّرهم كشخصيات محبوبة لها عيوبها وطموحاتها، لا مجرد مصادر أفكار.

إذًا، قدّم بينارت في كتابه هذا دراسة عميقة ومفصلة، مع أن الخلاصة التي يستمدّها من دروس التاريخ الخادعة تكاد تكون تقليديَّة: على الولايات المتحدة الاستمرار في تفاعلها مع العالم، لكن يلزم أن تقرّ بحدود مقدراتها وتركّز على إعادة بناء الاقتصاد، الذي طالما استندت إليه قوتها. سيبقى التفاؤل الأميركي إحدى أعظم عجائب العالم، في رأي بينارت، لكن {ما من مجموعة من البشر الفانين تستطيع فرض مشيئتها على عالم عاصٍ}.

يقدّم كتاب American Dreams لبراندز، مؤلف غزير الإنتاج وأستاذ في جامعة تكساس، نوعًا آخر من التاريخ: خلاصة واضحة وشاملة للأحداث التي جرت في الولايات المتحدة والعالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى انتخاب باراك أوباما. وإذا أردت مطبوعة تذكرك بكامل النقاط المفصلية في التاريخ الأميركي (من حرب فيتنام إلى حركة الحقوق المدنية وسباق الفضاء ومغامرات بيل كلينتون الجنسية)، فهذا الكتاب مناسب لأنه يحتوي على رواية متوازنة، واضحة، وسهلة الفهم. لا يحاول براندز تقديم حجج ما أو إثبات نظرية محددة، بل يترك للقارئ مهمة استخلاص العبر.

وإحدى العبر الواضحة أن الولايات المتحدة طالما نسبت إلى تصرفاتها في العالم أهمية كبرى. فبما أنها خرجت منتصرة عام 1945، هيمنت على خصومها. لكن يلاحظ براندز اليوم تبدلا غريبًا. ففي نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أحلام الأميركيين الجماعية كبيرة والفردية متواضعة. أما اليوم فتقلصت طموحاتهم الجماعية، إلا أن آمالهم الفردية (أحلامهم بالازدهار والحرية والسعادة) عظمت جداً. ويبقى سؤال للمستقبل، سؤال لا يستطيع أي مؤرخ الإجابة عنه: هل يعني تراجع الولايات المتحدة النسبي أن على الأميركيين الأفراد تحجيم أحلامهم؟

back to top