«حماس» و«فتح» والمعضلة الفلسطينية

نشر في 30-04-2010 | 00:01
آخر تحديث 30-04-2010 | 00:01
 مخيمر أبوسعدة في ظل السلطات المتنازعة التي تدير غزة والضفة الغربية، وجد الفلسطينيون أنفسهم وسط تجربة غريبة، ففي غزة، حيث تتولى "حماس" زمام المسؤولية، تسبب الثمن الباهظ للمقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي في تقويض مصداقية أي محاولة لإحياء الصراع، وفي الضفة الغربية، تحت حكم حركة "فتح"، لم تسفر المفاوضات عن أي تقدم يُذكَر، ولم يعد أي من المسارين اللذين تتبعهما السياسة الفلسطينية- المقاومة أو التفاوض- يقدم أي أمل في تحقيق الاستقلال، ونتيجة لذلك، بات الفلسطينيون في مواجهة أصعب التحديات على الإطلاق منذ عام 1948.

فالتهديدات التي تطلقها إسرائيل بتجديد حربها ضد "حماس" في قطاع غزة تؤخذ على محمل الجد، ومشاهد الدمار لاتزال حية في شوارع وأحياء غزة، و"حماس" لا تجازف الآن بأي شكل من الأشكال باستفزاز إسرائيل إلى حرب جديدة. ولقد كلف القتال "حماس" اثنين من كبار قادتها، سعيد صيام ونزار ريان، كما أدى إلى إضعاف قدراتها العسكرية إلى حدٍ كبير، ولم تبدأ عمليات إعادة البناء إلا أخيراً.

الواقع أن "حماس" تجد نفسها في موقف صعب لأن سياستها تدعو إلى المقاومة القوية، على جانب السياسة، ولكن هذه السياسة باءت بالفشل، ولقد فرضت "حماس" ضغوطاً قوية على كل فصائل المقاومة في غزة للامتناع عن استفزاز إسرائيل. وفي تصريح غير مسبوق، قال محمود الزهار، أحد كبار قادة "حماس"، إن أي صواريخ تطلق على إسرائيل من قطاع غزة ستكون "صواريخ خيانة".

وبدلاً من ذلك فقد حولت "حماس" انتباهها نحو الضفة الغربية، حيث لا تملك أي سلطة سياسية، ولقد دعت الفلسطينيين هناك إلى إطلاق انتفاضة جديدة ضد إسرائيل، رغم إصرارها على التهدئة في قطاع غزة.

أما حركة "فتح"، التي تدير الضفة الغربية، فإنها لا ترغب في المشاركة في انتفاضة فلسطينية جديدة، والحق أن الرئيس محمود عباس لم يخف اعتراضه على مثل هذه الاستراتيجية، ولكن الفلسطينيين في الضفة الغربية يشعرون بالإحباط الشديد مع عجز حكومتهم عن القيام بأي شيء إزاء توسع المستوطنات الإسرائيلية، بما في ذلك في القدس الشرقية، فضلاً عن النزاعات المستمرة حول الأماكن المقدسة في مدينة الخليل وفي بيت لحم وفي المسجد الأقصى، والواقع أن مظاهرات الشوارع التي اندلعت في الآونة الأخيرة قد تتحول بسهولة إلى موجة عارمة من المقاومة المستمرة للحكم الإسرائيلي.

وتخشى السلطة الفلسطينية التي تدير الضفة الغربية أن تتحول أي انتفاضة شعبية غير عنيفة إلى العنف بين عشية وضحاها، فإذا ما حدث ذلك فإن إسرائيل قد تستخدم مثل هذه الانتفاضة كذريعة لسحق الفلسطينيين ومؤسساتهم المبنية حديثاً. ولقد حدث ذلك من قبل، أثناء الانتفاضة الأخيرة في عام 2002.

وهناك سيناريو آخر يروِّع قاعدة "فتح"؛ وهو اندلاع أعمال عنف قد تؤدي إلى تعزيز قوة "حماس" وجناحها العسكري، كتائب عزالدين القسّام في الضفة الغربية. وهذا قد يؤدي بدوره إلى تكرار السيناريو الذي حَمَل "حماس" إلى السلطة في غزة في يونيو 2007، حين انهارت سلطة "فتح" في المنطقة بالكامل بعد الانسحاب الإسرائيلي. ورغم كل ذلك فقد توقفت عملية السلام لأكثر من عامٍ كامل، الأمر الذي أدى عموماً إلى إضعاف مصداقية "فتح" في الضفة الغربية، ولقد وصف عباس السلام مراراً وتكراراً باعتباره خياراً استراتيجياً للفلسطينيين، ولكن بعد سبعة عشر عاماً من التوقيع على اتفاق أوسلو وإطلاق المحادثات الثنائية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، فإن التقدم نحو إقامة دولة فلسطينية كان ضئيلاً للغاية، ومن وجهة نظر الرأي العام فقد وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود. ولقد أظهر الدبلوماسيون العرب أقل القليل من علامات التفاؤل في هذا السياق، ففي قمتها التي عقدت في ليبيا أخيراً رفضت جامعة الدول العربية محادثات التقارب غير المباشرة التي اقترحها جورج ميتشل مبعوث السلام الأميركي إلى الشرق الأوسط، والموقف العربي يتلخص في رفض أي محادثات تقارب قبل أن تجمد إسرائيل أنشطتها الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، والواقع أن الرأي العام الفلسطيني والعربي ينتظر من الولايات المتحدة، بوصفها حليفاً لإسرائيل، أن تتدخل وتضغط في سبيل التوصل إلى تسوية.

ورغم التحسن الكبير الذي طرأ على الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية في ظل قيادة رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض، فإن هذا لا يشكل بديلاً لمفاوضات السلام الجادة، وفي أغسطس2009، أعلن فياض رؤيته لدولة فلسطينية في غضون عامين.

وطبقاً لخطة فياض، التي تلقت دعماً مالياً قوياً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإن البنية الأساسية السياسية والاقتصادية والأمنية للدولة الفلسطينية ستكون جاهزة بحلول شهر أغسطس 2011. كما اكتسب فياض الدعم أيضاً من جانب "فتح" وأغلب الفضائل الفلسطينية الأخرى في الضفة الغربية.

وتتلخص استراتيجية فياض في تأمين الاعتراف الدولي بدولة فلسطين في خوض معركة قانونية ضد إسرائيل في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، وهو مقتنع بأن إنشاء دولة فلسطينية من شأنه أن يخدم مصالح كل الأطراف، وأن الاحتمالات تصب في مصلحة الفلسطينيين في النضال السياسي الدولي.

بيد أن "حماس" لا تشاطره هذا الرأي، كما وصلت جهود المصالحة الفلسطينية إلى طريق مسدود، ولقد أعطت جامعة الدول العربية مصر دوراً رائداً في الجمع بين الطرفين، ولكن "حماس" رفضت مقترحات مصر. ويبدو أن مصر، مع انتشار التساؤلات حول خليفة الرئيس حسني مبارك، قررت تنحية هذه المحادثات جانباً، والآن يتطلع الفلسطينيون إلى إيران، حليفة "حماس"، بحثاً عن أي إشارات لإحياء المحادثات بين "فتح" و"حماس".

إن الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين محدودة، ولا يوجد إجماع بينهم حول كيفية المضي قدماً، لكن هناك شعور متنام بأن لعبة الانتظار ليس من الممكن أن تستمر... وأياً كان ما سيأتي بعد ذلك فمن المرجح أن يأتي قريباً.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة

"بروجيكت سنديكيت" بالاتفاق مع "الجريدة"

back to top