الإمبراطورية البريطانية وطريقة دحر طالبان
في ثمانينيات القرن التاسع عشر، لم يرَ رئيس الوزراء الليبرالي، وليام غلادستون، الوضع يتحسن إلا عندما أرسل المزيد من الجنود عبر نهر هلمند، مع أن ذلك بدا مخالفاً لكل قناعاته، وقد تمكن في النهاية، من سحبهم جميعاً.يجب أن يتعظ وزيرا الدفاع والخارجية من التاريخ، فإذا تأملا في ماضينا كإمبراطورية، فسيكتشفان أن الإعلان عن انتهاء المرحلة الأولى من عملية «مخالب النمر» تزامن مع ذكرى معركة «مايواند»، هزيمة نكراء وشاملة عاناها لواء بريطاني شرقي نهر هلمند في عام 1880. فقد تكبد «لواء المشاة السادس والستون» خسائر فادحة، وها هو خلفهم، «لواء الرماة»، يقاتل اليوم ويموت على خطى أسلافه، لكن تلك الكارثة ولّدت نجاحاً كبيراً يحمل الكثير من أوجه الشبه التي يمكن التعلّم منها اليوم.
بدا خطاب ديفيد ميليباند الأخير عن التحاور مع «طالبان» جريئاً وإنما سطحياً. سمعنا هذا الحديث عن «المصالحة» منذ سنوات، فخلال إحدى زياراتي عام 2004، راح دبلوماسيون وجنود يعبّرون لي عن استيائهم من توجه هذه المفاوضات، لأنهم كانوا يرون الكمائن التي تحملها، فضلاً عن الفرص. ومرة أخرى، ما من أمر جديد يحصل هنا، ففي ثمانينيات القرن التاسع عشر، فُصل الغازون المتعصبون عن زعماء القبائل الأكثر اعتدالاً باعتماد أساليب السياسة الحقيقية الحاذقة، ولم تكن هذه الخطوة سهلة، تماماً كما هي الحال الآن. على سبيل المثال، مع مَن يجب أن نتفاوض اليوم؟ لا يشكل «طالبان» منظمة موحدة متناغمة، ولا يتحدث الملا عمر، رغم لقبه «القائد الأعلى»، باسم هذه الحركة ككل. علاوة على ذلك، لا تَظهر أهدافه جلية، كذلك يكثر على الحدود الباكستانية والأفغانية قادة الحرب المتخاصمون، الذين يدعمون حامد كرزاي حيناً ويحاربونه أحياناً. وماذا عن الرئيس نفسه؟ فتدخله الغاضب هو ما أوقف فجأة المحادثات البريطانية السرية مع «طالبان» (ولو مؤقتاً) في عام 2007، ويؤدي كرزاي عرضه هذا على مسرح إقليمي وقبائلي يعتمد على تأثير الخارج أكثر منه على قوة شعبه. لكن الجيد أن موقف الأميركيين شهد ثورة في الآونة الأخيرة، يدرك القائد الجديد، الجنرال ستانلي ماكريستال، الحاجة إلى التحاور مع «طالبان»، فيمكن لأعداء اليوم أن يصبحوا حلفاء الغد، على غرار ما حدث في ثمانينيات القرن التاسع عشر، لهذا السبب يشدد ماكريستال كثيراً على الحاجة إلى تفادي الخسائر البشرية، ولهذا السبب تدفق الجنود الأميركيون إلى هلمند، ولهذا السبب أيضاً يطالب بإرسال المزيد من المعدات والجنود البريطانيين. هذه هي المسألة الشائكة التي يلزم أن يدركها وزيرا الخارجية والدفاع. فقد أشعل معدل الوفيات المرتفع خلال العمليات الأخيرة غضباً طال انتظاره تمحور في الأساس حول المعدات والطائرات. لا شك في أن القادة البريطانيين طالبوا بأجهزة أفضل بغية تعطيل العبوات الناسفة المبتكرة، فضلاً عن عدد أكبر من الآليات المدرعة والطائرات المروحية. صحيح أن هذه الخطوات قد تساعد في تحسين الوضع، بيد أنها ليست العلاج، تخيلوا رد الفعل عند إسقاط مروحية تحمل ثلاثين إلى أربعين جندياً، على غرار ما حدث مع السوفييت مرات عدة في هذه الأجواء الجوية نفسها. لا، إن كانت الحكومة ترغب في تخفيض عدد الجنود في أفغانستان بشكل نهائي، فعليها أولاً زيادته. بقيت على اتصال دائم مع رجال من سريتي، 2 Mercian، التي كانت في قلب المعارك. يتحدث هؤلاء عن اضطرارهم إلى السيطرة على مناطق لا يلبثون أن يتخلوا عنها وعن اضطرارهم إلى القتال من أجل استعادة طرقات كانوا قد سيطروا عليها قبل أيام ثم خسروها بسبب النقص في الرجال. كذلك تكلم قائد اللواء، تيم رادفورد، بصراحة عن حاجته إلى المزيد من الجنود. فإذا أردنا إجراء الانتخابات هذا الشهر مع حد أدنى من أعمال العنف، وإذا أردنا رؤية أعمال إعادة بناء تدوم، وإذا أردنا تطوير القوى المحلية الأفغانية (مستنفدين في الوقت نفسه الموارد التي تجنّد منها حركة «طالبان» أعضاءها)، فعلينا إذن زيادة عدد الجنود.في ثمانينيات القرن التاسع عشر، لم يرَ رئيس الوزراء الليبرالي، وليام غلادستون، الوضع يتحسن إلا عندما أرسل المزيد من الجنود عبر نهر هلمند، مع أن ذلك بدا مخالفاً لكل قناعاته، وقد تمكن في النهاية، من سحبهم جميعاً.فضلاً عن ذلك، تحتاج وزارة الدفاع إلى توجيهات واضحة من وزير خارجيتها الجديد لأن أفغانستان تحولت إلى حرب دموية قاسية، لا مجرد مناوشات بسيطة. على سبيل المثال، قبل 10 أيام، دُفع نحو 125 جندياً إضافيين إلى الجبهة لتعويض الخسائر واستبدالها، وهذه أول مرة يحدث ذلك منذ الحرب الكورية. نتيجة لذلك، يجب أن تستعد الوزارة لصراع طويل. سيشكل الهدوء والاستقرار اللذان يُفترض أن يليا عملية «مخالب النمر» الامتحان الحقيقي لهذه العملية والتضحيات التي تطلبتها، ولكن يجب ألا تبدد الحكومة هذا النصر الصعب بسحبها الجنود والموارد، آملة أن يكون موسم الحملات قد انتهى هذه السنة. نحن نخوض حرباً، سواء أعجبنا ذلك أم لا، ومع أننا لن نحقق انتصاراً بالمعنى التقليدي، فلن يكون الفوز حليفنا إلا عبر القرارات والقيادة الصارمة، وإذا أراد وزراء خارجيتنا بعض المساعدة، يقف التاريخ مستعداً ليمدهم بكل ما يحتاجون إليه من عِبر. * خدم في سرية «شيروود فورستر» قبل أن يصبح مراسل برنامج «توداي» لشؤون الدفاع.