بنتين من مصر... تحفة سينمائيّة نادرة
حينما ذهبت لمشاهدة فيلم «بنتين من مصر» توقّعت أنني سأشاهد فيلماً مهماً لأن مخرجه وكاتبه محمد أمين سبق أن قدّم فيلمين جيّدين.لكن المفاجأة السارة أن ما شاهدته فاق توقّعي، إذ جاء الفيلم «تحفة سينمائية» حقيقية، علماً أن التحف السينمائية قليلة بل نادرة في السينما المصرية أو العربية أو في العالم.
سبق لأمين أن كتب وأخرج فيلمه الجيد «فيلم ثقافي» بطابعه الكوميدي الاجتماعي، ثم فيلمه المتميز «ليلة سقوط بغداد» بطابعه الفانتازي السياسي، كذلك كتب الكوميديا السينمائية الجذابة «جاءنا البيان التالي» وإن لم يتولَّ الإخراج بنفسه.بفيلمه الجديد «بنتين من مصر»، يثبت أمين براعته في الكتابة بدرجة براعته نفسها في الإخراج، منذ داود عبد السيد الذي كتب معظم أفلامه، ورضوان الكاشف في «عرق البلح» وسيد سعيد في «القبطان».وبراعة المخرج في كتابة فيلمه تُحسب له وتؤكد نبوغه في أكثر من مجال، لكن افتقاده إلى المقدرة على الكتابة لا تنتقص من قيمته كمخرج، أو حتى كفنان مبدع للفيلم السينمائي، طالما أن هذا الأخير يعبر عن رؤيته، بل إن ما ينتقص من قيمة المخرج وعمله حقاً هو أن يكتب فيلمه بمستوى أقل من مستواه في الإخراج، وهذا ما نشاهده مراراً في السينما المصرية منذ بدايتها حتى اليوم!ينطلق سيناريو أمين في «بنتين من مصر» من موضوع عنوسة البنات في مصر. تشمل هذه الظاهرة القاسية في مصر اليوم ما يقرب من عشرة ملايين فتاة، انتظرن الزواج لكن قطاره لم يصل، لأسباب اقتصادية، اجتماعية، سياسية متداخلة، وبعضهن فقد الأمل في جدوى الانتظار أو احتمال وصول القطار.بعد تسليط الضوء على البنتين: الطبيبة داليا (صبا مبارك) وابنة عمها حنان (زينة)، يزداد السيناريو والكاميرا اتساعاً وإلماماً بالواقع الاجتماعي بل والسياسي ككل، للتأكيد على الحقيقة التالية: ليست ظاهرة العنوسة، على قسوتها وعصفها بأحلام مشروعة لنسبة كبيرة من البنات، سوى فرز لواقع اجتماعي سياسي أشمل، بالغ القبح والتدنّي والظلم.بدأ الفيلم باعتباره يتمحور حول «بنتين من مصر»... لينتهي بشموله مصر أو بتعبير آخر مصر من خلال بنتين وما يحيط بهما من بنات وشباب وأهل وزملاء... لم يعزل الفيلم، وهذا جزء من قوّته إخراجاً وكتابة، حنان وداليا عن واقعهما، وعن مشاكل الشباب، وهي بدورها طاحنة وبرزت في خطوط درامية على غرار شخصية «جمال» (أحمد وفيق)، الشاب الذي تعرفت إليه داليا عبر الدردشة الإلكترونية ونشأت بينهما صداقة ممتلئة بالشجن الصادق، أو شقيق داليا الذي ظلّ طويلاً ضمن ظاهرة لا تقل قسوة، هي البطالة التي تعصف بملايين الشباب ثم أصبح في لحظة ضمن أكثر من ألف من شهداء أو جرحى العبّارة الشهيرة وجريمتها المروّعة في الواقع المصري المعاصر المرّ.... لم يعزل الفيلم مشكلة الأفراد عن مشكلة المجتمع، ولم يقدّم قضية المرأة بمعزل عن قضية الرجل. وهذه براعة دراما وسيناريو ورؤية «بنتين من مصر». أما الجانب الآخر من البراعة فهو الجانب الفني والتقنية الذكية والجماليات المتقدّمة.هذه العناصر مجتمعةً، بل إن التكامل والتناغم الرائع بين عناصر الفيلم الفنية في التعبير الدقيق عن الدراما، فضلاً عن قيمة كل عنصر في ذاته، كلها جعلتنا نقول إننا أمام تحفة سينمائية حقيقية.من تصوير إيهاب محمد علي وجلال الزاكي، إلى مونتاج مها رشدي، إلى ديكور سامح الخولي، إلى موسيقى رعد خلف، كل واحد من هذه العناصر جدير بتأمّل وتحليل.كان تمثيل فريق التمثيل البارع في الفيلم، من دون استثناء، جديراً بإيصال هذه العناصر كافة إلى المشاهد، فهو تمثيل يليق بعمل كبير حقاً، في المقدمة صبا مبارك القديرة وزينة المجيدة وأحمد وفيق في أحسن أدواره.« بنتين من مصر» فيلم يستحقّ أكثر من مشاهدة، ويستحق الكتابة عنه مراراً.