هذه أو هذه وإلا فتلك: عقائد الحتمية في السياسة السورية

نشر في 11-06-2009
آخر تحديث 11-06-2009 | 00:00
 ياسين الحاج صالح بثلاثة ضروب من الحتمية تشرع السلطات السورية نفسها:

الضرب الأول مستبطن في حالة الطوارئ التي تنوء تحت ثقلها البلاد منذ اليوم الأول للحكم البعثي قبل ما ينوف على 46 عاما. تقرر الإيديولوجية المضمرة في حال الطوارئ أن سورية تواجه أخطارا مصيرية داهمة، وأن أولوية المواجهة تستنفد كل جهودها وطاقاتها، وتتسبب في بعض أوجه القصور السياسية والاقتصادية والحقوقية. تنزع إيديولوجية المواجهة هذه إلى اشتقاق النظام السياسي والقانوني في سورية من حالة الحرب المفترضة. نظامنا هو ما هو وأوضاعنا هي ما هي بسبب وجود عدو خطر على الأبواب، ووجود أراض سورية محتلة من قبل إسرائيل يوفر سندا واقعيا لإيديولوجية المواجهة، رغم أن الأراضي المعنية احتلت عام 1967، بعد أربع سنوات ونيف من حالة الطوارئ. وتتكفل الأجهزة التي تنتج هذه الإيديولوجية بخلق ارتباط جوهري وحتمي بين بنية النظام والمواجهة المفترضة، إلى درجة أنه يغيب عن أكثرية السوريين أن حالة الطوارئ فُرضت وقت استولى حزب البعث على السلطة، وليس أثناء أي من حروبنا مع إسرائيل. والمقتضى العملي الذي يُبنى على هذه الإيديولوجية هو أنه ليس على جمهور السوريين أن يرفع صوته بمطالب اجتماعية وسياسية، لأن المعركة الوطنية المصيرية لها الأولوية العليا، ومن قد يحتج أو يشكك في ذلك ربما يكون عميلا أو خائنا.

الحتمية الثانية ثقافية، برزت في تسعينيات القرن العشرين مع صعود أفكار الديمقراطية والليبرالية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان عالميا. كان الدفاع المعياري عن البنية الاستبدادية للنظام أن ثقافتنا وتراثنا، خصوصيتنا، تحدد نظامنا ومستوى الحقوق والحريات فيه. قد يقال إن نظامنا هو الديمقراطية الخاصة بنا، أو إنه يعمل على بناء ديمقراطية وحقوق مناسبة لمجتمعنا وخصوصيته وتراثه. وهنا أيضا تعني العلاقة الحتمية بين ثقافتنا الخاصة ونظامنا السياسي أن هذا لا يستطيع أن يكون غير ما هو. ومن قد يعترض على النظام هو داعية أفكار مستوردة أو ربما بوق للدعاية للاستعمارية، واللافت أن هناك تنويعة أخرى لهذه الأطروحة الثقافوية، يتبناها مثقفون مستقلون، تقرر أن نظامنا استبدادي فعلا، لكنه ليس كذلك إلا لأن ثقافتنا استبدادية في جوهرها، مع ميل إلى استنباط «ثقافتنا» من «الإسلام». وهذا ما يجعل الاستبداد من طبائع الأشياء عندنا، وما يعفي السلطات من أي مسؤولية عنه. وثمة بعد أطروحة فرعية إضافية، تقرر أن من شأن التغيير السياسي في بلادنا أن يفضي إلى سيطرة الإسلاميين لأسباب تتعلق بتركيب تفكيرنا وثقافتنا، فتزكي بقاء الأوضاع القائمة إلى حين يتغير التركيب المريض هذا. هنا أيضا تقذف مطالب الإصلاح السياسي إلى مستقبل مجهول.

الحتمية الثالثة اقتصادية. برزت هذه في وقت مبكر من العهد الحالي. في جانبها التفسيري تقرر الحتمية الاقتصادية أن مستوى الحريات والحقوق العامة يتحدد بمستوى التنمية ومتوسط الدخل الفردي، وأن الناس يحتاجون إلى الخبز على موائدهم قبل كل شيء آخر. وفي جانبها السياسي العملي تعطي أولوية للإصلاح الاقتصادي على الإصلاح السياسي، وتعلن أن إصلاح الاقتصاد هو بالضبط الشيء الذي تكرس له كل جهودها.

هل من حاجة إلى القول إن النظريات الحتمية الثلاث زائفة تماما؟ لم يظهر في أي يوم مفعول إيجابي لحالة الطوارئ على الدفاع والأمن الوطنيين، بل لم يكن هذا غرضها في أي يوم، وفي نقاش نزيه قد يمكن القول إن أوضاعنا الحالية وما تتسم به من أوجه قصور متعددة ليست نتاج المواجهة مع العدو، بل هي نتاج نظام الاستثناء الذي يحتاج إلى إيديولوجية مواجهة كي يسوغ نفسه ويمنع الاحتجاج عليه ويخوّن معارضيه. وبالمثل ليست خصوصيتنا المزعومة هي التي أنتجت هياكل السلطة الاستبدادية الراهنة، بل إن الخصوصية من اختراع الهياكل هذه وإيديولوجييها لتبرير الأوضاع القائمة. بالمثل أيضا ليست الظروف الاقتصادية الصعبة هي التي تفسر البنيان السياسي والحقوقي الراهن، بل إن البنيان هذا هو المسؤول عن تلك الظروف. فهي نتاج انفراد مديد بتحريك الموارد الوطنية لمصلحة نخب من المقربين والمحاسيب وأهل الثقة، والانفراد هذا يقتضي قوانين استثنائية لحمايته وضمان تراكم الملايين والمليارات في الجيوب نفسها.

تشترك الحتميات الثلاث في أنها موجهة لتثبيت الأوضاع القائمة وإضفاء الشرعية عليها، ورغم تتابعها في الزمان فإنها تتعايش معا في خطابات إيديولوجيي النظام. يقال لمن قد ينتقد الأوضاع الراهنة إننا في حالة حرب (اسكت إذن!)، وإن الديمقراطية متعارضة مع تقاليدنا (اسكت ثانية!)، وإن الخبز أهم من التصويت (اسكت أيضا!).

تشترك النظريات الثلاث أيضا في صفتها المجملة الممتنعة على الشرح والبرهان، وفي أن دحضها ممتنع تماما لأنه ليس لها معنى موضوعي أو صيغة محددة. إنها نظريات موجهة لأغراض عملية، أي تبرير ما هو قائم. أما محصلتها الجوهرية فهي تعطيل إمكانية الإصلاح، فإذا كانت الحال نتاج مواجهة حتمية مع العدو الوطني، أو تعبيرا عن خصوصية ثقافية أصيلة، أو انعكاسا لأوضاع اقتصادية تفرض منح الأولوية لحاجات معيشية ماسة، فإنه لا ينصلح دون انتهاء المواجهة أو تغيير الثقافة أو توافر الخبز على موائد السكان. بالطبع لن يتغير شيء. المواجهة لازمة، فإن انتهت ربما يخترع غيرها؛ والثقافة لا تتغير إما لأنها «أصالتنا» التي لا ينبغي أن تتغير، وإما لأن هناك قوى متخلفة في المجتمع تمنع تغيرها، أو لأن تغييرها يؤدي إلى الأسوأ فحسب، رغم أطيب جهود النظام؛ والأوضاع الاقتصادية لا تتغير رغم أفضل الجهود أيضا، إما بسبب الامبريالية ومحاصرتها لبلدنا، وإما لأننا بلد عالم ثالثي، أو بسبب الجفاف، أو بفعل التكاثر السكاني... الإصلاح مستحيل في جميع الحالات.

مستحيل فعلا دون تغيير جدي في هياكل النظام السياسي باتجاه يجعله أكثر مسؤولية، وبما يتيح إمكانية نقاش عام يتصف بالحد الأدنى من الصدق والنزاهة.

* كاتب سوري

 

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء

back to top