أوراق {وردة} 1 أوّل مرة غنيت فيها فقدتُ النطق!

نشر في 01-07-2009 | 00:01
آخر تحديث 01-07-2009 | 00:01
No Image Caption
إنها  وردة، أوراقها من الحب، مشاعرها من الصدق، أحلامها من الغناء. معها سالت دموع عينينا حين أحببنا واكتشفنا لعبة الأيام وصار لكل واحد منا حكايته مع الزمان وتعلمنا أن نجرب نار الغيرة.

إنها الحنجرة التي يبلل الندى أحبالها الصوتية وتمنحنا بالأداء وصلة (طرب) تسافر بنا إلى مواسم "الفن الأصيل".

ها هي وردة تفتح لنا أوراقها المعطرة بالذكريات والاعترافات. تكشف الستار في حوار طويل عن أشخاص مروا في حياتها ومواقف أثرت فيها ومشاعر هربت منها وخوف حاصرها وغناء أرهقها.

المكان : مطعم صغير في شارع ستيفنسن في باريس.

تدخل طفلة بملابس المدرسة ملامحها تخاصم الابتسامة. تنظر حولها في ضيق وهي تهرول مسرعة لتصعد الى شقتها في أعلى المطعم. تتسلل إلى غرفتها المليئة بالزهور والفراشات واللوحات. تجلس إلى مكتبها تفك ضفيرتها وتفتح حقيبتها. تُخرج مجلة وتتصفّحها بشغف يطل من عينها.

تتوقف عند صورة لأم كلثوم وهي تقف أمام المايكروفون تسرح. تشرد بعيداً في لحظة حلم خاطفة ترى فيها نفسها تغني. وبمجرد أن غنت زارت الابتسامة شفتيها.

الآن، في رأسها تبدو الصورة كالتالي: الناس تسمعها، تُعجَب بها وتصفِّق لها.

حتى جدران الغرفة تتمايل على صوتها بينما تنطلق حنجرتها بالغناء لأسمهان وفريد الأطرش.

الآن، قلبها يدق، حلمها يكبر، مشاعرها تشرق. الوقت يمضي وهي ما زالت مغمضة العينين تغني في سرّها وصلة واثنتين وثلاثاً.

وبدلاً من أن تسمع تصفيق الجمهور تفيق على صوت أخيها مسعود وهو يقول {إصحي يا وردة}.

تضحك وردة بعد أن حكيتُ لها عن هذه الصورة الموجودة في ألبوم ذاكرتها وتعلِّق قائلة: {كنت طفلة عدوانية وكان البعض يطلق عليّ لقب {الشرسة} والسبب نصائح والدي التي كانت تحاصرني ليلاً ونهاراً بأن أكون جادة وألا {أهزر} مع أي شخص، ما جعلني منطوية على نفسي و{في حالي}. كان يخاف عليّ من زبائن المطعم الذي يملكه، ويريد أن أظل بعيدة عن عيون الناس.

آنذاك كانت والدتي مريضة بالسكري وكنت أسهر على علاجها وراحتها فافتقدت  كثيراً الى حضنها وحنانها. افتقدت دفء الأمومة الذي قضى عليه المرض فأراد أبي أن يعوضني عن هذا الحنان ولذلك كنت مدللة جداً بين أخوتي: حميدو ومسعود وكمال ونادرة رحمها الله.

أُطلق عليّ اسم {الطفلة المعجزة} لأن مجيئي كان صدفة لم يتوقعها أحد، والغريب هو شعوري بأني ما زلت طفلة حتى الآن.

مثلاً، شاهدت من فترة قصيرة فيلماً من بطولة {بامبي} وهو إحدى شخصيات والت ديزني فبكيت بشدة في المشهد الذي يقتل فيه الصيادون أمه بينما هو يصرخ {ماما}. ذكرني هذا المشهد بأسوأ لحظة في حياتي حين تركت أولادي في الجزائر وجئت لأغني في القاهرة. كنت أتمزق بين مشاعر متناقضة وأحاسيس حائرة ولم أجد شاطئ الراحة الذي أستقر عنده.

كانت دموعي هي صديقتي وكنت أموت في اللحظة مئة مرة شوقاً لسماع كلمة {ماما} التي فصلتني عنها أميال كثيرة}.

ما أهم قيمة تعلّمتِها من والدك؟

الحنان، وعلى رغم الظروف الصعبة التي مرّ بها كان صلباً لم تكسره مشاكله، بل منحته القوة ولم تحرمه من الرقة، علّمته التحدي وحافظت على الحب في داخله. علّمني أبي حب مصر وعبد الناصر والوطنية والعروبة، كان وجودي في باريس يجعله في حالة رعب من أن أفقد هويتي العربية أو جذوري الشرقية.

أذكر عندما غنيت أوبريت {وطني الأكبر}، عشت في حالة ذهول لمدة دقائق عندما صافحت عبد الناصر ونظرت في عينيه فنسيت الكلام لأني كنت أراه الزعيم الذي نجح في توحيد القلوب حول محبته، وحين قال لي {أهلاً بالجزائر} شعرت بالفخر لأني من بلد له تاريخ مع النضال.

كان صوت عبد الناصر وثقته في عروبته يجعلانني أقول وأنا في باريس {الجزائر حتكسب وفرنسا حتمشي}، كانت أحاسيس أكبر من عمري، وهي التى  قادتني الى اكتشاف الغناء. لقد أدركت قيمة صوتي عندما غنيت في مصر، وكنت أشعر بالخوف كلما ذهبت الى باريس من ألا أعود الى مصر مجدداً.

 هل تذكرين المرة الأولى التي غنيت فيها؟

كنت في الحادية عشرة من عمري، وكانت حفلة للأطفال على أحد مسارح باريس، وبمجرد أن اقتربت من المايكروفون فقدت النطق تماماً فبكيت وصفّق لي الجمهور ليشجّعني، إلا أني شعرت بالإحباط ولم أعرف آنذاك سر هذا الصمت الذي أصابني على رغم أنني كنت أغني في البيت مثل {العفريتة}.

ومتى بدأت تستردّين ثقتك في نفسك أمام الجمهور؟

بعد أن انتقل والدي الى مطعم آخر متخصِّص في تقديم أطباق {الكسكسي} وكان فيه تخت أندلسي شارك فيه كبار المطربين مثل محمد فوزي وفريد الأطرش. وأذكر أنني كنت أستأذن والدي لأغني مع هؤلاء المطربين، فغنيت مع فريد {يا جميل يا جميل} وكنت من عشاق أفلامه خصوصاً تلك التي شاركته فيها سامية جمال. وكنت مدمنة أيضاً على أفلام المطربة نور الهدى.

آنذاك كنت أغني مثل الببغاء من دون إحساس أو انفعال لأني كنت طفلة لا تفهم معنى كلمات الحب التي تقولها. وفي أحد الأيام أغلقت سلطات الاحتلال المطعم بعد أن اتهمت أبي بالتعاون مع الفدائيين واكتشفت وجود أسلحة. الطريف أن والدي كان يعطيني منشورات لأضعها في حقيبتي المدرسية وأوزّعها من دون أن أدرك مغزى ما أفعله، وكان يلجأ إلى هذه الحيلة لثقته بأن أحداً لن يفتشني.

back to top