هجاء السلاح: المقاومات كحروب أهليّة مُقنّعة المزاج الفرنسي في الثلاثينيات صنعته صحف اشترتها سفارتا ألمانيا وإيطاليا! (الحلقة 4)
سنوات الفراغ والتفسخ في فرنسا
التحالف مع الشيوعيين كان بالغ الإعضال بدوره. فليون بلوم، أول اشتراكي ويهودي يحكم فرنسا في يونيو 1936، باشر تقاربه معهم وهم في أوج توسعهم، لا سيما في أوساط الشبيبة. وهو كان في حاجة إلى أصواتهم، الا أنه عجز عن حملهم على تبوء منصب وزاري، ما تركهم طلقاء في ممارسة النقد المتواصل للحكومة بوصفهم من يملك «وزارة الجماهير» وشرعيتها الثورية. لقد كان الحزب الشيوعي أكثر عناصر الائتلاف نمواً سريعاً، ما أضاف جرعة خوف إضافية إلى الخائفين من بلوم. فهم رأوه، عن غير وجه حق، أسير الشيوعيين الذين كانوا يوجهون سهامهم اليه. وفي يونيو 1937، ولأسباب تتصل بالسياسة الخارجية أساساً، استقال بلوم. وإذ انهارت تلك التجربة، تشكلت ثلاث حكومات بين ذاك التاريخ وقيام حكومة بيتان في يونيو 1940، إحداها شكلها بلوم نفسه في مارس 1938، فعمرت أقل من شهر واحد. وقصارى القول إن تجربة «الجبهة الشعبية» بقدر ما عكست تناقضات فرنسا الداخلية كانت تعبيراً عن استحالة الحاكمية في ظل هذه التناقضات التي زادتها الظروف الأوروبية استعاراً. وكما يوضح يوجين فيبر، في كتابه «سنوات الفراغ: فرنسا في الثلاثينيات»، فإن ذاك العقد كان مترعاً بموضوعة الانحدار والانحسار الوطنيين. فمع أنهم هزموا الألمان في الحرب العالمية الأولى وكانوا سادة أوروبا القارية غير المنازَعين في العشرينات، رأى الفرنسيون أنفسهم بوصفهم أسرى تفسخ مديد لا يعوضه انتصار حربي. وفي أوائل الثلاثينيات بدأ انتصارهم على ألمانيا يفقد كل زخم فيما راحت أواسط ذاك العقد تسجل تناقصاً في عدد السكان بنتيجة تفوق نسب الوفيات على نسب الولادات. قبل ذلك، وفي ما بين 1900 و1939، لم تتعد الزيادة الإجمالية في السكان نسبة الـ3 في المئة، حصل معظمها لا بسبب التناسل الطبيعي بل تبعاً للهجرة الجديدة التي عرفتها العشرينات، خصوصاً من ايطاليا وبولندا. فمن دون هذه الهجرة كان السكان الفرنسيون مرشحين للانخفاض في وقت أسبق وبنسبة أكبر، وهذا فيما كان سكان معظم بلدان القارة الأوروبية يزدادون بنسب ملحوظة. وكان من نتائج تراجع نسب الولادات الفرنسية، خلال 1914-1918، أن شهد التطوع في المؤسسة العسكرية، أواسط الثلاثينات، انخفاضاً حاداً. ومن هنا ظهر هذا الميل الذي استولى على المخططين العسكريين ودعاة السلام الباسيفيين سواء بسواء من أن فرنسا لن يكون في وسعها خوض حرب أخرى. شراء المزاج الفرنسي كان لانحسار ديموغرافي كهذا قياساً بما كانت تستعرضه بلدان سلطوية الحكم في جوار فرنسا من طاقة قتالية وقومية، أن فاقم المزاج الانهزامي. لكن هذا لم يحمل على توقع الهزيمة لفرنسا بدليل ان جنرالات هتلر الأكثر تشاؤماً لم يساورهم، أقله حتى 1938، ان يكون خصمهم على الضعف الذي أبداه. وهذا المزاج الفرنسي هو الذي كمن وراء اتفاقية ميونيخ في 1938 فيما ظهر لاحقاً أن جزءاً أساسياً من صحافة فرنسا اليومية والأسبوعية كانت قد اشترته السفارتان الألمانية والإيطالية، وأن نسبة الرجال غير الصالحين للخدمة العسكرية بلغت في ذاك العام 33 في المئة قياساً بـ17 في المئة في المانيا، وان الجنرال موريس-غوستاف جميلان حين وقع تعهد فرنسا العسكري حيال بولندا عام 1939 كان غير جدي في تعهده مهاجمة المانيا إذا ما غزت بولندا. والسبب الآخر للإمعان في التمجيد اللاحق للمقاومة أن التحرير نفسه ما كان ليتحقق لولا الجهد الحربي الأنغلو أميركي، وهو ما فاقم الشعور الفرنسي بالعار والقصور. وهذا ما تعرض للقلب العكسي لاحقاً، فجُعلت المقاومة تلك موديلاً للمقاومات ومعياراً تُمتحن عليه وتُقاس به. وهو جميعاً كان من أفعال السعي الإيديولوجي الذي ظل طويلاً ينتظر أحكاماً، لا تني تتتالى، أقل هوى وأشد اعتماداً على الأرشيفات والشهادات والمقارنات الفعلية والموثقة. فالكتاب الفرنسيون، في تعاطيهم مع المقاومة، انقسموا دائماً تبعاً لخطوط حزبية وعقائدية، فكان كل طرف منهم يعمم سرداً أقرب إلى الأسطورة منه إلى الرواية التاريخية. هكذا، وكما يبين هنري روسو في «عقدة فيشي: التاريخ والذاكرة في فرنسا منذ 1944»، دافع طرف عن مقاومة تمجد أمة نهضت في وجه الاضطهاد الألماني بعد فترة عابرة جداً من الحيرة والالتباس. وحسب ذاك السرد، الذي تشارك فيه الديغوليون والشيوعيون، لم تكن حكومة فيشي والمتعاونون في باريس غير حفنة من الرجعيين أو الخونة، من دون أن يمتلكوا جذوراً في تاريخ البلد وتقاليده. أما الخرافة الثانية فاخترعها الفيشيون أنفسهم، ثم أشاعها عدد من الكتاب والسياسيين، ومفادها أن حكومة فيشي كانت «ترس» فرنسا، ومحاولة نبيلة لحماية الأمة من كارثة كالتي حلت ببولندا، ولاستعادة النظام الثقافي الذي هزته انشقاقات الثلاثينات. وعلى النحو هذا وجد أنصار حكومة فيشي ما يبرر لهم إصرارهم على أنهم، هم أيضاً، قاتلوا، بطريقتهم، الألمان. جيل الشبيبة وحرج الآباء الحق أن مشكلة فرنسا تلك اتصلت بتاريخها على نحو لا فكاك منه. ذاك أن مسألة فيشي وظهورها لم تنفصل خلفياتها عن ثقافة سياسية حادة ومتطرفة في انحيازاتها، منذ ثورة 1789 مروراً بقضية درايفوس ووصولاً إلى ثلاثينيات «الجبهة الشعبية» والتوتر اليميني المحتقن. لكنْ لماذا انفتح، في مطالع السبعينيات، النقاش عن سنوات الاحتلال؟ ذاك أن تظاهرات مايو 1968 وقمعها، حسب هنري روسو، هزت اليقينيات التي تتعدى السياسة إلى التاريخ والثقافة، كما شجعت المنشقين الشبان على التعبير الناري عن رغباتهم. وكان للمساجلة التي أحاطت برفض التلفزيون الفرنسي عرض عمل مارسيل أوفُلس «الأسى والشفقة»، عام 1971، أن أشعل الفضول الذي شاءت الحكومة أن تطفئه. وأهم من هذا جميعاً أن جيلاً جديداً من الشبيبة بدأ يسأل آباءه أسئلة محرجة عما فعلوه في الحرب. قبل ذلك فعل الآباء الكثير لطمس الحقائق وطمس النقاش حولها. ومثلهم كان دور الدولة الفرنسية كبيراً جداً في تصنيع الذاكرة بما يلائمها، بحيث يناط بالعموميات القومية القفز فوق التفاصيل الفعلية. من ذلك، مثلاً، ان الجنرال ديغول، إبان رئاسته، أنشأ يومين احتفاليين لإعادة دفن بطل المقاومة جان مولان في البانثيون في ديسمبر 1964. ويقدم روسو مادة غنية عن العراضات العسكرية، والوفود التي روعيت فيها التوازنات بدقة، وخطبة أندريه مالرو التي تميزت بها المناسبة، كما يولي عناية خاصة للأفلام والتلفزيون مما كان، من دون شك، أهم بكثير من التاريخ المدرسي لجهة التأثير في تصور الماضي وفي تشكيله. احتكار البطولات ويميز هنري روسو في كتابه «عقدة فيشي» أربع مراحل في مسار هذه العملية التي كادت تنتهي، قبل أن تنفجر، إلى إجماع زائف، ولو من موقعين وبلغتين: الأولى، زمن «الحزن غير المكتمل»، حينما لم تتوافر طريقة مقنعة للاحتفال بالتحرير الذي كان، في حقيقته، هزيمة لقطاعات أساسية من النخبة الفرنسية، ولتكريم الموتى الذين سقطوا في ما يشبه حرباً أهلية. هكذا لم يوجد، أثناء الحرب العالمية الثانية، ما يعادل يوم الهدنة عام 1918، آخر سنوات الحرب العالمية الأولى، والذي أمكن جميع الفرنسيين أن يتفقوا حول معناه. أما المرحلة الثانية، بين 1954 و1971، فشهدت اتفاقاً ضمنياً ومداوراً على تجاهل تلك النزاعات مصحوباً بقدر من شعور بالمرارة. فأنصار فيشي تم تلطيف صورتهم من خلال نظرية «الترس» الذي بموجبه «أنقذ» الماريشال بيتان الفرنسيين من الأسوأ. وأما الديغوليون والشيوعيون فتشاركوا في «شرف مُخترَع» يرتكز على ذاكرة رسمية لفرنسا تقول بالتزامها الكامل والمطلق بالتحرير، مع خلافات في تأويله، لا سيما ما خص مصادر إنتاج «الأبطال». وما صح في فرنسا عموماً، لناحية التورط في التعاون مع العدو، يصح خصوصاً في الحزب الشيوعي الذي دان الحرب عام 1939، من موقع «الانهزامية الثورية»، بوصفها مهمة رأسمالية، قبل أن يغير موقفه، بين ليلة وضحاها، مع غزو هتلر روسيا، ليلعب دوراً ناشطا في المقاومة والوطنية المناهضة للفاشية، لا بل يدعي احتكار البطولة بوصفه «حزب المقتولين بالرصاص» (le parti des fusille’s)، فضلاً عن البطولات التي استعارها من انتصار الجيش الأحمر وخص نفسه بحصة منها. وبنسيانه تأييده المبكر لمعاهدة مولوتوف-ريبنتروب، أصبح الحزب القوة الأساسية وراء تصفيات الحساب الثأرية مع متعاونين فعليين أو وهميين. وكان «التطهير» ‘l’epuration’، كما سمي، نشاطاً عديم الطهر، إذ أُخضعت القيم الأخلاقية لـ «العدالة الثورية» التي لم يكن أغلبها عدالةً، بل أفعال انتقام من مواطنين كثيرين ضُبطوا في أوضاع غامضة وملتبسة. وكان تصنيف التعاون قاسياً وشاملاً يعبر الحيز الشخصي إلى العام والسياسي، ويفسح في المجال لوشايات على الجيران والأصدقاء بعضها مفتعل أو مبالغ فيه، بما يدل إلى حجم التطلب الفرنسي لنوع من التطهر الذاتي. حين انكسرت المرآة كان ذلك جميعاً هو ما حرك الضمير الثقافي، فكان الأديب الكاثوليكي فرانسوا مورياك من أول الذين دانوا حملة «التطهير» هذه، تلاه ألبير كامو، الأديب الشيوعي سابقاً والمقاوم من موقعه كرئيس تحرير لإحدى صحف المقاومة، جريدة «كومبات». بيد أن تحول كامو لم يكن بسيطاً ولا بسيط الدلالات والمعاني الفرنسية. ففي سجال بينه وبين مورياك بعد التحرير، حول المتعاونين ومعاقبتهم، جادل مورياك، الذي قاتل في المقاومة وكانت له مساهمة أكبر من مساهمة كامو، مدافعاً عن اللين المطلوب من المحاكم التي شُكلت لمحاكمتهم. أما مساجلُه، صاحب الافتتاحيات النارية ضد الغزاة والمتعاونين معهم، فرفض العفو ولم يمانع في التخلص من بعض الجسد الحي لفرنسا في سبيل إنقاذ روحها. وفقط في 1946 اعتنق كامو موقف مورياك، وغدا يدين عقوبة الإعدام وسائر حملة الثأر والانتقام. على أنه قرابة 1971، ابتدأت مرحلة أخرى «انكسرت المرآة» فيها، فشرعت التأويلات الرسمية تتعرض للمساءلة. وأخيراً، اختفت التحريمات القديمة وظهر علناً حجم الهوس بفيشي وبالتعاون مع الألمان مما استولى على الفرنسيين، حاملاً روسو على تسمية الظاهرة في مجملها «عقدة فيشي». وفي سياق التحولات هذه، كان كلاوس باربي، رئيس الغستابو في مدينة ليون، أول من يُدان. فهو من يُعتَقد أن التعذيب الذي أنزله بجون مولان، لدى استجوابه، كان ما أودى به، علماً بأن بول توفييه، الرجل الدموي الذي ساعد الألمان جاهداً لقمع المقاومة، كان، في 1973، أول من تعرض للاتهام. وقد استثيرت مشاعر حادة في موازاة انفجار قضية توفييه ارتبطت بسياسات راهنة حينذاك. ذاك أن ما لفت النظر إليه كان عفواً أصدره الرئيس جورج بومبيدو، ثم شاع أن توفييه اختفى لسنوات في أديرة ومؤسسات دينية بعدما أعانه على اختفائه أصوليون كاثوليك. معسكرات الموت حوكم وحُكم بعض كبار رسميي فيشي جراء مشاركتهم في ترحيل اللاجئين من يهود أوروبا إلى معسكرات الموت، فشملت (حتى 1991) الرئيس السابق للبوليس الفرنسي رينيه بوسكيه، ونائبه في باريس جون ليغويي، وموريس بابون، الأمين العام السابق لشرطة مدينة بوردو في ظل الاحتلال الألماني لها، والذي تولى منصباً وزارياً وعدداً من المناصب المهمة في عهد ديغول، ثم وزارة الخزانة في عهد فاليري جيسكار ديستان في السبعينيات. وقد أثارت محاكمة بابون عدداً من الديغوليين الذين كانوا من قادة المقاومة فشهدوا لصالحه واعتبروا التهم الموجهة إليه تعبيراً عن «مازوشية وطنية» لدى شعبهم.