الحكومة وملا عليوي

نشر في 18-08-2009
آخر تحديث 18-08-2009 | 00:00
 د. صلاح الفضلي لابد لمن يتابع حال الحكومة أن يشفق عليها بدلاً من أن يقسو عليها، فهي لا تعرف مصلحتها، وهي لا تتحرك إلا بالزجر والتهديد، ولو كانت تمتلك روح المبادرة وتعرف ما هي واجباتها فتقوم بها لما عرضت نفسها لكل هذه الانتقادات والإهانات.

يروى أن رجلاً اسمه «ملا عليوي»، كان يُعلم الصبيان، وكان رجلا صالحا، متديناً يؤدي الصلاة بأوقاتها، وكان له ولد كسول يتقاعس عن أداء فريضة الصلاة، ولا سيما صلاة الفجر، وكان «ملا عليوي» يأتي إلى فراش ولده، صباح كل يوم، فيوقظه من نومه، ويجبره على النهوض، وتأدية صلاة الفجر. وكان الولد كثيراً ما يتكاسل عن القيام للصلاة، فيتلقى من أبيه التأنيب والإهانات والضرب أحياناً. وفي ذات يوم من أيام الشتاء الباردة، جاء «الملا عليوي» إلى فراش ولده، فأيقظه من نومه، ودعاه لصلاة الفجر، فتكاسل الولد عن النهوض من فراشه، فأيقظه أبوه ثانية، فتكاسل الولد عن النهوض مرة ثانية، فامتلأ «الملا عليوي» غيظاً، وتناول عصاً غليظة وضرب بها ولده عدة ضربات، فنهض الولد من فراشه، وأسرع إلى الماء فتوضأ، ثم وقف للصلاة، فاستقبل القبلة، ورفع يديه إلى أذنيه ينوي الصلاة، وصاح بأعلى صوته: نويت أن أصلي فرض الصبح ركعتين (جفيان شر لملا عليوي).. الله أكبر! ثم ذاع ذلك الحديث بين الناس، فعجبوا من كسل هذا الولد، وذهب ذلك القول مثلا لمن يقصر في أداء واجباته حتى يأتي غيره فيجبره عليها.

علاقة مجلس الأمة بالحكومة مثل علاقة «ملا عليوي» بولده، فالحكومة لا تتصدى لقضية ولا تحاول حل مشكلة إلا بعد أن يبادر أعضاء مجلس الأمة إلى إثارتها ويملوا من الإلحاح على الحكومة بضرورة حلها، إلى أن يصلوا إلى تهديد الحكومة بالعصا الغليظة. عندها فقط تصحو الحكومة من سباتها العميق وتفرك عينيها وتقوم متثاقلة من فراشها الدافئ لتفكر كيف تحل هذه المشكلة، ليس لأن من واجبها ذلك، بل فقط للتخلص من إزعاج «ملا عليوي»، وما إن تتخلص من مشكلة حتى تعود إلى كسلها، وتتكرر الحال مرة أخرى بين الحكومة و«ملا عليوي» في اليوم التالي، ولو أن الولد الكسول قام بواجبه وصلى الصلاة في وقتها لما أزعجه وضربه «ملا عليوي».

لابد لمن يتابع حال الحكومة أن يشفق عليها بدلاً من أن يقسو عليها، فهي لا تعرف مصلحتها، وهي لا تتحرك إلا بالزجر والتهديد، ولو كانت تمتلك روح المبادرة وتعرف ما هي واجباتها فتقوم بها لما عرضت نفسها لكل هذه الانتقادات والإهانات، وإلا هل تحتاج مشكلة المسرحين من القطاع الخاص إلى دور انعقاد غير عادي لو أن الحكومة تصدت لهذه المشكلة وحلتها بسرعة دون مماطلة. حل مشكلة المسرحين لا يعني أن المشكلة انتهت، إنما مجرد حل لمشكلة طارئة، لكن المطلوب بالفعل هو إقرار قانون العمل الأهلي الموجود على جدول أعمال دور الانعقاد الطارئ، وهو القانون الذي يفترض أن يحل أصل المشكلة بدلاً من حلول الحكومة الترقيعية.

ما يثبت أن الحكومة- من حيث تدري أو لا تدري- هي من تصنع التأزيم مع مجلس الأمة أن تصريحات وزرائها تستعدي النواب عليها، وآخرها تصريحات الوزراء الروضان ومحمد الصباح والعفاسي من أن الحكومة لم تقرر بعد حضور دور الانعقاد الطارئ، وأن القرار بيد رئيس الوزراء. هذه التصريحات تثبت أن مجلس الوزراء قد تم اختزاله- عبر الحكومات المتعاقبة- بشخص الرئيس، أما الوزراء فهم مجرد «كمالة عدد»، فالدستور يلزم الحكومة بالحضور لدور الانعقاد الطارئ، وليس لها خيار غير ذلك، وهذا ما رضخت له الحكومة في اجتماعها يوم الأحد الفائت. مثل هذه التصريحات من قبل الوزراء تثبت إما أن الحكومة مجتمعة لا تقرأ نصوص الدستور واللائحة الداخلية لمجلس الأمة وإما أنها لا تعرف شيئا بالسياسة، والأرجح- حسب رأيي- أن كلا الأمرين موجود في الحكومة.

حكومة بهذا النمط من التخبط وقلة الحيلة لا يمكن أن تكون حكومة قرار، أو حكومة قادرة على أن تقود البلد إلى التنمية التي تتغنى بها يومياً، إنما هي حكومة أقرب ما تكون إلى حكومة تصريف العاجل من الأمور، وهكذا حكومة لا ينفع معها إلى عصا «ملا عليوي».

تعليق: نبارك للجميع قرب حلول شهر رمضان المبارك أعاده الله عليهم بالخير والبركة، كما نعزي أسر الضحايا في مأساة حريق الجهراء، وندعو الله أن يلهمهم الصبر والسلوان.

 

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء

back to top