لا تكن متطلّباً جداً مع نفسك!

نشر في 28-01-2010 | 00:00
آخر تحديث 28-01-2010 | 00:00
تقود المبالغة في التطلّب إلى آثار سلبية على مستوى توازن حياة المرء وتطوّره الشخصي. لذا علينا أن نتعلّم يومياً كيفية التخلّي عن مقاومتنا الأمور التلقائية والاعتراف بالحدود المرسومة لنا.

تعترف منى، 42 عاماً، بأن متطلبّاتها الزائدة تفسد عليها حياتها أحياناً: {أبحث عن تجاوز قدراتي في العمل وفي المنزل ومع أصدقائي... وأينما كان! لا أستطيع فعل أي شيء من دون التفكير بقدرتي على القيام بالمزيد. لكن ما إن أنفّذ عملاً معيناً، يتملّكني شيء من المرارة، وأشعر بالخيبة من نفسي. ليس الأمر بيدي. هكذا هي الأمور ولا أستطيع تغييرها!}.

الطفولة

وفقاً لعلماء النفس، من الواضح أنّ التطلّب صفة تُكتسب منذ الطفولة. لا شك في أن الأهل فرضوا علينا تربية تعلّمنا تحقيق أفضل النتائج. عبر تحديد أهداف تربوية، يُفهمنا الأهل استحالة إثبات الذات والارتقاء في المجتمع من دون استثمار مواردنا الخاصة وتجاوز حدود قدراتنا. كذلك، يُعتبر التطلب من المبادئ التأسيسية لتطوّرنا الشخصي الضروري للتفتّح العقلي. قد يمارس الأهل ضغوطاً على أبنائهم، ما يقودهم إلى مطالبة أنفسهم بالمزيد. ينجم التطلّب المبالغ فيه عن جوّ عائلي وتربوي يتعلّم خلاله الطفل، رغماً عنه، تحقيق أهداف صعبة المنال. لذلك، يدخل الطفل في حلقة مفرغة من عدم الرضى المزمن، فيرفض بعنف كلّ فشل يواجهه ويفقد شعور الأمان والثقة ويجد صعوبة في استعادتهما.

يروي كريم، 35 عاماً، تجربته في هذا المجال قائلاً: {أتذكّر أن أهلي كانوا صارمين جداً معي في طفولتي. إذا لم أكن الأول في صفّي، كانت أمي تثور غضباً وتضربني أحياناً لإفهامي أنني خيّبتُ أملها. في شهادتي الثانوية مثلاً، حصلتُ على علامة تقدير {جيّد}، فغضبت بالطريقة نفسها ولم تكلّمني طوال شهر. لذلك، لا أستطيع فعل أيّ شيء في عملي اليوم من دون الشعور بالخيبة من نفسي. قد يبدو الأمر مضحكاً جداً لكني أؤكد أنه شعور مزعج، والدليل على ذلك أنني ذهبتُ لاستشارة طبيب نفسي في السنة الماضية. شرحتُ له كيف يفسد هذا الأمر حياتي وكيف أشعر بأني أسير هذه الحالة مع مرور الأيام}.

مجتمع السرعة

وفقاً لعلماء النفس، تكمن مشكلة التطلّب في أنه قد يؤدي إلى حالة من الهوس المرضي بسهولة. بعبارة أخرى، حين يسعى الفرد بكلّ قوّته إلى تجاوز حدود قدراته، يتعلّق بكلّ ما كان يمكنه فعله فيما لو... في الواقع، تشكّل كلمة {لو} محور المشكلة لأنها تعني أن الحياة تُبنى على الافتراض بدل اليقين والواقع. يساهم العيش على الفرضيات بشكل دائم في حصر الذات في منطق من الخيبات المتتالية.

على المستوى النفسي، يطوّر الشخص المتطلّب شعوراً دائماً بالإرهاق ونبذ الذات، فيتساءل: {لماذا لا أستطيع تحقيق المزيد؟ هل الأهداف التي أحددها بمستوى قدراتي نفسه؟} إنها أسئلة قد تحوّل حياة الفرد إلى سباق متواصل، ما يمنعه من الخروج سالماً والانفتاح على الحياة والتمتّع بها. لا تساعد مجتمعاتنا التي تخوض عصر السرعة وتحقّق نجاحات عدة في تصحيح هذا الوضع. بالنسبة إلى العاملين في مجال الأعمال، وفي الشركات تحديداً، لا يجد الفرد اليوم خياراً آخر إلا إعطاء أفضل ما لديه. إذ يفرض رب العمل عليه أهدافاً يجب تحقيقها ويشدد على أن الفشل في إتمام المهمّة يعني الاستغناء عن خدماته. في المقابل، إذا حقق هذا الفرد الأهداف المطلوبة منه، يحدد له المسؤولون أهدافاً أخرى أكثر صعوبة، ما يجبره على تجاوز حدود قدراته، وإلا لا يكون مواكباً للعصر.

توقّف عن المقاومة

يرى علماء النفس أن معرفة حدود قدراتنا لا تعني إطلاقاً الاستسلام والتخلّي عن المهمّة الموكلة إلينا، بل ببساطة تقبّل فكرة أننا كائنات بشرية لها نقاط قوة معيّنة لا يمكن تجاوزها، لا فكرياً ولا جسدياً. يروي أحد العدّائين السابقين أنه اضطرّ إلى وضع حدّ لمسيرته الرياضية باكراً لأنه كان متطلباً جداً ولم يكتشف حدود قدراته: {بالغتُ كثيراً. طالما سعيتُ إلى تحقيق أهداف تفوق قدراتي. كان المدرّبون يشجّعونني على ذلك ويؤكدون لي أنها الطريقة الوحيدة للنجاح في هذا الميدان. انتهى بي الأمر بإيذاء ظهري واضطررت إلى إنهاء مسيرتي المهنية في سن التاسعة عشرة. لو أنني كنتُ متساهلاً أكثر مع نفسي، لتمكّنتُ ببساطة من ممارسة المهنة التي أحبّها لفترة طويلة}.

إحدى الوسائل المفيدة لتجنّب إيذاء النفس، الإصغاء إلى حاجاتنا ورغباتنا، وبالتالي التخفيف من نسبة التطلب المدمِّر الذي يحوّلنا إلى ضحايا في بعض الحالات. باختصار، للتمتع بحياة غنية ومتوازنة، على كلّ شخص أن يتعلّم كيفية التعرف إلى نفسه، عبر الاسترخاء والتوقف عن مقاومة الحاجة إلى الراحة، والتحرر من الضغوط، لأن الحياة تعني أيضاً تخصيص الوقت للذات.

شهادة حيّة

ليلى، 32 عاماً: {في الحبّ، نجد أشخاصاً متطلّبين إلى حدّ أنهم لا يجدون نصفهم الآخر. لكنّ الوضع مختلف بالنسبة إليّ. فأنا متطلبة مع نفسي! بل إنني متطلبة أكثر من اللزوم إلى حدّ أنني عجزتُ لوقتٍ طويل عن بناء علاقة عاطفية مستقرة وطويلة الأمد مع أحدهم. تكمن المشكلة في رغبتي في التميّز على جميع المستويات، العاطفية، الفكرية، المهنية... كنتُ أكرّس نفسي تماماً لما أفعله وأصاب بالخيبة في نهاية المطاف، ما يدفعني إلى هجر الشريك لاقتناعي بأنني لم أكن على المستوى المطلوب. تكرر الأمر نفسه مرّات عدة إلى أن قررتُ استشارة المعالج النفسي. بعد فترة من العلاج، فهمتُ تدريجاً أنّ الأمر ناجم عن قلة ثقة بالنفس. فتعلّمتُ تخطّي إخفاقاتي واستعادة ثقتي الضائعة. عادت الأمور اليوم إلى نصابها الطبيعي تقريباً. صرتُ أدرك حدود قدراتي والأهمّ هو أنني أتقبّلها!}.

{في الحبّ، نجد أشخاصاً متطلّبين إلى حدّ أنهم لا يجدون نصفهم الآخر. لكنّ الوضع مختلف بالنسبة إليّ. فأنا متطلبة مع نفسي! بل إنني متطلبة أكثر من اللزوم إلى حدّ أنني عجزتُ لوقتٍ طويل عن بناء علاقة عاطفية مستقرة وطويلة الأمد مع أحدهم. تكمن المشكلة في رغبتي في التميّز على جميع المستويات، العاطفية، الفكرية، المهنية... كنتُ أكرّس نفسي تماماً لما أفعله وأصاب بالخيبة في نهاية المطاف، ما يدفعني إلى هجر الشريك لاقتناعي بأنني لم أكن على المستوى المطلوب. تكرر الأمر نفسه مرّات عدة إلى أن قررتُ استشارة المعالج النفسي. بعد فترة من العلاج، فهمتُ تدريجاً أنّ الأمر ناجم عن قلة ثقة بالنفس. فتعلّمتُ تخطّي إخفاقاتي واستعادة ثقتي الضائعة. عادت الأمور اليوم إلى نصابها الطبيعي تقريباً. صرتُ أدرك حدود قدراتي والأهمّ هو أنني أتقبّلها!}.

رأي الخبراء

لماذا يكون البعض متطلّباً جداً مع نفسه؟

تعود جذور التطلب إلى طريقة التربية التي يتلقاها الفرد في طفولته. إذا كان أهل الطفل لا يشعرون أبداً بالرضى أو يطالبونه بأمور تفوق قدرته، يجد هذا الفرد صعوبة كبيرة في الخروج من هذه الدوامة في سن الرشد. فيسعى دوماً إلى تجاوز حدود قدراته ويتحمّل عواقب ذلك.

كيف يُترجم التطلّب المبالغ فيه؟

يظنّ أشخاص كثيرون في مجال العمل مثلاً أنّ التطلّب يُترجم حصراً على مستوى الكمية. لكنه في الواقع يُترجم على مستوى نوعية الأداء. يسعى الشخص المتطلّب دائماً إلى الوصول إلى {الكمال}، وهو أمر مستحيل لأنّ أحداً ليس كاملاً. على صعيد آخر، من الملاحظ أنّ الشخص المتطلّب لا يعرف نفسه جيداً.

ما معنى ذلك؟

لكلّ منا حدود لا يمكن تجاوزها. لكن يميل الشخص المتطلب الذي لا يعرف حدوده أو يرفضها إلى تجاوزها باستمرار، ما يُدخله في دوامة من عدم الرضى. لتجنّب ذلك، علينا أن نتعلّم كيفية استثمار قدراتنا يومياً بطريقة صحيحة وفاعلة وإلا سنفقد احترامنا لأنفسنا.

اختبار

-1 كيف كان يتعامل أهلك معك في طفولتك؟

أ- يصغون إليك لكن يمارسون عليك ضغوطاً كثيرة أحياناً.

ب- يبثّون الثقة فيك ويحترمون حدود قدراتك.

ج- يمارسون عليك ضغوطاً هائلة لتكون الأفضل دائماً.

2- في العمل:

أ- تعطي أفضل ما عندك دائماً.

ب- لا تعترف بأي حدود لقدراتك وتسعى إلى تجاوزها دائماً.

ج- تقوم بما يُطلب منك لا أكثر.

3- حين تنظر في المرآة، ماذا ترى؟

أ- شخصاً غريباً بالنسبة إليك.

شخصاً غريباً بالنسبة إليك.

ب- أفضل صديق لك، شخص تعرفه على أكمل وجه.

أفضل صديق لك، شخص تعرفه على أكمل وجه.

ج- شخص تجد صعوبة في تحديد شخصيّته أحياناً.

-4 إذا كانت الثقة بالنفس فصلاً من الفصول، أيّاً منها تختار؟

أ- الخريف: ثقة باهتة وحزينة.

ب- الصيف: ثقة جافّة قليلاً لكن ملوّنة.

ج- الربيع: ثقة وافرة ومتجددة.

-5 بالنسبة إليك، التطلّب مع الذات يعني:

أ- مفتاح النجاح الذي يجب الحفاظ عليه.

ب- الطريقة الوحيدة للوصول إلى الكمال.

ج- ميزة إضافية صغيرة، لا أكثر.

-6 إنها التاسعة مساءً! ما زال أمامك عمل كثير للغد.

أ- لا تكترث للأمر وتذهب إلى النوم.

ب- تمضي الليل بطوله في العمل إذا دعت الحاجة.

ج- تعتمد حلاًّ وسطاً: تنهي قسماً من العمل هذا المساء وتكمله في اليوم التالي.

-7 الاعتراف بحدود قدراتك:

أ- أمر يزعجك.

ب- وسيلة للتقدم في الحياة بصدق أكبر.

ج- في الواقع، لم تخطر هذه الفكرة على بالك أبداً.

-8 الجملة التي تعبّر عن حالتك هي:

أ- {الذهاب إلى أقصى الحدود}.

ب- {تخصيص الوقت اللازم للإصغاء إلى حاجات الذات}.

ج- {الاستسلام لرياح الحياة المتقلّبة}.

-9 بالنسبة إليك، ما هو الفشل؟

أ- وسيلة للتقدم بخطىً ثابتة.

ب- أمر مزعج للغاية.

ج- أسوأ ما قد يصادفه أي شخص.

-10 بالنسبة إليك، ما هو {الكمال}؟

أ- هدف لا يمكن تحقيقه.

ب- هدف حياتك.

ج- أمر يحملك إلى عالم الأحلام.

تحليل النتائج

أكثر من 21 نقطة:

الحياة تحدٍّ حقيقي!

أنت شخص متطلّب إلى أقصى حدّ. لا تسمح لنفسك بارتكاب أيّ خطأ وأكثر ما تكرهه هو الفشل. تجبر نفسك دوماً على تجاوز حدود قدراتك. حياتك عبارة عن تحدٍّ حقيقي ومتواصل! لكن ننصحك بالاسترخاء قليلاً والتمهّل في خطواتك. يجب التلذذ بالحياة والإصغاء إلى حاجاتك. هكذا تستمتع بالحياة أكثر.

بين 12 و21 نقطة:

تعرف حدودك جيداً!

الكمال؟ إنها فكرة مبهمة تحملك إلى عالم الأحلام. لا يعني ذلك أنك غير متطلّب مع نفسك. بل على العكس، تشعر بانزعاج كبير حين تخفق في إحدى المهمّات أو تختبر الفشل. صحيح أنك تحبّ الربح والإنجازات، إلا أنك تعرف حدودك أيضاً. لذا لا مجال لتخطّيها بلا وعي.

أقل من 11 نقطة:

حياة هادئة!

تحبّ الاستسلام للحياة وتقلّباتها. لا شكّ في أنّ أهلك علّموك الإصغاء إلى حاجاتك الخاصة ومحبّة نفسك والثقة بها. لذا لا تشعر بالحاجة إلى إثبات أيّ شيء لأحد. تبقى شخصاً متطلّباً مع نفسك... لكن ليس بنسبة كبيرة.

back to top