سماح إدريس وفخري كريم... من يحاكم من؟

نشر في 26-01-2010 | 00:00
آخر تحديث 26-01-2010 | 00:00
أصلف رسالة قرأتها في لبنان، نشرتها إحدى الصحف اللبنانية قبل أيام، موقعة من بعض الكتاب لا نعرف إلا قلة منهم، رسالة موجهة الى القضاء اللبناني بشأن دعوى رفعها صاحب «دار المدى» فخري كريم ضد رئيس تحرير مجلة «الآداب» سماح إدريس بتهمة إساءة السمعة.

جاء في الرسالة التي يرجح أن إدريس كتبها: «هل يجوز أن يكون القضاء اللبناني وسيلة يتوسّلها المتعاونون مع الاحتلال الأميركي في العراق لمقاضاة المتعاطفين مع المقاومة العراقية؟ هل يجوز للقضاء في لبنان، بلد المقاومة الأول في الشرق الأوسط، أن يقبل حجة المتعاون مع المحتل الأميركي بوصفها قرينة على إساءة السمعة، لينال من مقاوم للاحتلال بالحرف والمقال؟ وهل يرضى القضاء اللبناني المقاوم أن يتواجه معاون لأميركا في العراق مع مقاوم لها أمام قوس العدالة في بيروت؟

هذه الأسئلة جديرة بأن تُطرح بقوة على القضاء اللبناني على هامش الدعوة التي أقامها السيد فخري كريم مستشار الرئيس العراقي تحت الاحتلال الأميركي جلال الطالباني ضد سماح إدريس رئيس تحرير مجلة «الآداب» اللبنانية بحجة إساءة السمعة».

أمور عاطفية

لا نعرف ما دخل القضاء اللبناني في الأمور العاطفية، وما دخل لبنان «بلد المقاومة» كما تسميه الرسالة العتيدة بقضية شخصية بين كاتب يتهم الآخر بتهمة السرقة وأمور أخرى. ولا نعرف لماذا القضاء طالما أنّ الموقعين أصدروا حكمهم ضد فخري كريم، وأعطوا «كارت بلانش» لسماح إدريس؟ الأمر الآخر لماذا يوظف زميلنا إدريس بعض المحامين لصك رسالة منطقية قانونية لا عاطفية أدعائية أيديولوجية لا تجدي نفعاً، ربما الإيجابية الوحيدة منها أنها تشغل كتاباً كثراً بالجدل البيزنطي.

يذكرنا منطق الرسالة ببعض الخارجين على القانون في لبنان، الذين كانوا يتجولون تحت غطاء ما يسمى «المقاومة». هل يحق للمتعاطف مع ما يسمى «المقاومة العراقية» ما لا يحق لغيره، هل يحق له اتهام الآخرين؟ وأي مقاومة عراقية تتحدث عنها الرسالة «السماح إدريسية»؟ كان على إدريس باعتباره متحمساً للمقاومة والكتابات النقدية أن يذهب بالأمور إلى خواتيمها. «أردتها يا سماح معركة فلتكن... وجهت اتهامات الى فخري كريم عليك أن تحضر المستندات التي تثبت هذه التهم، وليس توجيه رسائل واستحضار تواقيع باتت موضة سخيفة تستعمل في الحق والباطل، في الحابل والنابل، وموقعون كثر لا يعرفون أحياناً مضامين البيانات التي وقعوا عليها، أو الأسباب التي جعلت الأمور تصل إلى القضاء.

لنتذكر في هذا المجال الذين تضامنوا مع الشاعر بول شاوول ضد الجنرال ميشال عون، بات غير مجد منطق الاستعطاف، أو منطق التلفيق العاطفي. لنتذكر هنا أن بعض الكتاب العرب وكاتباته يحاول استمالة الرأي العام الغربي عبر الادلاء بتصاريح أو كتابة مقالات تتحدث عن اضطهاده في العالم العربي أو محاولة منعه من «حزب الله» أو غيره، ليس الأخير من جنس الملائكة، لكن منطق بعض المثقفين والشعراء ومرضه في الظهور والنجومية وعقدة الاضطهاد، تبدو أكثر فداحة من منطق «حزب الله» وثقافته ومنطق الجماعات الأصولية كافة. ماذا لو لجأ فخري إلى توجيه رسالة إلى القضاء اللبناني موقعة باسم عشرات الكتاب والمثقفين ضد سماح إدريس؟

لنتابع ما جاء في الرسالة السماح إدريسية: «ثمة من يعتقد بأن القضاء ساحة أخلاقية مشرعة للفصل بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين التعامل مع المحتل ومقاومة المحتل. هذا الاعتقاد يعني الحكم سلفاً لمصلحة الخير ضد الشر ولمصلحة الحق ضد الباطل ولمصلحة المقاوم ضد المتعاون. وبالنتيجة لمصلحة سماح إدريس ضد فخري كريم. في هذه الحالة، ربما يجدر بالقضاء اللبناني أن يصدر حكمه بطريقة تجعل المتعاون مع المحتل يندم على اللحظة التي فكر فيها بإهانة المقاوم أمام القضاء اللبناني في بيروت عاصمة المقاومة الأولى في الشرق الأوسط. هذا أملنا في قضاء لبنان المقاوم وإن شاء الله لن يخيب».

لا يحتاج هذا الكلام الديمغوجي إلى كثير من التمحيص والتأمل، فهو مستل من موجة «أشرف الناس» التي أطلقها أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، مصنفاً الناس بين عملاء ومقاومين، أو منطق «الشيخ أسامة» الذي جعل العالم بين فسطاطين، أو منطق الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الذي وضع العالم بين لائحتي الخير والشر.

بالطبع يتذكر باحثون كثر أن أرباب «المقاومة العراقية» يوم كانوا في السلطة كانوا صناعة أميركية، إذ دعمت واشنطن البعثيين لذبح الشيوعيين في بداية الستينات، وعلى هذا لا شيء ثابتاً في السياسية، بل لنقل إن الثابت الوحيد أن «لا رب للسياسة»، أو لنقل إن تكويعات الزعيم وليد جنبلاط هي مرآة للسياسات كافة...

جنس الملائكة

ليس فخري كريم من جنس الملائكة، وليس عفيفاً عن الاستيلاء على أموال الحزب الشيوعي العراقي أو غيره، ليس هذا همنا... لكن منطق إدريس ورسائل صحبه إلى القضاء اللبناني فيها شيء من الهذر ومحاولة «ثقافية سمجة»، والسجال الواسع حول دعوى فخري كريم فيه أيضاً كثير من السخافة وإطلاق المواقف المسبقة لأسباب أيديولوجية وشخصية، فمن هو مقرب من إدريس تضامن معه، ومن هو على خصومة معه وضع الدعوى «الفخري كريمية» في إطارها القانوني والشرعي... وهلم جرّا. بالطبع أهل الثقافة ليسوا بعيدين عن التحزب والشللية والجماعاتية والعبقريات، لهم مصالحهم ويمارسون برغماتيتهم الوقحة والسمجة، وقبل أن يفتحوا ملفات المجتمع والسياسات والسلطات، عليهم بفتح ملفاتهم الشخصية، ربما اللبيب يفهم من جائزة «بوكر» العربية، أو من شاعر اسمه عبد الله باشراحيل...

يبقى السؤال: سماح إدريس وفخري كريم... من يحاكم من؟

back to top