إسماعيل يس... حكاية رجل حزين (13) الحب بهدلة

نشر في 06-09-2009 | 00:00
آخر تحديث 06-09-2009 | 00:00
عاد إسماعيل ياسين إلى القاهرة، إلى وحدته والمعاناة من عدم وجود شريكة حياته. مجدداً، جاءه عقد ليعمل مع فرقة تحية محمود في الإسكندرية، وفرح بأنه سيهرب من القاهرة، واضطر إلى أن يعتذر للست بديعة، ويترك الفرقة، لكنه هو الذي تركها هذه المرة، فيما راحت الست بديعة تلح عليه أن يبقى ولا يتركها، وسبحان مغير الأحوال!

بدأ ياسين عمله مع فرقة {تحية محمود} في الإسكندرية، لكنه أحس منذ اليوم الأول معها بأنه لم يعد وحده، فعلى خشبة مسرح الفرقة، ولدت أول قصة حب في حياته في الليلة الأولى، وشعر بخفقان قلبه يعلن عنها عندما وقعت عيناه على إحدى راقصات الفرقة وتدعى ثريا حلمي (ليست المغنية والمونولوغيست المعروفة ثريا حلمي).

كانت ثريا بدينة نوعاً ما، لكن ياسين أحسّ في حديثها ونغمات صوتها بحنان شديد، عاش طوال حياته محروماً منه. بدأ يلتقي بهذه الراقصة خلسة، بعيداً عن أعين بقية أفراد الفرقة، وكانا يتحدثان عن الطموحات وأحلام المستقبل والحياة الزوجية التي تزيل هم الوحدة.

علمت صاحبة الفرقة بقصة الغرام هذه، فغضبت وثارت فقد كان من تقاليد العمل في الصالات ألا يرتبط أحد من العاملين في الفرقة بفنانة تعمل بها، لأن مثل هذا الارتباط يعطل عمل الفرقة ويعرّض مصالحها إلى الضرر، باعتبار أن نظام المجالسة مع رواد الكازينو كان مسموحاً به آنذاك والحب والغرام بين أعضاء الفرقة يتعارض مع هذا النظام!

وما كاد ياسين يعرف أن صاحبة الفرقة غاضبة، حتى أعلن انسحابه من الفرقة، وفوجئ بأن حبيبته تضامنت معه أيضاً، وأعلنت أنها تفضل أن تجوع معه من أن تشبع من دونه، أو تتحكم في مشاعرها صاحبة الفرقة، فاشتعل الحب في قلبه أكثر.

لم يبق ياسين طويلاً بلا عمل، فقد أصبح فناناً مشهوراً تتخاطفه الفرق، وفي اليوم نفسه الذي خرج فيه من فرقة {تحية محمود} كان قد اتفق مع فرقة {المسيري} على إحياء لياليها في مصيف {رأس البر}، لكن اتفاقه هذه المرة لم يكن له وحده، فاشترط على مدير الفرقة أن يصطحب حبيبته معه، لتكون راقصة في الفرقة، فوافق فوراً.

أخذ ياسين صديقته وذهبا إلى رأس البر حيث عملا معا في فرقة المسيري، وأصبحت الراقصة كل شيء في حياته، وكانا لا يفترقان أبداً.

لم يقل نجاح ياسين في رأس البر عن نجاحاته التي حققها في القاهرة أو الإسكندرية، وشعر لأول مرة بطعم النجاح مع الحب، وبأن ثمة من يريد أن ينجح لأجله وله، وكانت حبيبته تعمل على تشجيعه وتتباهى بنجاحاته أمام الجميع، وهو إحساس لم يشعر به ياسين سابقاً... لأول مرة يشعر أنه مصدر فخر لأحد في هذه الدنيا.

ذات يوم دعاه بعض زملاء الفرقة إلى مائدة لعب ورق {الكون كان} واشترط ياسين أن يكون اللعب للتسلية فحسب، فقد أقسم ألا يراهن على أي شيء من أي نوع، فقبل الجميع.

جرح الحبيب

على رغم أن ياسين كان سعيداً في عمله وفي حبه، إلا أنه كان عكس المثل الشعبي القائل {سعيد في الحب تعيس في اللعب}، فراح يكسب الأدوار التي يلعبها كافة، ويضحك ساخراً:

- يا سلام علشان اللعب تسالي بكسب على طول، يعني لو كان اللعب دلوقت على فلوس كان زماني خسرت اللي ورايا واللي قدامى. عموماً، الحمد لله مهما حصل مش هرجع في كلامي وألعب على فلوس أبداً.

وبينما كان ياسين منهمكاً في اللعب فوجئ بخطيبته الراقصة ثريا حلمي، تفتح الباب عليهم وتدخل وهي تكاد تعجز عن التحكم في أعصابها ورائحة الخمر تفوح من فمها، وكانت تهذي كالمحمومة، وتوجه إليه الشتائم وأبشع الألفاظ وتقذفه هو ورفاقه الذين يشاركونه اللعب بكل ما تصل إليه يدها من أكواب زجاجية أو أي شيء يقع في يده.

وشعر ياسين بالخزي والخجل أمام زملائه، خصوصاً بعد أن فشلت محاولاته في تهدئتها ثم استطاع بعض زميلاتها أن يأخذنها بعيداً، ونجحن في تهدئة مزاجها وأعصابها الثائرة من دون سبب مفهوم، أما ياسين فبدا وكأنه قد أصيب بصدمة عصبية تم ارتفعت حرارته وأصيب بالحمى، فقد فوجئ بإهاناتها المتلاحقة ولم يسبق له أن واجه مثل هذا الموقف!

يبدو أن الراقصة حين أفاقت من سكرها شعرت بمدى الإهانة التي ألحقتها بحبيبها، فلم تحتمل مواجهته أو البقاء بعد ذلك في الفرقة معه، فتركت رأس البر وعادت إلى الإسكندرية فوراً.

أمضى ياسين مدة أسبوعين في فراشه في غرفته في الفندق محموماً، وكان أصدقاؤه يجلسون معه يمرضونه، فلم يكن يتصوّر أن توجه إليه هذه الإهانات على مسمع من أعضاء الفرقة الذين يعرفون تماماً علاقته بهذه الراقصة، بل إنه هو من أصر أن تلتحق بالفرقة وتعمل معهم.

بعد أسبوعين كان قد شفي من مرضه، لكن قلبه بقي مجروحاً، غير أنه راح يعوض ما فاته ويعوض صاحب الفرقة بعض خسائره، واستأنف العمل، فاستقبله الجمهور بترحاب شديد، حتى أنه كان في كل ليلة يلقي 15 مونولوغاً وهو أمر لم يسبقه إليه مونولوغيست آخر.

صداقة بشارة

في هذه الفرقة حظي ياسين بصديق جديد تعرّف إليه لأول مرة، وكان ممثلاً كوميدياً يدعى بشارة واكيم الذي نشأت بينه وياسين صداقة قوية، وكانا يذهبان لصيد السمك يومياً بعد انتهاء العمل في الفرقة.

كان من عادة إسماعيل أن يعود إلى الفندق قبل شروق الشمس، أما واكيم فكان يستمر بالصيد حتى ساعات النهار الأولى ثم يعود حاملاً {سبتاً} فيه الكثير من الأسماك فيوزعها على الزملاء مدعياً أنه اصطادها، وكان ياسين يندهش من هذا الرجل الذي يصطاد كل هذه الكمية من السمك، فقرر أن يعرف السر. ماذا يفعل واكيم ليأتي بهذه الكمية كلها من السمك؟

خطر لياسين أن يبقى مع واكيم ويعود معه، فعاد الأخير من دون سمكة واحدة، فراح يندب حظه ويؤنب ياسين:

- أنا عارف حظ إيه ده بس!

- فعلاً حاجة غريبة، من ستة سبعة كيلو سمك كل يوم يبقى ولا سمكة واحدة.

- أنا مش عارف إيه النحس ده. يظهر فيه حاجة حصلت خلت السمك يهرب.

- أنا فاهم قصدك، فعلاً تلاقي السمك أول ما شاف {بُقي} هرب.

- مفيش كلام، بقك السبب.

وبينما كانا يمشيان في طريق العودة إلى الفندق، وجدا صياداً يقف في وجهيهما ويوجه كلامه إلى واكيم وكأنه على معرفة سابقة به:

- صباح الفل يا بيه، السمك أهه جاهز وزي الفل، شوية شبار على شوية بوري مفيش كده واللي خلقك.

حاول واكيم أن يغمز للرجل بعينه ويحرك لسانه ويشير إلى ياسين، لكن من دون جدوى. واصل الرجل كلامه من دون أن يفهم، وواكيم يتنكر له:

 

- سمك إيه يا راجل انت الله يخرب بيتك.

- السمك اللي حضرتك متفق معايا أحضره لك كل يوم في الوقت ده. هو أنا اتأخرت ولا إيه؟

- روح الله يفضحك زي ما فضحتني.

ما كاد ياسين يسمع الحوار بين واكيم وبائع السمك حتى وقع على لأرض من الضحك، وفضح أمر صديقه بين أعضاء الفرقة، فكان رده أنه قرر اعتزال صيد السمك، لكنه لم يشأ أن يحرم الفرقة من {أكلة} السمك التي تعوّدوا عليها يومياً!

محاولة انتحار

انتهى الموسم الصيفي في {رأس البر} وعاد إسماعيل إلى الإسكندرية، وكان قلبه ما زال يخفق بحب ثريا على رغم إساءتها إليه، فقد كانت أول حب في حياته.

علم ياسين أن ثريا منذ أن عادت من رأس البر، وهي تعمل في كازينو {الكوت دازور} على شاطئ الإسكندرية، فذهب كي يراها، لكنه لم يكد يفعل حتى أصيب بصدمة قاسية فقد قابلته بفتور شديد وعدم اكتراث، بل وبدا عليها وكأنها لم تعرفه قبل ذلك أو لم يسبق لها أن رأته، بينما استقبله زملاؤه بترحاب شديد وكان أحدهم يعرف مدى العلاقة التي كانت بين ياسين والراقصة فأخبره بأنها تعيش الآن قصة حب جديدة مع رجل آخر، وأن عليه أن ينساها إلى الأبد لأنها لم تعد تصلح له.

وضاقت الدنيا في عيني إسماعيل وخرج هائماً على غير هدى، فاتجه إلى البحر وشعر أنه يناديه إليه، واتجه إلى صخرة عالية بالقرب من {بئر مسعود} وما إن هم بإلقاء نفسه في البحر حتى حدثته نفسه:

- هتعمل إيه يا إسماعيل؟

- زى ما أنت شايف كده هنتحر {عقبال عندك{!

- علشان مين.

- علشان اللي علشانه، وده يخصك في إيه؟

- بس اسمع بس.

- مش عاوز اسمع، وسيبني بقى علشان مستعجل.

- يا إسماعيل أنت وحيد في الدنيا.

- قديمة.

- وأبوك.

- احنا هنقبح.

- أبوك برضه راجل وحيد، يعني لو انتحرت هتبقى خسرت نفسك وانقطع نسلك، وكمان هتخسر آخرتك، وهي اللي هتنتحر علشانها مش هيهمها، وتحب وتتجوز وتعمل أسرة وأولاد.

استفاق ياسين من أوهامه، وأدرك الحقيقة وجرى بعكس الاتجاه إلى أحد الملاهي الليلية القريبة حيث كان يعمل زميله حسين المليجي الذي رحب به ودعاه إلى العمل معه في هذه الفرقة، فلم يتردد وفي الليلة نفسها اعتلى المسرح عل رغم أنه كان لا يزال يفكر في تلك المرأة الخائنة التي أهانت قلبه وعواطفه، إلا أنه أبدع أيضاً وصفق له الجمهور كثيراً وطويلاً فأنساه هذا بعض ألمه.

الهروب من الحب

كي ينسى ياسين ما فعلته به هذه الخائنة، هداه تفكيره المضطرب إلى أن يغازل إحدى زميلاته الفنانات في الفرقة الجديدة، وكانت المفاجأة أنها استجابت له وبادلته العاطفة، فولدت بينهما صداقة، بل وسرعان ما شعر ياسين بالحب مجدداً.

كانت الصديقة الجديدة وتدعى سعاد وجدي، تختلف عن ثريا تماماً. كانت رشيقة القوام، مليئة بالأنوثة، تتحدث بعينيها كثيراً وبلسانها قليلاً.

مجدداً أصابت سهام {كيوبيد} قلب ياسين فإذا به كالغريق يلتمس النجاة عن طريق صديقته وحبيبته الجديدة، فصارح بذلك صديقه مطرب الفرقة فريد أبو زيد وزوجته علية فوزي، إحدى أشهر المغنيات في الملاهي الليلية آنذاك:

- اسمع يا فريد انت وعلية، أنا عاوز أبوح لكم بسر.

- في بير يا سمعه.

- بيني وبينكم كده، أنا بحب.

- ده كلام جميل، باين عليك يا سمعه.

- وانتم عارفيني مش بتاع لف ودوران أنا عاوز أتأهل وأفتح بيت.

- خير ما فعلت، وتبقى مين اللي وقع عليها العين واختارها القلب.

- سعاد وجدي.

- (ينظر فريد لزوجته ويتبادلان النظرات) يا زين ما اخترت، ويا ترى هي موافقة؟

- أمال أنا بكلمك ليه. أنا من ناحيتي حاسس إنها بتبادلني الحب، بس عاوز أتأكد لأني مش ناقص جروح تانية.

ذهبت علية وأقنعت العروس التي لم تكن بحاجة إلى إقناع، بل وجدت أنها ترحب بالأمر ومن دون تردد، فذهب فريد أبو زيد واستدعى المأذون، وعُقد القران في الكازينو، واحتفل جميع أفراد الفرقة، وإن كان إسماعيل قد لاحظ أن أحد من زملائه هنأه بطريقة مختلفة وكأنه يهدده:

 

- مبروك يا عريس، بس يارب الجوازه دي تسعدك فعلاً!

لم يلتفت ياسين إلى هذا الكلام ولم يشغل باله. وفي الوقت نفسه عندما علمت ثريا بخبر زواج ياسين من سعاد، ذهبت واعتدت بالضرب على الزوجة، وكان الاعتداء وحشياً ترك آثاره على وجهها وجعلها ترقد في الفراش أسبوعين.

على رغم أن إسماعيل تأثر وغضب، إلا أنه شعر براحة جديدة لأنه انتقم من الأولى وأثار غيرتها بالثانية، وفي الوقت نفسه أصبح لديه زوجة وعما قريب سيستقر في بيت وتصبح له أسرة.

عندما استعادت سعاد عافيتها من الكدمات التي أصابتها، اقترح عليها ياسين أن يسافرا إلى القاهرة بعيداً عن المشاحنات التي ظلت تثيرها حبيبته السابقة، وفعلاً عاد الاثنان إلى القاهرة ونزلا في النل الذي تعود إسماعيل المكوث فيه، حتى يمكنه استئجار شقة تصلح لأن تكون بيتاً للزوجية، فهو في ذلك الوقت لم يكن يملك مبلغاً يكفي لاستئجار شقة وفرشها ولا يستطيع أن يدع زوجته تنام على الأرض أو على ورق الجرائد في شقته القديمة.

وبدأت الأيام جميلة سعيدة، وشعر ياسين بأنه يعيش لأول مرة منذ ولادته، وكانت حياته مع سعاد أحلى من العسل، إذ بثت فيه روحاً جديدة فيه، بل وبدأت تقول الشعر تغزلاً به، ما زاد من إحساسه بالسعادة وحب الحياة.

لكن الأيام السعيدة لا تدوم، فقد استيقظ ياسين ذات يوم من نومه فلم يجد زوجته إلى جانبه، ومضى يتساءل: أين ذهبت؟ لكنه وجد ورقة إلى جوار السرير قرأ ما فيها:

- أنا في قهوة بيروت... سعاد.

ارتدى ياسين ثيابه على عجل وذهب إلى قهوة بيروت التي كانت آنذاك إحدى أشهر مقاهي شارع عماد الدين، واكتشف وهو في طريقه إلى المقهى أن سعاد قد استولت على كل ما في جيبه من نقود، ثم حين وصل إلى المقهى وجد أنها أنفقت المبلغ الذي أخذته منه على شرب القهوة واستضافة كل من هب ودب وعلى شراء الجرائد والمجلات، بل واشترت كتاب {التدبير المنزلي} الذي يرشد الزوجة لطبخ أحسن الأطعمة.

وكاد ياسين يجن من هذا التصرف المفاجئ! وقبل أن يعبر عن رأيه في ما فعلته زوجته جاء إلى المقهى رجل من فرقة الفنانة {ببا عز الدين} يدعوه إليها:

- أستاذ إسماعيل.

- أيوه يا سيدي أي خدمة.

- الست ببا عز الدين بعتاني لك عايزاك.

- حاضر قولها هبقى أعدي عليها بالليل.

- لا يا أستاذ ليل إيه... دي عايزاك ضروري دلوقت. قالت لي مترجعش من غيره.

كظم إسماعيل غيظه مما فعلته زوجته سعاد، واتجه إلى صالة ببا عز الدين فوراً، ليجد صاحبتها ترحب به أيما ترحيب، وتطلب منه أن ينضم إلى فرقتها، ويعمل في مسرحها ابتداءً من تلك الليلة... ولأنه لم يكن مرتبطاً مع فرقة أخرى في القاهرة وافق فوراً، وكان حريصاً على أن ينصرف بسرعة ليعود إلى مقهى {بيروت»، غير أنه عندما عاد لم يجد سعاد وسأل عنها فقيل له إنها ذهبت إلى النزل.

back to top