الاقتصاد على الطريقة الهندية

نشر في 30-07-2010 | 00:01
آخر تحديث 30-07-2010 | 00:01
أصبحت الهند على عتبة حقبة من النمو غير المسبوق، ولكن يتعين على الهنود لعبور هذه العتبة أن يعملوا على صياغة فكرة جديدة للهند، بوصفها دولة رائدة للاقتصاد العالمي في إطلاق العنان لطاقات كل مواطنيها بلا استثناء.
 Jaswant Singh في أيامنا هذه وجد أهل الاقتصاد أنفسهم نهباً لأفكار حائرة مترددة: فعلى سبيل المثال ما المصطلح السليم الذي يصلح لوصف الظروف الاقتصادية العالمية الحالية؟ هل يمر العالم الآن بفترة من "الكساد"، أم "الركود"، أم "التعافي"؟ وماذا عن اليورو؟ هل يستمر في تعثره أم يستعيد "صحته"؟

لقد هيمنت هذه التساؤلات والمناقشات على الأجواء في وزارات المالية والاقتصاد في مختلف بلدان العالم، وفي الوقت عينه واصلت الهند النمو المضطرد في الناتج المحلي الإجمالي، الذي بات من المتوقع الآن أن يصل إلى 9.4% في هذا العام، وتقول الحكومة إن معدل النمو سوف يتجاوز 10% في وقت قريب.

ورغم اندهاش العديد من الناس إزاء نجاح الهند في الحفاظ على النمو السريع لفترة طويلة- حتى في مواجهة الانحدار العالمي- فإن الدهشة ليس لها ما يبررها، ففي عام 1750 كانت حصة الهند في الناتج المحلي الإجمالي العالمي 25%، ولكنها هوت إلى 1.6% في عام 1900، في أوج عصر الاستعمار، واليوم تنهض الهند من جديد لكي تؤكد مكانتها العالمية التقليدية... ولكن هل تتمكن الهند من تحقيق هذه الغاية؟

إن العديد من التحديات تواجه الهند في طريقها إلى النمو القوي المستدام، ويتلخص أعظم هذه التحديات في تحويل حلم البلاد بالرخاء العظيم إلى واقع، ومن أجل تحقيق هذه الغاية في ظل نظام ديمقراطي حقيقي يتعين على الهند أن تضمن عدالة توزيع الثروات. ويتعين عليها أن تحرص على تحسين نوعية الحياة بدرجة ملموسة بالنسبة لكل مواطني الهند من خلال تعزيز قوة الشراء.

وفي الوقت الحالي أصبح لدى الهند فرصة تكاد تكون فريدة في طبيعتها، وذلك بفضل ميزة ديموغرافية هائلة: ما يقرب من 60% من السكان في الهند ينتمون إلى فئة عمرية أقل من الثلاثين عاما. ولكن هذه الميزة محدودة بالزمن، فقد تدوم لعقدين أو ثلاثة عقود على الأكثر، وإذا لم تنتهز هذه الفرصة الآن فلا شك أنها سوف تتبدد.

ولاغتنام هذه الفرصة، يتعين على الهند أولاً أن تتحرك بشكل حاسم بعيداً عن رأسمالية الدولة، التي مازالت بقاياها تعمل على عرقلة التقدم الاقتصادي، إن مستقبل الهند الاقتصادي يكمن في العمل على تحقيق أقصى قدر من النشاط في القطاع الخاص، وهذا يتطلب التعجيل بالإصلاح المؤسسي، بما في ذلك الخصخصة على المستوى الوطني وعلى مستوى الولايات.

ولكن كما عبر رجل الاقتصاد الهندي والمشرع على فترات فيجاي كيلكار عن الأمر، فإن الهند في حاجة إلى صياغة نموذج فريد من نوعه في توجيه النمو والتنمية نحو اقتصاد متقدم، والحرص الدائم على تعزيز النمو الشامل، وبالتالي كسب الفوائد المترتبة على تعزيز الكفاءة، وتحقيق قدر أعظم من المساواة، وتحسين الحكم في ظل نظام ديمقراطي ليبرالي، ولن ينجح نسخ السياسات والمؤسسات الأميركية أو البريطانية أو غيرها في تحقيق هذه الغايات.

فضلاً عن ذلك فإن الهند ليست كالصين؛ ومن غير الممكن أن تكون مثلها، بل لا يجوز لها أن تكون مثلها، ولهذا السبب فلا ينبغي لها أن تسعى إلى تأسيس نموذج اقتصادي قائم على التصدير أو النمو الذي تتولى الدولة توجيهه.

والتحدي الأعظم الثاني الذي يواجه الهند يتلخص في حل أوجه القصور العديدة التي تعيب بنيتها الأساسية الضخمة، فالهند لم تعد تمثل اقتصاداً زراعياً في المقام الأول؛ فالزراعة في الهند لا تشكل سوى 20% من الناتج المحلي الإجمالي، ولكن هذا لا يعني إهمال الزراعة؛ بل إن الأمر على العكس من ذلك، فالزراعة تظل تشكل وسيلة للحياة بالنسبة للعديد من الملايين من الهنود، الذين يحتاجون إلى رأس المال والتكنولوجيا الجديدة.

إن رفع الإنتاجية والدخل في قطاع الزراعة يتطلب تحسين الري، واستصلاح الأراضي البور، وتحسين التخزين والتسويق، وتنمية النقل، وحرية تحرك المنتجات داخل البلد، ولهذا السبب يشكل التعزيز السريع للبنية الأساسية الاجتماعية والمادية شرطاً أساسياً للتقدم.

ويقودنا هذا إلى أهمية دراسة إفراط الهند في الوقت الحاضر في الاهتمام بنمو الناتج المحلي باعتباره علاجاً لكل المشاكل، وتزعم النظرية أن الحكومة، باعتبارها وكيلاً للشعب، تجمع الضرائب وتقدم المنافع العامة في المقابل. وبهذا المعنى فإن الدولة الهندية كانت بمنزلة وكيل فقير ضعيف؛ فهي تجمع القليل وتقدم أقل القليل، وما تقدمه يفتقر تماماً إلى الجودة.

وعلى الرغم من ذلك فإن الدولة الهندية مازالت تطالب الناس بثمن غير متناسب على الإطلاق، ولابد لهذا أن يتغير، من خلال الاستهداف المباشر لسبل تخفيف الفقر، والقضاء عليه تماماً في نهاية المطاف، وأنا لا أشكك في أن أقوى برنامج في مكافحة الفقر هو النمو الاقتصادي، ولكن هذا لن يفلح إلا إذا كان مصحوباً بعدالة التوزيع.

ومثل هذا النمو "العادل" وحده القادر في النهاية على تحقيق "الرضا الوطني الإجمالي"، وهو المؤشر الأصدق تعبيراً عن الرفاهية الاقتصادية، وبدلاً من المناقشات التي لا تنتهي حول زيادة مخصصات الميزانية، فإن الهند تحتاج إلى إيجاد السبل العملية الكفيلة بتعزيز برامج مكافحة الفقر المستهدفة الفعّالة القادرة على ضبط نفسها تلقائياً وتغطية تكاليفها ذاتيا.

إن حجم المبالغ التي تخصصها الحكومة ليس أهم ما في الأمر، فالاختبار الحقيقي للإنفاق في أي موازنة يدور حول ما يتم تسليمه بالفعل من منافع، ولن يتسنى إلا لتوجه شامل في الإصلاح تلبية توقعات الناس، وبالتالي نشر الرضا بينهم.

ولا تحتاج الهند إلى المزيد من القوانين، بل إنها تحتاج إلى حكومات أكثر فعالية وقابلية للمساءلة، وهي لا تحتاج إلى المزيد من التنظيمات، بل تحتاج إلى توفير حيز أكبر من الحرية الفردية والفرص، ولابد من تحرير اقتصاد الهند من المبدأ المنظم لسيطرة الدولة، حتى يتحول العمل الفردي والإبداع إلى محرك رئيسي للاقتصاد.

لقد أصبحت الهند على عتبة حقبة من النمو غير المسبوق، ولكن يتعين على الهنود لعبور هذه العتبة أن يعملوا على صياغة فكرة جديدة للهند، بوصفها دولة رائدة للاقتصاد العالمي في إطلاق العنان لطاقات كل مواطنيها بلا استثناء.

* شغل عِدة مناصب وزارية سابقاً في الحكومة الهندية، وزير المالية ووزير الخارجية ووزير الدفاع، وهو مؤلف كتاب "جناح: الهند- التقسيم- الاستقلال".

"بروجيكت سنديكيت" باتفاق مع "الجريدة"

back to top