هجاء السلاح: المقاومات كحروب أهليّة مُقنّعة اليسار واليمين في فرنسا عاشا حروباً أهلية ضارية شغلتهما عن خطر حرب الأربعينيات أو تواطآ معه (الحلقة 3)
صناعة المقاومة الفرنسية
تنبع مكانة المقاومة الفرنسية من أهمية فرنسا أكثر مما تنبع من أهمية المقاومة ذاتها. والأصح القول إن ما هو منسوب إلى المقاومة وليد ضعف أهميتها الفعلية، لكنه وليد الاضطرار إلى التوفيق بين ذاك البلد وصورته عن نفسه، كحجم سياسي واقتصادي مؤثر، وكوزن ثقافي ضخم، لاسيما في الفترة الممتدة من نهايات الحرب العالمية الثانية حتى بداية الثمانينيات. فإذا أضفنا الموقع الذي احتلته، وتحتله، مفاهيم التقدم والتنوير والطليعية في الصورة الفرنسية السائدة عن الذات الوطنية، وكلها تنجر عن الإرث الكبير لثورة 1789، فهمنا الضرورة الملحة لتقديم المقاومة على غير ما كانته فعلاً. وقد ضاعف هذا الميلَ الإجماعي، كما عزز التساهل معه، مدى بشاعة العدو الذي يُفترض بفرنسا أن تمثل نقيضه، كما يُفترض أن تكون القدوة والمثال في مقاومة بشاعته الاستثنائية. أضيف إلى ذلك واقع مرير تصدرته الهزيمة المشينة في 1940 وما تلى من احتلال ألماني. فحسب المؤرخة نيكول جوردان في كتابها «الاستراتيجية والبحث عن أكباش محارق: تأملات في الكارثة الوطنية الفرنسية»، «كان الانهيار العسكري الفرنسي في 1940 أحد أكبر الكوارث العسكرية في التاريخ العالمي». ذاك أن الجيش الألماني في غضون سبعة أسابيع فقط غزا لوكسمبورغ وعبر غابات أردِن إلى فرنسا، مكتسحاً الفرنسيين ومحاصراً الجيوش البريطانية والفرنسية والبلجيكية في جيب دنكرك، ثم فارضاً هدنة على الحكومة الجديدة برئاسة الماريشال فيليب بيتان (84 عاماً يومها)، بعدما احتل باريس العاصمة واستعرض قواته في جادة الشانزيليزيه. وفي غضون ستة أسابيع من القتال، خسر الفرنسيون 124 ألف قتيل كما جُرح أكثر من 200 ألف منهم، وفي يد الألمان سقط ما يربو على مليون ونصف مليون سجين. والفضيحة بلغت، في أحد منعطفات المعارك، يوم 16-17 مايو، أن ساق الجنرال الألماني إروين رومل 100 ألف سجين فرنسي مقابل خسارة ضابط وأربعين رجلاً من الألمان. وكان لانتصارات هتلر الكاسحة تلك أن أغرت موسوليني بدخول الحرب، بحثاً عن غنائم لإيطاليا، كما تكيفت على ضوء تلك الهزيمة المواقف الأميركية والبريطانية من فرنسا على مدى الجيل التالي. وهي، بالطبع، عجلت في سقوط الجمهورية الفرنسية الثالثة وإقامة نظام فيشي السلطوي والمتواطىء. «هزيمة مستغربة» لقد كان الانتصار على فرنسا خارقاً في نتائجه وفي أبعاده على السواء. فهو عزز أوهام هتلر حول نبوغه الاستراتيجي، وقوى قبضته على جنرالاته وأطلق يده في تركيزه على بريطانيا أولاً، ثم، حين اتضحت صعوبة إلحاق الهزيمة بها، على جنوب شرق أوروبا والاتحاد السوفييتي. وعلى سوية أخرى، قاد انتصار هتلر ذاك إلى مساءلات فرنسية عميقة للنفْس، ما أنتج أعمالاً رفيعة القيمة في عدادها كتاب مارك بلوخ «الهزيمة الغريبة» [أو المستغربة]. فمؤرخ فرنسا الأبرز وأكبر ضباطها الاحتياطيين سناً الذي تطوع في 1939، سجل، في 1940، شهادته التي لم تُنشر إلا بعد الحرب، وكان الألمان قد أجهزوا عليه. وعملاً بتحليل بلوخ، واجهت فرنسا حربها وهي مُعاقة إعاقتين: ففي توقعهم المواجهةَ مع ألمانيا بنى الفرنسيون، من الحدود السويسرية شمالاً حتى لوكسمبورغ، خطاً دفاعياً سموه تيمناً بوزيرهم الذي أشرف على بناء الخط، أندريه ماجينو، بينما تُركت الجبهة الطويلة مع بلجيكا من دون حماية. وعولت الاستراتيجية الحربية الفرنسية، وقد أخذت بها واعتنقتها وزارة الخارجية، على أن القتال سوف لن يقترب من حدودها. ولئن أنشأت باريس، بين الحربين، بضعة تحالفات، لا سيما في جنوب أوروبا وشرقها، فالتحالفات بدت لزوم ما لا يلزم. ذاك أنه ما دامت القيادة العسكرية الفرنسية العليا مصممة على تجنب الحرب، كائناً ما كان الثمن، لم يعد في وسع باريس أن تقدم لحلفائها شيئاً. والضعف ذاك هو ما انكشف في 1938 في ميونيخ، حين تم التخلي عن تشيكوسلوفاكيا، وكان دالادييه يومها رئيس الحكومة، ثم في 1939 عندما سُمح لهتلر بأن يدمر بولندا، من دون أن تتعرض حدوده الغربية لأي تهديد. عجز الجنرالات الجنرالات الفرنسيون لم يكونوا مرتبكين استراتيجياً فحسب، بل بدوا أيضاً عاجزين تكتيكياً. فكما أوضح بلوخ ومؤرخون كثيرون لاحقون، برهنت قيادتهم عن عجز حيال تفريع المسؤولية، وحيال الاستجابة المرنة للتحولات، وتنظيم المواصلات وإدامة الاتصالات. فحينما هاجم الألمان، لم يكن طاقم الجنرالات الفرنسيين مُدركاً ما الذي يحصل له ومن حوله. لكن الإعاقة الأهم كانت تلك السياسية. فالبلد بدا منقسماً على نحو عميق إلى يسار ويمين، بل متذرراً على النحو المعهود في الحروب الأهلية، حيث اليسار أكثر من يسار متناحر، واليمين كذلك. ففي معظم الثلاثينات، تراءى أن من المستحيل تشكيل حكومة مستقرة. أما حكومة «الجبهة الشعبية» في 1936، وهي الوحيدة التي حملت برنامجاً واضحاً وتمتعت بأكثرية برلمانية متسقة، فكرهها اليمين بسبب مشاريعها الإصلاحية، في مناخ أوروبي كانت الحرب الأهلية الإسبانية تجذره. لكنه كرهها، كذلك، بسبب يهودية بلوم نفسه. وفي المقابل، لم تستقطب الحكومةُ تلك اليسارَ الذي مقت قلة راديكاليتها الاجتماعية وعدم إقدامها على إجراء تحويلات جذرية. أما الشيوعيون تحديداً، فلم يسامحوا بلوم على عدم تدخله في إسبانيا عام 1936، وضمناً على نجاحه في الحفاظ على حزب اشتراكي قوي بعد الانشقاق الشيوعي في 1920. حثالة الأرض اليسار واليمين، إذن، كانا يعيشان حروباً أهلية متعددة ينشغلان بضراوتها عن الخطر المحدق أو يتواطآن معه. أما أولئك القادة السياسيون القلة، وفي عدادهم ليون بلوم، الذين اقترحوا، متأخرين، جبهة مشتركة ضد الخطر النازي، فاتهموا بمحاولة جر فرنسا إلى الحرب خدمةً لمصالح غيرها، كبولندا أو بريطانيا أو اليهود. وحذت الصحافة حذو الأحزاب في تفاهتها وفسادها، وهي غالباً ما مولتها مصالح وحكومات أجنبية. وكان أرثر كوستلر، في كتابه الشهير «حثالة الأرض» حيث روى قصة اعتقاله في فرنسا، قد ترك وثيقة أدبية وتاريخية رفيعة عن الانهيار المعنوي الذي أصاب الفرنسيين عشية الغزو الألماني، وعن الانحطاط والصغائر التي واجهوا بها تلك اللحظة المصيرية. فكأن تعظيم المقاومة جاء نتيجة للمدى الذي كانت بلغته اللامقاومة والتردي والتشقق معاً. فالكراهية التي أثارتها بدايات صعود «الجبهة الشعبية» كانت قوية إلى الحد الذي شرع يدفع بقوى اليمين الفرنسي، منذ 1934، إلى التودد لألمانيا والمطالبة باتباع سياسة سلمية حيالها. وكان هذا جزءاً من اهتراء وتفسخ عامين لازما فرنسا حتى 1939: ذاك أن النزاعات التي زخرت بها الحياة العامة والتهجمات الشخصية والأحقاد العرقية وسموم العداء للغريب ولليهود ذهبت كلها بعيداً جداً. فمثلاً، يوم تنصيب حكومة ليون بلوم في يونيو 1936، ألقى كزافييه فالات الذي صار لاحقاً أول من تعينه حكومة فيشي مفوضاً للشؤون اليهودية، خطاباً في البرلمان وردت فيه العبارة التالية: «من أجل حكم هذه الأمة الفلاحية التي هي فرنسا، يُفضل أن يكون لدينا شخص تنضوي أصوله، مهما كانت متواضعة، في ثنايا تربتنا، لا أن يكون تلمودياً وطيداً». وفي حزب واحد، كالحزب الراديكالي، وهو مثَل غير حصري، تبادل القطبان السياسيان إدوار دالادييه وإدوار هاريوت عداء مراً، وفي مقابل الغضب العمالي الحاد كان الخوف الهلعي لدى أصحاب الشركات والرساميل الكبرى، فضلاً عن استئناف القطيعة المزمنة بين رجال الدين والجمهوريين. التوسع الفاشي وخطر هتلر لقد بات بلوم، بتشكيله حكومة «الجبهة الشعبية»، أول اشتراكي وأول يهودي يحكم فرنسا، مثيراً أكثر المواقف حدةً وتشنجاً. فاليمين لم تتردد بعض أصواته في الكلام عن ضرورة الاختيار بين هتلر وستالين، وبدا بلوم، لدى لاساميي ذاك اليمين، تعبيراً عن جميع مواصفات اليهودي بالمعنى الذي تنطوي عليه اللاسامية. وقد سرت مرارة جماعية لدى المؤسسات الرسمية الوطيدة كالجيش والكنيسة اللذين كان تعاونهما، قبل أربعة عقود، قد أثمر قضية درايفوس الشهيرة. حتى الشيوعيون، في اليسار، وما خلا الأشهر الأولى التالية على تشكيل الحكومة، بدا لهم بلوم إصلاحياً بورجوازياً أقرب إلى عدو منه إلى صديق. والراهن ان بلوم لم يكن يتبع نهجاً راديكالياً مقلقاً. فهو آمن بأن الشروط التي وضعت حكومة «الجبهة الشعبية» في السلطة محدودة بإجراء تحسينات داخل النظام الرأسمالي، وليس الإخلال بالنظام المذكور. لكن الشؤون الخارجية كانت العامل الضاغط الأكثر تسبيباً للانقسامات عام 1936. فـ«الجبهة الشعبية» بدت استجابة ضدية لنزعة التوسع الفاشي أكثر منها حاملاً لبرنامج اشتراكي لفرنسا. وهي انطوت على اتفاق بين أحزابها الثلاثة، الشيوعيين والاشتراكيين والراديكاليين، على استبعاد التغييرات الثورية والاقتصار على تعزيز الديمقراطية في مواجهة الفاشية. وكرئيس حكومة في دولة ديمقراطية تقف وجهاً لوجه أمام هتلر، حفت القيود الثقيلة بحركة بلوم. ذاك أن أي استراتيجية في التعامل مع ألمانيا قد تغضب نصف الفرنسيين الخائفين من ستالين. وفعلاً بدا البلد مقسوماً بين من يريد تجنب خطر هتلر بمسايرته ومحاباته، ومن يريد ذلك بمعونة ستالين، أو بمعونة موسوليني. وفي مناخ كهذا طرحت الحرب الأهلية الإسبانية في 1936 مشكلة على بلوم ترتبت عليها، أكثر مما في الموضوع الاقتصادي، بدايات تصدع «الجبهة الشعبية». فقد أذعن للراديكاليين والضغوط البريطانية ممتنعاً عن تقديم الدعم للجمهورية الإسبانية فتردت علاقته بالشيوعيين. وكان من تناقضات السياسة السلمية التي عبر عنها أنْ بات من المستحيل معارضة هتلر وفي الوقت نفسه نزع السلاح. لكنْ لاح، من جهة أخرى، أن البديل الوحيد عن الدعم البريطاني تسوية شاملة مع هتلر وموسوليني. «صليب النار» على ما يروي ديفيد بِري في مساهمته التي ضمها كتاب أعده مارتن ألكسندر وهيلين غراهام بعنوان «الجبهتان الشعبيتان الفرنسية والإسبانية: منظورات مقارنة»، عصفت بأقصى اليسار الرؤيوية الخلاصية التي احتقرت تواضع «الجبهة الشعبية»: هكذا، مثلاً، ركزت صحيفة «لو ليبرتير» الفوضوية على وجود «جبهة شعبية بين الشوارع لا السياسيين»، وعلى أن «جبهة الشوارع» جاهزة للثورة. والحال أن عضوية «الاتحاد الفوضوي» ومقروئية صحفه زادتا كثيراً في 1936 بينما كانت تهب عواطف الثورة الأممية جارفةً من إسبانيا. ويدرس روبرت سوسي في «الفاشية الفرنسية: الموجة الثانية» عشرات الفرق والعُصُب اليمينية والميليشية التي نمت على هامش الحياة السياسية في الثلاثينيات، وكانت تتنازع في ما بينها، لاسيما في ما خص العلاقة بألمانيا. إلا أن تركيزه اتجه إلى «صليب النار»، تلك المنظمة التي قادها الكولونيل فرانسوا دو لا روك، والتي بدأت كرابطة تجمع بين مجندين سابقين لتتحول، بعد 1936، ومع منع تأسيس العُصب الميليشية، إلى حزب سياسي هو «الحزب الثقافي الفرنسي». ففي 1937 تمكن هذا الكائن الوليد ان يزعم لنفسه أعضاء يفوق تعدادهم البالغ 700 ألف عضو، تعداد أعضاء حزبين عريقين هما الاشتراكي والشيوعي معاً. لكن هؤلاء كانوا مجرد ظاهر مرئي لشبكة فاشية حسنة التنظيم وجيدة التمويل وواسعة الدعم في فرنسا ما قبل الحرب. والشبكة هذه هي التي زودت لاحقاً نظام فيشي قاعدته الأكثر دينامية. ويقدم سوسي معطياته وتقديراته تلك في سياق سجالي مع وجهة نظر أقدم عهداً، عبر عنها مؤرخون كرينيه ريمون، تزعم أن فرنسا ونزعتها الجمهورية المكينة عصيتان على الفاشية، وان المنظمات الفاشية وشبه الفاشية طرفية وضعيفة التأثير، فيما الأصول الايديولوجية للفيشية تكمن فحسب في العواطف السلطوية التقليدية كما حملتها منظمات من صنف «العمل الفرنسي» مصدرها النزعة المَلكية الرجعية.