البجعة السوداء أحداث غير متوقّعة تصبح ممكنة!
«البجعة السوداء» كتاب متألّق ومذهل غدا من أكثر الكتب مبيعًا على قائمة «نيويورك تايمز»، ومن شأنه تغيير نظرتك الى العالم. وضعه الدكتور نسيم طالب صاحب القلم الممتع والذكيّ وضمّنه الكثير من القصص المسلية والطريفة التي تحويها جعبته، كذلك له سطوة موسوعية تحيط بالمواضيع التي تتراوح من العلوم العقلانيّة الى التجارة والأعمال، الى نظرية الاحتمالات. صدر هذا الكتاب في بيروت عن «الدار العربية للعلوم ناشرون».يمهّد المؤلّف لكتابه بطرفة قديمة تزعم أنه قبل أن تُكتشَف استراليا، كان أناس العالم القديم على قناعة بأنّ جميع طيور البجع هي بيضاء. وكان هذا الاعتقاد راسخًا فيما كانت الأدلّة الواقعية تشهد له. ولعلّ الوقوع على البجعة السوداء الأولى كان يمثّل مفاجأة مذهلة للبعض من علماء الطيور، لكنّ المسألة المهمّة في هذه الطرفة هي في محدودية معارفنا المستقاة من الملاحظة والتجربة، كذلك تشير الى مبلغ هشاشة مداركنا عن الأشياء والأمور. فمجرّد مشاهدة واحدة لبجعة سوداء كفيلة بأن تطيح بمصداقية مفهوم شائع تحدّر من ألوف السنين لملايين من البجع الأبيض. وكل ما يحتاج إليه نقض هذه المقولة، هو مجرّد وقوع نظر أحدهم على بجعة سوداء واحدة.
أحداثيستمرّ المؤلّف في عرضه الأحداث غير المتوقّعة فيتابع حواره مع القارئ قائلاً: ولك أن تتخيل فقط مقدرة إدراكك الشحيح للواقع العالميّ عشيّة أحداث عام 1914 على مساعدتك على التكهن بالأحداث التي سوف تعقبها. ماذا عن صعود نجم هتلر وما أعقب ذلك من حرب نشبت؟ ماذا عن التفكك السريع وانهيار الاتحاد السوفياتي؟ ماذا عن نشوء الانترنت وانتشاره؟ ماذا عن انهيار الأسواق الذي حصل في العام 1987؟ ماذا عن الأوبئة الوافدة والأفكار والأزياء؟ تأمّل في الإعصار البحري (تسونامي) الذي هبّ في المحيط الهندي في ديسمبر من العام 2004، فلو كان لأحد أن يتوقّعه لما تسبّب بما نتج عنه من أضرار، وكان من الممكن إخلاء جزء من سكان المناطق التي تأثرت به، كما كان من الممكن نصب جهاز إنذار مبكر، فما تعرفه لا يمكن له أن يؤذيك!تكهّنيكمن عدم المقدرة على التكهّن بما هو خارج عن المألوف في صعوبة التكهن بمسار التاريخ. لكننا نتصرف كما لو أننا قادرون على التكهن بأحداث التاريخ وتحويل مساره، فنصدر تقديرات مستقبلية قد تمتد الى ثلاثين سنة حول توقع عجز مالي أو تغييرات على أسعار البترول، دون أن ندري أننا لا نستطيع حقيقة أن نتكهن بمثل تلك الأمور حتى الى مدة لا تتعدّى حلول الصيف المقبل. عجزنا عن التكهن بما يحيط بنا من توقعات يعني أن بعض الخبراء ليس من الخبرة في شيء. فاستنادًا إلى سجل خبراتهم فإنهم لا يفهمون عن الأمور الواقعة في إطار نشاطهم أكثر من جمهور الناس العاديين، لكنهم أفضل منهم في المبارزة الكلامية وبما أن التوقعات غير الممكنة الحدوث عصية التكهن، فإننا نحتاج الى مؤالفة أذهاننا مع وجودها. عقوقكثير من الناس لم ينصفهم التاريخ ومنهم من نبذهم المجتمع مئات من السنين ليردّ لهم الاعتبار متأخرًا، مثل الشاعر ادغار ألن ﭙو أو آرثر ريمبو اللذين سخر منهما المجتمع ثمّ صارت أشعارهما في ما بعد تدرّس لأطفال المدارس. وثمة مزيد من الأبطال الذين لم تحسن معاملتهم ولعلّ اسوأهم حظًا هم الذين لا نزال نجهلهم حتى الآن. وبعض هؤلاء قد يكون مسؤولاً عن إنقاذ حياتنا، أو ربما يكون ساهم في تجنيبنا الكوارث، لكن هؤلاء جميعًا لم يتركوا وراءهم أثرًا يدلّ على أشخاصهم، بل ربما لم يدر أحد منهم أنه ساهم أي مساهمة في حياة البشر. ويضرب المؤلّف مثلاً على ما يسرد فيقول: «افترض أنّ مشرّعًا جريئًا وذكيًا ينجح في تمرير قانون يُنفّذ ويطبّق عالميًا في العاشر من شهر أيلول / سبتمبر من العام 2001، وهو يفرض الإقفال الدائم للباب المضاد للرصاص الذي يفصل قمرة القيادة عن باقي الطائرة، وذلك كمجرّد احتياط لحالة قد يفكّر فيها الإرهابيون باختطاف طائرة ركاب يستعملونها للهجوم على مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك. أعرف أن مثل هذا التفكير هو ضرب من الجنون، لكنه لو طُبّق كان كفيلاً بمنع كارثة 11 أيلول / سبتمبر». فالشخص الذي سنفترض أنه نجح في فرض إقفال باب حجرة القيادة عن طريق التشريع، ما كانت لتقام له النصب والتماثيل في الساحات العامة، وما كان ليحصل على مأتم كبير يوم نعيه بسبب مساهمته المشار إليها. فقد يشار إليه يوم نعيه كما يلي: «جو سميث الذي ساهم في تجنيب العالم كارثة 11 أيلول قد توفي بسبب مضاعفات في كبده». منطق معكوسإنه منطق معكوس، يقول نسيم طالب، حول قيمة ما لا نعرف، فكل امرئ يعرف أننا في أشدّ الحاجة إلى الوقاية مما نحن بحاجة الى العلاج، ولكن ما أقلّ من يكافئ جهود الوقاية. فنحن نمجد من تركوا أسماءهم في كتب التاريخ على حساب أولئك المساهمين في أدوار بقيت كتب التاريخ صامتة عنها. فنحن البشر لسنا مجرد مخلوقات سطحية التفكير فقط بل نحن أيضًا أبعد ما نكون عن الانصاف والعدل. في هذا العالم الذي يسوده التطرف والغموض والاحتمالات البعيدة نتصرف في معظم أوقاتنا مرتكزين على المعلوم والمتكرر، بينما المؤلف يستعمل الحدث المتطرف كنقطة انطلاق لا كشواذ ينبغي أن نخفيه تحت البساط. إنه كتاب رؤيوي ممتع تُرجم إلى عشرين لغة، يشرح مؤلفه كل ما نعرفه عمّا لا نعرفه بأسلوبٍ بسيط من شأنه أن يغيّر نظرتنا الى العالم.