المخاطر المترتبة على نزع السلاح النووي

نشر في 04-05-2010 | 00:01
آخر تحديث 04-05-2010 | 00:01
 Sergei Karaganov من الواضح أن دعاة إزالة الأسلحة النووية يتصورون أن مثل هذا التغيير ممكن، ولكنني لا أتفق معهم في هذا... والواقع أن المخاطر التي قد تترتب على خلو العالم من الأسلحة النووية- أو حتى وجود عدد ضئيل منها- هائلة.

وقَّعَت روسيا والولايات المتحدة أخيراً على معاهدة جديدة للحد من الأسلحة النووية (معاهدة ستارت)، وعلى المستوى الرسمي تقضي المعاهدة بإزالة روسيا والولايات المتحدة لثلث ترسانتيهما من الأسلحة النووية؛ أما في واقع الأمر فإن كلاً من البلدين لن يفكك أكثر من عشرات عدة فقط من أسلحته النووية.

ورغم ذلك فإن المعاهدة تشكل إنجازاً كبيراً، فهي تعمل أيضاً على تطبيع العلاقات السياسية بين البلدين، وهو ما من شأنه أن يسهل بالتالي المزيد من التعاون والتقارب بينهما.

إن عودة الأسلحة النووية الاستراتيجية إلى مركز اهتمام السياسة العالمية تزيد من الثِقَل السياسي لروسيا وتسلط الضوء على الميدان الذي مازال بوسع روسيا أن تؤكد فيه مكانتها كقوة عظمى، وهذا من شأنه أيضاً أن يعطي باراك أوباما دفعة سياسية، ويصوره بوصفه الرئيس الأميركي الأكثر إيجابية وتقدمية طيلة عقود من الزمان، بل ربما لأعوام طويلة قادمة.

بعد التوقيع على المعاهدة، استضافت الولايات المتحدة مؤتمر قمة منع الانتشار النووي، وهو الحدث البارز بالنسبة لإدارة أوباما، والذي حوَّل الكفاح ضد الانتشار النووي إلى سياسة متميزة، ورغم ترحيبنا بالاتفاقيات القليلة التي تم التوصل إليها في إطار القمة، فإنها ليست على نفس القدر من أهمية الانطباع الذي خلفته القمة بأن زعماء العالم مستعدون للعمل معاً على مواجهة الانتشار النووي.

ولكن المناقشات الدائرة حول الدور الذي تلعبه الأسلحة النووية في العالم المعاصر، وكذلك في المستقبل، مازالت في بدايتها، والواقع أن النظام العالمي الذي استندت إليه المناقشات في الماضي حول قضية الأسلحة النووية يكاد يكون التعرف على ملامحه اليوم مستحيلاً، الأمر الذي يجعلنا نشكك في كفاءة العقلية والمفاهيم الموروثة من ذلك النظام.

وفي جوهر القضية تكمن حقيقة مفادها أن الأسلحة النووية لا تتفق مع الأخلاق، فالقنبلة الذرية تنافي الأخلاق عدة ملايين من المرات مقارنة بالرمح أو السيف، ومئات الآلاف من المرات مقارنة بالبندقية، وآلاف المرات مقارنة بالمدفع الرشاش، ومئات المرات مقارنة بأنظمة القذائف المتعددة أو القنابل العنقودية.

بيد أن الأسلحة النووية تشتمل أيضاً على بُعدٍ أخلاقي: فهي خلافاً للأسلحة الأخرى، تشكل وسيلة فعّالة لمنع الحروب الواسعة النطاق، والتدمير الشامل للبشر والممتلكات، والثقافات والإيديولوجيات التي ابتليت بها البشرية طيلة التاريخ المسجل. والواقع أن رفض الأسلحة النووية والسعي إلى إزالتها يشكل بلا أدنى شك هدفاً أخلاقياً نبيلاً، من الناحية النظرية المجردة على الأقل، ولكن هذه المساعي لن تكون منطقية أو معقولة ما لم تتغير البشرية.

من الواضح أن دعاة إزالة الأسلحة النووية يتصورون أن مثل هذا التغيير ممكن، ولكنني لا أتفق معهم في هذا... والواقع أن المخاطر التي قد تترتب على خلو العالم من الأسلحة النووية- أو حتى وجود عدد ضئيل منها- هائلة.

إن الردع النووي- التهديد بقتل مئات الآلاف أو الملايين من البشر- يشكل مفهوماً لا ينسجم مع الأخلاق التقليدية، غير أنه نجح على الرغم من ذلك في منع حروب مأساوية في حين جعل الناس أكثر تحضراً وحذرا، وحين أصاب الضعف أحد أقطاب الردع النووي، نتيجة للانحدار السياسي الذي شهدته روسيا في تسعينيات القرن العشرين، رأينا كيف بادر حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، رغم كونه اتحاداً يدافع عن الديمقراطية والدول المسالمة، إلى الاعتداء على يوغسلافيا، وبعد يوغسلافيا شهدنا هجوماً غير مبرر على العراق، والآن بعد أن استعادت روسيا قدراتها، أصبح الإقدام على مثل هذه الخطوة أمراً غير متصور.

في عالم يقرب من الكمال لن تكون روسيا أو الولايات المتحدة في احتياج إلى ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية، بيد أن خفض الأسلحة النووية إلى الحد الأدنى في ظل الظروف الحالية من شأنه أن يعطي ميزة كبرى للقوى النووية الصغيرة، التي سوف تشهد زيادة محتملة في قدراتها النووية تكاد تجعلها متكافئة مع قدرات دولٍ أضخم.

فضلاً عن ذلك فإن خفض الأسلحة النووية إلى أدنى حدٍ قد يؤدي نظرياً إلى تعزيز فائدة أنظمة الدفاع الصاروخية ودورها في زعزعة الاستقرار، وحتى أنظمة الدفاع الصاروخية غير الاستراتيجية، التي قد يكون نشرها مفيداً، ستكون موضع تشكيك.

وإذا تم خفض المخزون من الأسلحة النووية التكتيكية، كما اقترح بعض الخبراء في الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، فإن معارضي الإصلاح العسكري الجاري الآن في روسيا سيجدون المزيد من أسباب الاعتراض على إعادة تشكيل القوات المسلحة التقليدية في البلاد بعيداً عن المواجهة مع حلف شمال الأطلنطي ونحو اكتساب قدرة الاستجابة المرنة في التصدي لتهديدات أخرى.

وعلى نحو مماثل، إذا سحبت الولايات المتحدة أسلحتها النووية التكتيكية الضخمة من أوروبا، فإن هذا من شأنه أن يضعف العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأوروبا. ومن المؤكد أن العديد من الأوروبيين، خصوصا في البلدان المنضمة حديثاً إلى حلف "الناتو"، سيطالبون آنذاك بتوفير المزيد من الحماية من الدب الروسي الأسطوري.

يبدو أن المجتمع الدولي بدأ يفقد صوابه الاستراتيجي، فبدلاً من التركيز على المشكلة الحقيقية، وبالتحديد النظام الدولي الذي أصبح استقراره مزعزعاً على نحو متزايد، يسعى المجتمع الدولي إلى تطبيق مفاهيم نزع السلاح التي كانت سائدة في أيام الحرب الباردة. وقد تكون هذه المفاهيم في أفضل تقدير مفيدة بشكل هامشي؛ غير أنها في ظل الظروف السائدة اليوم ضارة إلى حدٍ بعيد.

إن أكثر ما نحتاج إليه في الوقت الحاضر يتلخص في التفكير بوضوح بشأن الكيفية التي قد نتمكن بها من التعايش مع نادي الدول النووية المتوسع مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرار النسبي للعالم. وتحقيقاً لهذه الغاية فإن القوتين النوويتين العظميين لابد أن تتعاونا في تنسيق سياسة الردع النووي تجاه البلدان النووية الجديدة. وفي الوقت نفسه، يتعين عليهما تقديم الضمانات للدول غير النووية التي قد تشعر بعدم الأمان. ومن الضروري في المقام الأول العمل على سد الفراغ الأمني المتزايد في الشرق الأوسط. وقد تنضم الصين، القوة العالمية الاستراتيجية الصاعدة، إلى هذه السياسة، رغم أنها في الوقت الحالي تحتل المرتبة الثالثة بين أضخم القوى العسكرية على مستوى العالم.

إن محادثات الحد من التسلح مطلوبة من أجل جعل الترسانات الوطنية أكثر شفافية، ومن أجل بناء الثقة بين القوى العظمى، وهذه هي كل الفائدة المرجوة من هذه المحادثات.

لذا، فبدلاً من محاكاة معاهدات حقبة الحرب الباردة، يتعين علينا إطلاق حوار دولي لتحديد الدور الذي تلعبه القوة العسكرية والأسلحة النووية في العالم بما يتفق مع ظروفه الحالية. وقد يتسنى لنا أن ندرك آنذاك أن إزالة الأسلحة النووية ليست مجرد أسطورة، بل أسطورة ضارة أيضا، وأن الأسلحة النووية تشكل أصلاً مفيداً نجح في إنقاذ البشرية من نفسها، وقد يستمر في إنقاذها.

* عميد كلية الاقتصاد العالمي والشؤون الخارجية في جامعة موسكو الحكومية- المدرسة العليا لعلوم الاقتصاد.

"بروجيكت سنديكيت" بالاتفاق مع "الجريدة"

back to top