إعادة الهيكلة أنقذت شركات من الإفلاس ... ولكن مَن يضمن تصحيح المسار؟

نشر في 04-01-2010 | 00:05
آخر تحديث 04-01-2010 | 00:05
No Image Caption
الأزمة أعطت دروساً في تعزيز إدارات المخاطر والعمل على زيادة الإيرادات التشغيلية
يجب على هذه الشركات أن تقوم بمراجعة شاملة لنموذج أعمالها، وتغيير استراتيجياتها بما يتناسب وحجم التحديات التي تواجهها في المستقبل، إذ يجب أن تسدد التزاماتها خلال فترات محددة

في ظل ظروف اقتصادية

لا تخفى على أحد، إضافة

إلى ضرورة تحقيق إيرادات مناسبة لتسديد بنود إنفاقية كمرتبات وتمويل أنشطة وغير ذلك.

لا شك في أن الحال الذي وصلت إليه كثير من الشركات الاستثمارية في الكويت متأثرة بتداعيات الأزمة المالية لَهو أثبتُ دليلٍ على أنها أهملت بشكل لافت مقاييس الأمان، وذهبت إلى أقصى درجات المخاطرة في استثماراتها، مما أدى بها في النهاية إلى هذا الوضع المتردي، وهو ما اتفق عليه الكثير من تقارير المؤسسات العالمية.

فمنذ اندلاع الشرارات الأولى للأزمة الاقتصادية، واستجابة النظام المالي الكويتي بصفة عامة وشركات الاستثمار على وجه الخصوص لتبعات ومؤثرات هذه الأزمة، سلطت معظم المؤسسات المالية العالمية الكبرى ووكالات التصنيف، إن لم يكن جميعها، الضوء على الواقع الاقتصادي الكويتي وعلى قطاعاته المختلفة.

مقاييس الأمان

واتفقت تلك المؤسسات، على أن شركات الاستثمار أهملت، وبشكل لافت، مقاييس الأمان وذهبت الى أقصى درجات المخاطرة في استثماراتها، مما أدى بها في النهاية إلى هذا الوضع المتردي، وتمحورت مطالب تلك المؤسسات الموجهة الى شركات الاستثمار الكويتية في التركيز على تعزيز الوضع النقدي وتحسين الإدارة النقدية في شركاتها القابضة والشركات المستثمرة فيها، وتعزيز إدارات المخاطر والعمل على زيادة الإيرادات التشغيلية، مع عدم تركيز الاهتمام على المضاربات في سوق الأسهم.

من جهة أخرى، فقد تمحورت معظم تقارير المؤسسات حول ديون القطاع المالي في الكويت، لما يمثل هذا البند من أهمية قصوى، في الضغط على قدرة شركات الاستثمار على الاستمرار في ظل الظروف الراهنة، وكشفت مؤسسات اخرى أن الجزء الأكبر من أموال شركات الاستثمار مسجل في محافظ أسهم وعقار، مما وضع العديد منها في مهب التراجع في قيم الأصول الذي شهدته الأسواق في الازمة العالمية، وان عددا من شركات الاستثمار راهنت على الأصول غير المدرجة في استثماراتها، وهي غير قابلة للتسييل من جهة ويسهل التحايل بتقييمها بقيم أعلى من قيمتها العادلة من ناحية أخرى.

وقالت مؤسسات، إن مستوى درجة المخاطرة في النظم المالية لشركات الاستثمار الكويتية مرتفعة جداً. وإنها أهملت وبشكل لافت الإيرادات التشغيلية كإيرادات أساسية، وهي الإيرادات الناتجة عن العمولات والاستشارات وإدارة أموال الغير، وركزت على الاستثمار المباشر في الأسهم والعقارات وأدوات الدين، مع عدم الاكتراث بالمعايير العالمية للاستثمار في هذه القطاعات والتي تتوخى التحوط والتنويع القطاعي والمالي، فضلا عن معايير أخرى تتعلق بشراء هذه النوعية من الأصول.

وباتت شركات الاستثمار، عقب ذلك، في وضع حرج، ويتعيّن عليها التكيّف مع هذه الشروط الجديدة وإحداث تغييرات ضخمة لتحقيق التعافي، وإعمالا لذلك فقد أعلن عدد من هذه الشركات عمليات لإعادة الهيكلة ووقعت اتفاقيات لإعادة جدولة ديونها حتى تتمكن من تسديد التزاماتها وتستمر في مزاولة نشاطها.

مراجعة نموذج الأعمال

وإعمالا لذلك يكون أمام هذه الشركات أن تقوم بمراجعة شاملة لنموذج أعمالها وتغيير استراتيجياتها بما يتناسب وحجم التحديات التي تواجهها في المستقبل، إذ يجب على هذه الشركات أن تسدد التزاماتها خلال فترات محددة في ظل ظروف اقتصادية يعلمها الجميع ولا تخفى على أحد، اضافة إلى ضرورة تحقيق إيرادات مناسبة لتسديد بنود إنفاقية كمرتبات وتمويل أنشطة وغير ذلك.

وفي هذا الصدد يؤكد خبراء أنه على هذه الشركات التركيز على الأنشطة التشغيلية المربحة والمدرة للإيرادات من رسوم وأتعاب، والتي تنطوي على مستوى أدنى من المخاطرة ولا تتطلب استثمارا كبيرا لرأس المال، بالإضافة إلى التخارج من بعض محافظ استثماراتها، وخاصة الأكثر تذبذباً، والتي تعتمد على استثمار كبير لرأس المال، خلال فترة زمنية محددة وحسبما تسمح به أوضاع السوق، وفي المقابل لا بد من التركيز على إدارة الأصول والاستثمارات المصرفية والوساطة المالية.

استراتيجيات خاطئة

 

لذا فإنه من الضروري لهذه الشركات بعد أن تعيد هيكلتها إلا تنتهج استراتيجيات التوسع السريع، وألا تعتمد على الائتمان بشكل مفرط، وأن تبتعد عن استخدام قروض قصيرة الأجل لتمويل أصول طويلة الأجل يصعب تسييلها عند الحاجة.

كما أنه يجب على هذه الشركات البحث عن مصادر تمويل بديلة من سندات وصكوك وما شابه ذلك، والتي يمكن أن توفر التمويل المطلوب للشركات خاصة في ظل تشدد المصارف في الإقراض، إضافة الى ضرورة التشديد على تعميق ثقافة إدارة الأعمال، والتي تشمل تطبيق معايير الحوكمة والإدارة الرشيدة، والتقيد بالقوانين التي تضعها الهيئات الرقابية وتحمل مسؤولية الفشل والقبول بالمساءلة. فلا يمكن للهيئات الرقابية أن تضع مراقباً أو شرطياً في كل مؤسسة مالية للتأكد من أن إدارة هذه المؤسسة تقوم بالمهام المطلوبة بحسب القوانين المعلنة سواءً من ناحية إدارة المخاطر أو وجود رقابة داخلية صارمة ومجلس إدارة فعال.

كم من مدير يحتاج إلى الإقالة؟!

انتهجت الكثير من مجالس إدارات الشركات استراتيجيات، على مستويات إدارية، من شأنها إعادة الهيكلة الإدارية داخل الشركة نفسها، فقد قامت بعضها باستحداث مناصب جديدة تتناسب والمرحلة المقبلة، وأولت اهتماماً بمناصب على حساب أخرى قائمة بالفعل، إذ تراجعت، على سبيل المثال، أدوار مديري الاستثمار لحساب إدارات أخرى كالتمويل والخزانة والحسابات وكل ما يختص بعمليات إعادة الهيكلة، وفي المقابل قامت شركات بإنهاء خدمات المدير التنفيذي نظرا إلى تدني النتائج المالية لها.

ويعتبر خبراء أن ما اتخذته مجالس إدارات تلك الشركات بإقالة المدير التنفيذي هي خطوة مهمة جدا، ولكن لم يجزموا بأنها خطوة إيجابية إلا بعد أن يأتي المدير الجديد ويتم تقييم أدائه. والإيجابية هنا تكمن في مبدأ "الإقالة" لعدم تحقيق النتائج الإيجابية، خاصة أن شركات خاسرة وصغيرة تسيطر عليها مجالس إدارات لا يمكن زحزحتها، لأنها مجموعة واحدة أو بمعنى أدق الرئيس يأتي بمن يناسبه ويتوافق معه لا أكثر، ونجد مجالس إدارات منذ سنوات لم تتغير ويُجدد لها وهي تنتقل من سيء إلى أسوأ ماليا، وتتآكل رؤوس أموالها، فلا هم استقالوا، ولا مجلس الإدارة انتفض وأقال نفسه، أو أقال الرئيس التنفيذي وعالج الأمر القائم.

ولذا فقد تمنّت أوساط اقتصادية على كل مجلس إدارة موضوعي ومنصف، أن يقيّم نفسه وكلَّ عضو أيضا بهذه المجالس، ويحاسبون أنفسهم بحكم أن النظام لا يجيز إقالة مجلس الإدارة أو الرئيس التنفيذي أو غيره لمجرد عدم تحقيق النتائج، وهذا يحتاج إلى إعادة نظر، وحين يقوم كل مجلس بمحاسبة نفسه ورئيسه التنفيذي فإن الكثير سيتغير في هذه الشركات، وهذا يصعب تحقيقه، لأن رئيس المجلس أو الرئيس التنفيذي يأتي "بموافقين" دوماً.

وتطلع هؤلاء إلى دور أكبر لمجالس إدارات الشركات الخاسرة أو المتعثرة ومحاسبة كل رئيس تنفيذي، وأن تُسن مزيد من القوانين للشركات المتعثرة والخاسرة التي تحولت إلى أملاك خاصة ومجال للمضاربات بدون أي اعتبار لأي نتائج مالية جيدة لهذه الشركات، والبحث عن المكاسب الشخصية فقط.

back to top