الفيلا الإيطاليّة أم القصر الفرنسي؟

نشر في 07-10-2009 | 00:00
آخر تحديث 07-10-2009 | 00:00
أمضيت فترة طويلة أبحث عن موطن آخر في أوروبا. أردت مكاناً هادئاً يمكنني أن أمضي فيه العطل الأسبوعية وأنتقل للعيش فيه بعد تقاعدي. يملك أحد أصدقائي منزلاً في بروفنس، فيما يهرب آخر إلى شقة صغيرة جميلة تطل على شاطئ الكوت دازور.

عمدت بداية إلى الحد من الخيارات المتوافرة حتى لم يبقَ أمامي سوى منزلي. كلاهما غير معروض للبيع، لكن هذا الوضع قد يتبدل إذا لم تتغير أحوال السوق. لم أحتج إلى وكيل عقارات كي أتجول فيهما لأن الجميع يمكنه دخولهما. ففيلا فارنيزي في كبرارولا، التي تبعد عن روما نحو 55 كيلومتراً إلى الشمال الغربي، وقصر فو لو فيكومت، الذي يبعد أيضاً عن باريس نحو 55 كيلومتراً، مفتوحان للعموم.

يسهل عليك السفر بالسيارة من المدينة الخالدة روما إلى فيلا فارنيزي الواقعة على صخر بركاني يطل على بلدة كبرارولا الصغيرة. رحت أفكر في أنه إذا اصطحبت الأصدقاء إلى هذا المكان، سنبدأ جولتنا في مطعم بيع المثلجات في الساحة، لأننا سنُضطر بعد ذلك إلى تمضية الخمس دقائق التالية في ارتقاء باحات حجرية منحدرة قبل الوصول إلى درج مزدوج مميز عند مدخل الفيلا.

فيلا فارنيزي متحف تملكه الدولة، لكنها بعيدة عن المسار الذي يسلكه السياح عادة. لذلك، تجتذب عدداً صغيراً من الزوار مقارنة بفيلا ديستي الشهيرة في تيفولي. يتجول الزوار فيها ضمن مجموعات يقودها محاضر يرافقهم في مختلف أجزائها ويصف لهم مزاياها الفريدة. لا تتوافر معلومات كثيرة عن هذه المواقع على الإنترنت. حتى أن بعض السياح لا يذكر الحديقة على التلة وراء الفيلا بما تحويه من نوافير مذهلة ومنزل صيفي أو نادٍ رائع الجمال. لذلك يشعر كثر بالاستياء من هذا النقص في المعلومات.

من المهم الاطلاع على لمحة عن تاريخ هذا البناء. مثلاً، بنيت فيلا فارنيزي في الجزء الثاني من القرن السادس عشر، أي نحو نهاية ذروة النهضة الإيطالية. شيدها الكردينال أليساندرو فارنيزي، حفيد البابا بولس الثالث، الذي منح هذا الشاب أسقفيات ثرية في مختلف أنحاء فرنسا وإيطاليا. كان شائعاً آنذاك تشاطر الباباوات ثروات الكرسي الرسولي مع أفراد عائلتهم الأولياء، خصوصاً أبناء إخوتهم.

يضم متحف كابوديمونتيه في نابولي لوحة شهيرة لتيتيان يظهر فيها البابا بولس الثالث مع حفيديه أليساندرو وأوتافيو. يبدو الثلاثة في قمة مجدهم في عام 1546، أي قبل ثلاث سنوات من وفاة البابا بولس الثالث. لكن مع انتخاب بابا آخر لم تعد السلطة في يد آل فارنيزي. لذلك قرر أليساندرو العودة إلى وطنه.

استخدم هذا الرجل المثقف البارز أفضل الفنانين آنذاك بغية تحديث الفيلا، بمن فيهم المهندس جياكومو باروزي دا فنيولا، مساعد سابق لمايكل أنجلو. قضت خطة فنيولا، التي ما زالت تلقى إعجاب مؤرخين هندسيين كثر، بالحفاظ على شكل البناء المضلّع. إلا أنه أضاف إليها باحة داخلية دائرية يحيط بها بهو معمّد وخمسة سلالم حلزونية تؤدي إلى صالات رائعة في الطابق الثاني.

أكثر ما أحببت في الطابق الثاني صالة ماباموندو، التي تحتوي على لوحة للقارات الأربع المعروفة في القرن السادس عشر (أوروبا، آسيا، أفريقيا، وأميركا، على رغم أن الأخيرة غير دقيقة المعالم)، وصالة مأدبات فارنيزي تضم جداريات تبدو أشبه بألبوم عائلي عريق. تجسد الجداريات حوادث تاريخية مهمة رُسمت خلالها شخصيات آل فارنيزي ببراعة واضحة ودقة لامتناهية وألوان لا تزال مضيئة. يفضي الجسر الممتد فوق الخندق في الجهة الخلفية من الفيلا إلى حديقة منخفضة مسوّرة مزينة بشجيرات صغيرة بدل الأزهار، وفق الطراز الإيطالي.

وإذا حالفك الحظ، ستنضم إلى جولة تشمل الحديقة العليا. يفتح المحاضر بوابة تقود إلى ممر شديد الانحدار يفضي إلى عدد من المصاطب وسط الغابة. تتميز كل مصطبة بنظام مبدع من النوافير، من بينها نافورة تتوسط درابزيناً مزيناً بدلافين منحوتة. وعلى القمة يقع المنزل الصيفي المذهل الذي يشكل نسخة مصغرة عن فيلا فارنيزي، وهو أحد مقرات رئيس جمهورية إيطاليا الرسمية، ولا شك في أنه سيكون مجنوناً إن لم يمضِ نهاية الأسبوع هنا بين الحين والآخر.

مع إضافة قليل من الأثاث يمكنني بكل سهولة الانتقال للعيش في فيلا فارنيزي. لكنني لم أختر بعد بينها وبين قصر فو لو فيكومت. فهذا الأمر، في رأيي، أشبه بالاختيار بين النهضة الإيطالية والطراز الفرنسي الفاخر الذي يعود إلى عهد الملك لويس الرابع عشر.

على غرار كبرارولا، لا يستمتع بجمال هذا القصر إلا قليلون يقصدونه بعد زيارتهم قصر فيرساي جنوب غرب باريس وقصر فونتانبلو المجاور. صحيح أنه أصغر حجماً من هذين القصرين الملكيين، لكنه أجمل بطرق عدة، إذ نصل إليه عبر ممر طويل ومذهل تحده أشجار الدلب، ويُعتبر بحد ذاته نصباً تاريخياً.

زخرفات عربية

بنى القصر وزير الخزانة الفرنسي نيكولا فوكيه، فأذهل لويس الرابع عشر حين زاره في عام1661، حتى أن الملك استعان بفريق فو المؤلف من الفنان شارل لو بورن والمهندس لويس لو فو ومصمم المناظر الطبيعية أندريه لو نوتر، لإعادة تصميم قصره في فرساي.

يمتاز القصر الذي صممه لو فو لفوكيه بتوازنه الدقيق، ويقع على منصة مسطحة يحدها خندق ماء من الأمام. كان التصميم رائجاً في تلك الحقبة، لكن المهندس أضاف إليه صالة مستديرة عالية السقف إيطالية الطراز تضم صالوناً بيضاوياً بدلاً من الصالة المربعة التقليدية.

يطلّ الصالون الكبير على حديقة لو نوتر المذهلة الممتدة إلى الجنوب بأحواضها التي تتوسطها النوافير، وممراتها المغطاة بالحصى، وأشجارها الصغيرة التي تكوّن زخرفات عربية حتى أنك تخالها سجادة تركية. خلال تصميم لو نوتر هذه الحديقة، تلاعب بالأبعاد بطريقة يعجز معها سكان القصر عن رؤية القناة الغائرة عند طرف الحديقة البعيد. لكن الزوار الذين يجتازون الحديقة تسرهم رؤية هذه المفاجأة المخفية.

خلال عمل لو نوتر على الحديقة، رسم لو برن، الذي كان أنهى لتوه أسفاره في إيطاليا، صور الملهمات على سقف مقر فوكيه الخاص، جاعلاً منهن نسخة فرنسية مكسوة بالجلد تعود إلى القرن السابع عشر من رسومات مايكل أنجلو في كنيسة سيستين. كذلك وضع خططاً متقنة لتصميم الصالون الكبير. لكن القدر لم يشأ أن تُنفَّذ بالكامل.

يخفي كل قصر عظيم في أوروبا قصة رجل. ويروي فو قصة فوكيه، راع مميز للفنون وصديق الكثير من الكتاب، بمن فيهم موليير، وسياسي بارع كان معظم وجهاء باريس مدينين له. كان فوكيه حقق ثروة طائلة حين عينه الملك مشرفاً على الخزانة. لكن خلال مسيرته المهنية المذهلة، اتخذ لنفسه أيضاً أعداء خطيرين، مثل جان باتيست كولبير، الذي نشر قصصاً عن احتيال فوكيه المالي في عهد الملك الشاب لويس الرابع عشر.

ما كان موليير ليتخيل سقوطاً أعظم من سقوط فوكيه، الذي رحب بالملك بحفاوة في فو في صيف عام 1661. ولم يكن فوكيه يعي آنذاك أن الملك يشك في اختلاسه من أموال الدولة. بعد أقل من شهر، أوقف الأخير على يد النقيب شارل دو باتز كاسلمور، شخصية تشبه الكونت دارتانيان في رواية ألكسندر دوما «الفرسان الثلاثة».

كان الحكم الذي أفضت إليه محاكمة طويلة أعدها كولبير حاسماً. فأمضى فوكيه ما تبقى من حياته في السجن. ويُقال إنه بطل رواية أخرى لدوما، «الرجل في القناع الحديدي» The Man in the Iron Mask. في تلك الأثناء، سلب لويس القصرَ محتوياته كافة، ناقلاً كل مقتنيات فوكيه الثمينة إلى قصر فرساي.

تشكل لوحات بوسان وسجادات غوبلان التي يراها الزوار في فو اليوم مجرد نسخ. وهي جزء من أعمال الترميم التي أعدها ألفريد سوميه بعد شرائه القصر في عام 1875. ويواصل حفيده باتريس دو فوغ جهود إعادة القصر إلى الحياة. إذ أصلح الحديقة وفتح البرج أمام الزوار. كذلك يقيم فيه حفلات بمناسبة عيد الفصح وسهرات لتناول الشوكولا وأخرى أدبية على غرار سهرات موليير.

تُعلّق عند المدخل مجموعة من أزياء القرن السابع عشر، لذا لا تزال ترى أولاداً صغاراً يرتدون مثل فوكيه ويتنقلون في الأرجاء.

خلال زيارتي الأخيرة لقصر فو، وقفت على المصطبة المطلة على الحديقة وحاولت أن اختار بين هذا القصر والفيلا. كلاهما يحتاج إلى حمامات جديدة، إلا أن ذلك غير مهم. فالمال لا يشكل عائقاً.

back to top