شلشاء البقمية و... متلع القبع العتيبي 2/1

نشر في 28-08-2009 | 00:00
آخر تحديث 28-08-2009 | 00:00
كان بإمكاني أن أضع شلشاء البقمية مع بقية الشاعرات اللواتي... لهن تجارب تشابه تجربتها، ولكني آثرت الكتابة عنها وحدها إكراما لحبيبها متلع القبع العتيبي.

وعندما اقول ذلك لا اقصد التقليل من شأنها، ولكن قلة القصائد التي وصلتني عن تجربتها جعلتني اشعر أن مادتي ستكون هزيلة ليس من ناحية «الكيف» بل من ناحية الكم في المادة المقدمة، فهي ليست مثل مويضي البرازية صاحبة التجربة الثرية المتكاملة، وليست مثل وضحا الجدعية او مرسا العطاوية او نوره الحمود الظفيرية، وغيرهن من الشاعرات اللواتي بين يدي قصائد لهن تكفي لإعداد دراسة شاملة عن كل جوانب حياة المرأة البدوية.

وإعجابي بشلشاء البقمية سببه صدقها وشجاعتها وتغنيها بالرجل الذي لم تحب قبله ولا بعده، ولم يكن يشغلها في الحياة ويسعدها أو يشقيها غيره.

وانا كشاعرة لا انكر ان هناك رجلين اثنين شعرت بالغيرة عليهما من كل الرجال الذين قالت النساء البدويات الشعر في عشقهم، وامتدحن رجولتهم، ووسامتهم وشجاعتهم.

الرجل الأول الذي لا يقارن بغيره أبدا في الأولين ولا في الآخرين، كان زوج وضحا الجدعية، الفارس مشعان الرويل العضيداني العتيبي، الذي قالت وضحا شعرا اثارت به غيرتي، وقصيدتها فيه من أحب واجمل الشعرعندي:

ابو قرونٍ فوق متنه عطايف

على مصاريع الفرس شرعني

شكله جميل ولا بعد قيل خايف

ما هو بمخلوقٍ على وصف جني

مرحوم يا مذري البكار العسايف

زوع بهن يوم النجوم أدبحني

من عادته يلفي بذودٍ ولايف

كم هجمةٍ جاني عليهن يغني

 ولوضحا الجدعية قصيدة أخرى في غاية الروعة ايضا ترثي بها زوجها وتصف جماله وفروسيته تقول:

ما احلاه قدام المناسر يفدي

ضاري بشلعتهن وسهيل ما طاح

والحق والمفرود ماله يلدي

ولا يشلع الا كل وضحا ومضياح

ولا قال ابا اشري لك حياكٍ يكدي

القز... والقيلان يشري بالارياح

جزت به الشقرا عساها تلدي

لا... واخساره برنا عندها راح

ليته درا عن كثر حبي وودي

ما كان يقعد لو تهاوته الارماح

واصاحبي يوم ان الجيش ردي

حول بمسلوبٍ عليه الدرم لاح

واذكر اني كنت اقول لشقيقتي اين يمكن ان تجد المرأة رجلا مثل هذا في زمن كهذا، والرجل الآخر الذي شعرت بالغيرة من حبيبته هو «متلع القبع العتيبي» وما عدا هذا ومشعان العتيبي لم يحرك قلبي احد من ملهمي الشاعرات لا القديمات ولا المعاصرات واحب ان اشير الى ان هناك كتابة عن تجربة وضحاء الجدعية في اعداد قائمة اعتبرها من اهم كتاباتي في هذا المجال، اما اليوم فأنا بصدد الحديث عن شلشاء البقمية وصاحبها متلع القبع.

تقول في احدى قصائدها تمدحه وتمدح احد رجال قومه ولعله صديق حميم له، وإلا ما كانت جمعتهما معا في قصيدة واحدة على ما لملتع عندها من الغلا والمكانة الخاصة تقول:

ريضوا... ياهل الثنتين

قرية التالية تنثر

العرب دونهم... عرقين

دونهم عبلةٍ تزبر

قلطوهن الى البيتين

بيت متلع وابن صنقر

اهل الثنتين اي ركاب الناقتين واي ناقتين تقصد الناقتين اللتين يقطر ماء القربة التي تحملها الناقة الثانية منهما!

وهي عندما قالت «ريضوا» كانت تقصد ان يتمهلوا في سيرهم قليلا حتى تقول لهم امرا يهمهم وهو انهم كانوا يبحثون عن عرب من اجل الضيافة والراحة فإن منازل العرب تقع خلف كثيبين من الرمل وتوصيهم بأن يختاروا اكرم الناس واحفظهم لحق الضيف متلع وابن صنقر دون كل رجال الحي.

الأبيات كانت بطاقة دعوة توضح العنوان بدقة وتذكر الاسم وتشرح الظروف المحيطة وتوضح الجغرافيا وثبت الامان في نفوس هؤلاء الغرباء المتعبين كل مفردات الابيات لها جوها النفسي والتاريخي والفني، وما احسب ان المساحة تكفي لو اردت ان اوضح كل شيء بدقة واعطي كل مفردة وكل حركة وكل سكون حقها الوافي من التوضيح وكل جوانب حياة اهل الصحراء، وليس غريبا ان شلشاء «عزمت» الضيوف على بيت حبيبها وليس على بيوت قومها، فهي في الواقع لم تقصد ان تقول انه لا احد فعلا يطعمكم ويسقيكم ويستقبلكم سوى متلع وابن صنقر بل قصدت ان تغتنم الفرصة لمدح حبيبها، وقصدت ايضا ان توضح ان ليس كل من يطعمك ويصب لك قوة يكرمك، فالإكرام مسألة اكبر واعمق من سد جوع البطن، الإكرام هو كما قال صياح المرتعد:

اهل القرازين النبا والتراحيب.

وهي اعلم الناس بطباع معشوقها واخلاقه واذا كانت شلشاء قد مدحت «متلع» في القصيدة الاولى على استحياء، وجمعته مع رجل آخر فانها في القصيدة التالية تصرح تصريحا لا لبس فيه وترفع صوتها باسمه، وتشتكي من العشق شكوى المدنف المتبول، يقول:

يا اهل العيرات انا ندرت عيوني

هوسلاعني وانا ما لي جلاده

جعلكم يا اهل النقيلي تذهبوني

ما لكم مصلوح ميرانه قراده

العرب لو دون متلع هاوشوني

والله اني لـ تمثل به حساده

back to top