بين الخيال والحقيقة التوازن ضروري!

نشر في 16-08-2009 | 00:00
آخر تحديث 16-08-2009 | 00:00
التناغم في الحياة هو نتيجة التوازن بين الخيال والحقيقة. كيف يمكن تجنّب أن يحدّ فيض الصور من إبداع عقول الأطفال؟ هل يمكن العودة إلى أرض الواقع بسهولة؟ إليكم بعض الأجوبة والنصائح من أهل الاختصاص.

لا شك في أنّ فيض الصور يقتل الخيال. لكنّ الكثيرين من الأهل يتركون أولادهم أمام شاشات التلفزة، لأنهم لا يملكون الوقت الكافي لهم أو لتجنب النزاع معهم، فيعتبرون أن أطفالهم لا يقومون بالحماقات خلال هذا الوقت على الأقل. الإغراء كبير، إذ يساعد تشغيل التلفزيون في التخلص من الملل. خطأ! يحتاج الصغار إلى بناء عالم خيالي من دون الاستعانة بالتلفاز أو الإنترنت أو ألعاب الفيديو.

وفقاً لعلماء النفس، الخيال هو الذي يبني الإنسان. قبل التفكير بأيّ شيء، لا بدّ من الحلم. وقبل التحلّي بالقدرة على الحلم، لا بدّ من الامتناع عن تشغيل جهاز التلفزيون!

أهمية الخيال

الخيال هو المفتاح الذي يفتح باب الحياة النفسية. لفهم موقف معيّن، يحتاج الطفل إلى تكراره حتى يستوعبه. في المرّة الأولى، يترك الموقف أثراً في نفسيّة الطفل. في المرة الثانية، يتعرّف الطفل على المشهد بنفسه، ويمكنه في هذه المرحلة تشبيه موقف بآخر. هكذا، كلّما تراكمت التجارب، يتطور نظام المراجع المألوفة لديه. بعد ذلك، قد يبدأ في اللعب وتقليد الغير والتعرف على نفسه ثم سرد القصص.

تبدأ المشكلة حين يكوّن الطفل صورة خاصة عن مشهد معيّن، فتبقى مترسّخة في روحه دائماً. من الأمثلة المعبّرة عن هذا الوضع، طريقة عرض الحكايات في الرسوم المتحرّكة: ينطبع فيلم بيضاء الثلج، من إنتاج «والت ديزني»، في أذهان الأطفال إلى حدّ أنه يصعب تصوّر نسخة أخرى من هذه الحكاية. تتعدد مصادر الوحي التي تغذّي خيال الصغار وعلى الأهل تنميتها (قراءة، ألعاب، سرد القصص...). إذا اعتاد الأطفال على رؤية الصور المرئية عن كلّ شيء، لا مجال للاختراع والإبداع!

تحفيزه

لتعزيز الخيال، لا بدّ من الشعور بالملل. يُبنى الخيال عبر الكتب التي نقرأها والأمور التي نسمعها والقصص التي تُسرد أمامنا. إنه تجسيد داخلي لما يحصل من حولنا. لتغذية هذا العالم الداخلي والتمكن من تحفيز الخيال، لا بدّ من الشعور بالنقص والملل، لكننا نفتقر بشدّة إلى هذين العاملين راهناً.

يخطئ الأهل حين يظنون أنّ مشاهدة برنامج تلفزيوني أو قضاء جلسة طويلة لتصفّح الإنترنت يساعدان على تمرير الوقت. إذ يمرّ الوقت هدراً أكثر من اللزوم، ما يعرّض خيال الطفل للخطر. عند مشاهدة التلفزيون، يواجه الطفل فائضاً من الصور البصرية، فلا تنشط عواطفه لأن تركيزه يصبّ على حاسّة البصر دون سواها. خلال هذا الوقت، يبقى الطفل جامداً ويمتنع عن اللعب.

الاعتدال والمشاركة

من الأفضل أن يتخيّل الطفل عالماً من القصص المستحيلة والأبطال الخالدين عبر تشغيل مخيّلته أو اللعب مع رفاقه من أن يبقى مسمّراً أمام برنامج تلفزيوني ولو كان خيالياً. كذلك، البرامج المعروضة لا تُعدّ ولا تُحصى، ما يمنعه من إيجاد شخصيات يقتدي بها، إذ يصعب عليه الاختيار بين عشرات الأبطال. وفقاً لعلماء النفس، الأهمّ هو الاعتدال في مشاهدة التلفزيون (يجب ألا تحتلّ البرامج مساحة كبيرة من وقته) والمشاركة مع الأهل لأنّ المشاهد البصرية، على عكس الخيال، يمكن مشاركتها مع الآخرين. الصورة طابعها اجتماعي لأنها تتيح إنشاء العلاقات: يتبادل جميع الأطفال خلال فترة الاستراحة في المدرسة التجارب التي اختبروها في اليوم السابق.

العودة إلى الواقع

لا شكّ في أنّ الخيال يشكّل مصدر تطوّر للطفل، لكن من الضروري أن يعود هذا الأخير إلى أرض الواقع في نهاية المطاف بمساعدة الأهل. عليهم منعه من الانجراف في عالم الخيال الذي يفتقر إلى النظام ويعزز العزلة، حتى لو كان هذا العالم مدهشاً. بهذه الطريقة، يبقى الطفل مرتبطاً بالواقع بشكل سليم. يتمّ ذلك عبر الاعتدال في مشاهدة القصص الخيالية حتى لو كانت على شكل رسوم متحرّكة. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الشخص الناضج وحده يمكنه التمييز بين الوهم والخيال، فيستفيد من هذا العالم ويستمتع به. لكنّ الطفل، على عكس الراشدين، لا يملك القدرة ولا المرونة لاكتشاف الفرق. قد يتملّكه بسرعة شعور بالانبهار مما يراه على الشاشة وتصبح العودة إلى الواقع أكثر صعوبة!

رسم الحدود

على عكس مشاهدة التلفزيون حيث يكون المشاهد جامداً ولا يبدي أيّ تفاعل أمام الشاشة، يكون التفاعل في الألعاب الإلكترونية أقوى بكثير. يشعر الطفل بأنه جزء من اللعبة ويتعلّق بها عاطفياً. لا بدّ من أن يفرض الأهل حدوداً على مستوى مدّة اللعب. احترام الأوقات التي يحددها الأهل لأطفالهم قاعدة أساسية ومفيدة. يمضي الطفل ساعات في تلقّي الصور من مختلف المصادر من دون التذمّر من أيّ مشكلة. على الأهل أن يختاروا مع أولادهم البرنامج المفضّل لديهم وأن يحددوا مدّة مشاهدته. هكذا، يتعلّم الطفل احترام الوقت والانفصال بسهولة عن أيّ فيلم أو برنامج تلفزيوني أو جلسة ألعاب الفيديو. من الطرق الأخرى للعودة إلى أرض الواقع، تعزيز النشاطات الترفيهية المفيدة مثل اللعب أو الرسم بهدف التعبير عن ذلك الخيال المستفيض.

back to top