هجاء السلاح: المقاومات كحروب أهليّة مُقنّعة إيرلندا... البلد الأسبق عهداً بالمقاومات تتيح أبهى مثال لتساوي الحرب الأهلية والمقاومة (الحلقة 9)

نشر في 30-03-2010 | 00:00
آخر تحديث 30-03-2010 | 00:00
إيرلندا: معادل الحرب الأهلية

قد لا ينطبق وصف المقاومة، بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، على إيرلندا، نظراً إلى أن تاريخها على مدى قرون تخلله مسار مقاوم، فضلاً عن أن مقاومتها لا يمكن أن تكون من الصنف المفضي، لا نظرياً ولا عملياً، إلى الإمساك بالسلطة بعد التحرير، أو بعد الاستقلال، تبعاً لمدى الانقسام الديني ودرجته. هكذا جاز، وعلى نحو مفارق، اعتبار ذاك البلد أكثر تأهيلاً للمقاومة من أن يندرج في تصنيفها التقني والعادي. وإنما للسبب هذا، نقع من المعاني والدلالات في التجربة/التجارب الإيرلندية على ما لا نقع عليه في التجارب الأخرى التي دامت لسنوات وانحصرت في حقبة تاريخية بعينها، أو أن ما نراه في هذه الأخيرة نراه مُجمعاً وكثيفاً، مختمراً ومستنفداً نهاياته في إيرلندا. أما عبثية ربط مقاومتها ببلوغ السلطة، فتكشف حالات مماثلة، ولو بخفاء أكبر، لم تحل انقساماتها الأهلية دون طلب السلطة، وغالباً إحرازها.

فإيرلندا، بوصفها البلد الأسبق عهداً بالمقاومات، أفصح الحالات في إبانتها عن تساوي الحرب الأهلية والمقاومة، بحيث ترادف إحداهما الأخرى أو تكاد. ولا يقلل من المماثلة هذه حقيقة أنها، وتحديداً سكانها الكاثوليك، عانوا من الاضطهادات المعروفة على وجه الأرض أطولها عمراً، وأن اضطهادهم كان، في معظم لحظاته، مُركباً: دينياً وطبقياً وقومياً في آن.

ولئن وجد البعض ما يحيره في اصطباغ أوروبية إيرلندا بنزاع أهلي كاد يتخذ طابعاً أشبه بالجوهري، فإن الحيرة لا يلبث أن يطردها التاريخ. ذاك أن السيرة الإيرلندية تزودنا معظم عناصر استثنائيتها التي حالت دون الاندراج في السيرة الأوروبية العريضة. فإلى الانقسام المذهبي والتاريخ الكولونيالي، واكبت الصراعاتِ التي خيضت هناك واستنفدت خائضيها تحولاتٌ لم يُتح للأخيرين الإنصات إليها، توجتها الثورة الصناعية وبناء سكك الحديد، ثم الحركة النقابية والتعليم الشامل والنظريات الاجتماعية وصعود دولة الرفاه.

وهذا ما سبقه ومهد له تراكُب التخلف الديني الذي لم يتعرض لرياح الإصلاح وحروب التوسع الإنكليزي المتصلة والمصطدمة حكماً، بسبب من الجغرافيا، بإيرلندا. فالجارة الصغيرة لم تملك، في النصف الأول من القرن السابع عشر، جامعة خاصة بها، آنَ كانت الجامعات مركز التداول في الشأن اللاهوتي ومصدر إنتاج سائر أنواع التأويل والنقد المتصلين به، ومن ثم الجديد المنجر عنه. ثم إن البدايات الاستيطانية للعهد الإليزابيثي، في القرن السادس عشر، لم تزود الإيرلنديين كتب تعاليم دينية منقولة إلى اللغة المحلية والمحكية، وهو كان شرط شارطاً للإصلاح الديني، بل ترافقت مع السيف والإخضاع وحدهما. وشأنُ المُلكية، إلى هذا، لم يكن أكثر حضاً على التقدم بينما كان أقل تعبيراً عن العدل: فبين 1540 و1640، مثلاً، تغيرت ملكية الأراضي في الجنوب الشرقي لما بات يُعرف اليوم بجمهورية إيرلندا أيما تغير. فقد حل محل الملّاك المحليين مستوطنون إنكليز واسكوتلنديون بروتستانت، بينما في ألستر، في الشمال، أُوكلت مهمة الاستيطان إلى مغامرين مارسوها كمشاريع تجارية مربحة تُجلي، بالضرورة، السكان المحليين الكاثوليك، وتمنح أراضيهم لمستوطنين بروتستانت.

«العام الصفر»

وفي الغضون هذه شهد عام 1641 انتفاضة كاثوليكية عارمة جعلته، لدى السكان البروتستانت، عاماً مفصلياً، أو حسب تسمية المؤرخ ماركوس تانير، «العام الصفر». فقد انفجر غضب السكان المحليين المهجرين صاخباً وانتشرت أعمال عنفهم ضد المستوطنين ممن صاغوا محنتهم في مماثلات توراتية المصدر: فهم بنو اسرائيل والشعب المختار، أما الكاثوليك فلهم الأدوار التي أناطها «العهد القديم» بقبائل الشغب والفوضى.

والحال أن أكثر من ثلث المستوطنين في ألستر الشمالية تعرضوا، آنذاك، للقتل بأيدي جيران كاثوليك. وهو ما صلب المستوطنين، على تعدد فرقهم البروتستانتية، في هوية «بروتستانتية» واحدة تعيش حالة حصار متواصل. وتوغلت عميقاً وبعيداً، في المقابل، حملات الاستيطان مع احتلال أوليفر كرومويل إيرلندا، ابتداء بـ1649، وحملته الضارية، في مناخ الحروب الدينية، ضد الكاثوليكية، مذهبها التقليدي والشعبي. وإذ لم يميز القائد الإنكليزي المُتخم ببروتستانتيته البيوريتانية بين السكان المحليين الكاثوليك وقدامى الإنكليز الكاثوليك، صلبهم جميعاً في هوية «كاثوليكية إيرلندية» تعيش، بدورها، حالة اضطهاد. أما سياسته لتوزيع الأراضي، فأتمت ما بدأ قبله بقدر ما أرست التماهي بين مقاومة الإنكليز والتحارب الأهلي: فقد أعطى كرومويل البروتستانت معظمها تاركاً الكاثوليك لبؤسهم ولظلم صارخ مضى، مع الزمن، يتعاظم. فهم، بعدما امتلكوا 22 في المئة من الأراضي عام 1690، غدوا يملكون 14 في المئة عام 1703، ثم 5 في المئة فقط في سبعينيات القرن الثامن عشر. وسار تدمير الطبقة الكاثوليكية المالكة الأرضَ في موازاة إلغاء ما تبقى من حقوق سياسية للكاثوليك. ذاك أنه مع ربط الحق في التصويت بحجم الأرض المملوكة، انخفض باضطراد عدد الكاثوليك الذين يحرزون الحق هذا، إلى ان انعدم تماماً في 1728.

وعلى رغم ذلك لم يتحول إلى البروتستانتية عدد يُذكر. فبين 1703 و1789، لم يتعد المتحولون عن الكاثوليكية الـ5500 شخص معظمُهم ملاكو أراضٍ فضلوا مصالحهم على هويتهم. وقد بقي الكاثوليك الأكثرية في معظم البلاد، فارتفع عددهم من 800 ألف في 1650 إلى 1.5 مليون في 1700 وحافظ، في القرن التالي، على نموه. وحسب إحصاء يعود إلى 1831، قُدر عدد الإيرلنديين بـ7.9 ملايين، بينهم 6.4 ملايين كاثوليكي. وإذ راح عددهم يكبر، كبرت ثقتهم بالنفس وقوتهم، على رغم السياسات الرسمية والاضطهاد الذي تلحقه بهم، أو أن تلك السياسات جعلت تشحذ شفرة الثقة والقوة هاتين.

المقاومة والأسطورة

هكذا كان أن استحوذت الحروب الدينية على بُعدين طبقي وأقوامي ما لبث، في زمن صعود القومية اللاحق، أن صار قومياً. وعلى هذا الواقع الكولونيالي/القومي والاجتماعي/المذهبي، ترتبت معطيات أخرى، مألوفة، إن لم تكن كلاسيكية، في حالات كتلك. فالبروتستانت ذوو الأصول الإنكليزية والاسكوتلندية، وهم في يومنا أقل من ستين في المئة في الشمال، استقروا قطاعاً سكانياً هو الأكثر مدينية وتعلماً ورفاهاً، والأقل إنجاباً، تفصلهم مناطق الإقامة وأحياؤها عن الكاثوليك «الأصليين»، وهم اليوم أكثرية كاسحة في جمهورية الجنوب وأكثر من 40 في المئة في الشمال.

لكن الرواية الوردية عن التاريخ الثوري والمقاومة، وعن التأييد الشعبي الذي حظيا ويحظيان به تنتسب، حسب بعض النقاد، إلى ماضٍ مُتوهم: فقد شكك، مثلاً، شون كرونين، في كتابه «القومية الإيرلندية: تاريخ جذورها وإيديولوجيتها»، بأساطير الثبات الإيديولوجي والمبدئي المنسوبة إلى القومية المذكورة، والتي غالباً ما استُعرضت في مواجهة الهوى الملكي والبريطاني عند البروتستانت بعدما أُلصقت بها مواضٍ لم تحدث.

ذاك أن القومية تلك تبقى تشكلاً تاريخياً اندمجت فيه عواطف وتقاليد عدة، أما أفكارها السياسية فمتقلبة رجراجة. فهي، لدى نهاية القرن السابع عشر مثلاً، وكانت لاتزال أقوامية، اتصلت بكاثوليكية عابرة للبلد على نحو لا تبرئها منه أي كتابة «تقدمية» للتاريخ. فقد اتخذت شكل تماثُل مع المَلكية الإنكليزية الكاثوليكية، لاسيما مع جيمس الثاني، آخر الملوك الكاثوليك الذي لجأ إلى الإيرلنديين إثر إطاحته، قبل أن يستقر في فرنسا. بيد أنها، في نهاية القرن الثامن عشر، لبست لبوساً يعقوبياً صارماً في مناهضة الدين، على ما سوف نرى. فهي، إذن، ليست بذاتها حاملاً لمضمون إيديولوجي، ناهيك عن أن تكون «تقدمية» بإطلاق، أو «خيراً» بإطلاق.

على أن أسطَرة المقاومة ما أملى الكتابة القومية للتاريخين الإيرلنديين، السابق عليها واللاحق لها. وكان الموضوع الأول للأسطرة تلك ثيوبالد ولف تون، رائد التوجه الاستقلالي في القرن الثامن عشر. فولف تون، وهو بروتستانتي من دبلن، من ورثة التنوير والحماسة للجمهورية، قاتل مهجوساً بنقل تعاليم الثورة الفرنسية إلى ايرلندا، كما حلم بجمهورية علمانية في بلده تنصهر بروتستانتيتها وكاثوليكيتها في قومية جامعة. فالكاثوليك والبروتستانت، عنده، وكما الدعاة القوميون عادة، سوف تتضافر جهودهم لخلق جمهورية ايرلندية كلية الانفصال عن بريطانيا، موصولة، على نحو أو آخر، بفرنسا الثورية.

«الإيرلنديون المتحدون»

وفي تنويريته المعادية للخرافة، لاسيما الكاثوليكي منها، مثل ولف تون ورفاقه الملاحدة واللاأدريون ما يشبه الطليعة التنويرية للجمهرة الكاثوليكية الفلاحية. وقد نشر، في 1791، ما اعتُبر مانيفستو القضية الإيرلندية بعنوان «مجادلة لمصلحة كاثوليك إيرلندا» (33 صفحة) ليغدو، في ما بعد، الأب الصوفي لقوميتهم.

ولوهلة في آخر عقود القرن الثامن عشر، تبدى أن أحلام الثائر المؤسس توشك على التحقق: فالراديكاليون من الطائفتين جمعت بينهم حركة «الإيرلنديين المتحدين»، وهم أبناء متحرقون إلى التغيير للطبقات الوسطى، أغلبهم من بروتستانت بلفاست. وقد تحول هؤلاء، منذ 1793، وفيما إنكلترا وفرنسا تواليان خوض حروبهما، حركة تآمرية يؤرقها الحصول على دعم فرنسا الثورية شرطاً لإكمال مهمتها.

ولم تخل التجربة المريرة من سرد مشوق. ففي 1795 انتقل ولف تون إلى باريس، حيث أقنع قادتها بنضج بلاده لتبني نموذجهم، وفي الآن نفسه، توجيه ضربة، عبرها، إلى لندن. أما فرنسا فلم تخذله دافعةً، في العام التالي، بقوات ضخمة العدد إلى إيرلندا، يرافقها ولف تون نفسه. لكنْ لئن حالت رداءة الطقس دون إكمالها سيرها، كرر الفرنسيون التجربة، أواخر العام، بقوات أقل عدداً تمكن البريطانيون من سحقها واعتقال ولف تون. وبعد عامين، في 1798، وبينما الإيرلنديون يخوضون أولى انتفاضاتهم القومية وينهزمون، انتحر الأخير في سجنه، مفضلاً ألا يموت محكوماً بالإعدام على أيدي أعدائه.

لقد بدا «الإيرلنديون المتحدون» على بينة من أن الدعم الفرنسي ليس الشرط الوحيد للانتصار. فحركتهم لن يُكتب لها النجاح، كما رأوا، إذا ما ظلت مقصورة على الجناح الراديكالي من الطبقات الوسطى المدينية والصغيرة حجماً وفعاليةً. واستنتجوا، على النحو هذا، ضرورة استثارة الفلاحين وضمهم إليهم. لكنْ هنا تحديداً بدأ التبايُن يتضح: ذاك أن كل نجاح كانت تلقاه تلك الاستثارة القومية، كان يضاعف القلق، بل الخوف، لدى طليعتها المعلمنة والقومية، وأغلبُها بروتستانتي. فالفلاحون، في أكثريتهم الساحقة، وبحكم تقاليدهم الموروثة، كاثوليك ملتزمون لا تعنيهم أفكار «الإيرلنديين المتحدين» إلا بقدر ما تعدهم باسترجاع أراضهم والتخلص من البروتستانت. وهو ما عكس نفسه سريعاً على قَسَم الانتماء إلى حركة «المتحدين...» حيث غدا ينص، في المناطق الريفية الكاثوليكية، منذ منتصف تسعينيات القرن الثامن عشر، على الإخلاص للديانة الكاثوليكية. كذلك صُبغت أفكار التحرر والاستقلال بنزعة خلاصية مصادرها مستقاة من أدبيات الكاثوليك وفولكلورياتهم.

هكذا حف بالانتفاضة القومية الأولى مقتلان:

الأول، اصطباغها بدعم فرنسا كما بالتبعية لثقافتها. فهي اختلفت عن انتفاضة 1641 ما قبل القومية للسبب هذا تحديداً. ذاك أن الثورة الفرنسية، وقبلها الثورة الأميركية، كانتا قد أطلقتا بعض الأفكار حول الشعب والحرية والمساواة. وبالنسبة إلى مساهمة الثورة الأميركية، فإنها نشرت فكرة الاستقلال عن الحكم البريطاني التي لاقت أثراً واسعاً عند قطاعات إيرلندية عابرة للانتماء الطائفي.

والثاني، انفجار كتلتها ما بين قيادة راديكالية جمهورية متعلمنة تبغي توحيد «الشعب» كله، وجمهور فلاحي كاثوليكي كاره للبروتستانت. والمقتلان هذان بمنزلة بُعدين ضامرين ومتناقضين في الانتفاضة: ذاك أن التأثر بالثورة الفرنسية أنهى، أقله لدى الطليعة، تلك المماثلة بين الأمة والإيمان الكاثوليكي. فالثورة المذكورة تركت على الوعي القومي تأثيراً عظيماً إن لم يكن تأسيسياً، إذ أتاحت، ولو نظرياً، فرصة الحديث عن إيديولوجيا قومية شاملة الكاثوليك والبروتستانت. هكذا بات يؤرخ بتلك المنعطفات الكبرى لنشأة النزعة الجمهورية العلمانية بوصفها تحدياً للمطارنة والكنيسة.

الإكليروس قائداً

لكنْ عند هذا التحول تحديداً، حيث تعبيرات الثورة الفرنسية حادة ومُلحة، بدأ يضمر الحضور البروتستانتي، وهو أصلاً محدود ونخبوي، في المشروع القومي. ذاك أن انتفاضة 1798 انطوت أيضاً على مذبحة نزلت بالبروتستانت في ويكسفورد، في الجنوب الشرقي، نجم عنها إحراق مائة سجين منهم أحياءً، مقنعةً أبناء مذهبهم بأن أفكار الوحدة خديعة لا تؤول إلا إلى دمار ذاتي. فالانتفاضة تطيفت، ولئن ظل في وسع القادة المضي في تبشيرهم بقومية مستمدة من التنوير والثورة الفرنسية، فقد غدا زخم الفعل الثوري تحويراً للحقد المديد على البروتستانت بسائر طبقاتهم. فالمتمردون الذين هاجموا الملكيات كلها من غير تمييز، تعبيراً عن حرمانهم منها وحقدهم عليها، اقتصر إحراقهم البيوت على منازل بروتستانتية فحسب.

هكذا ضمت الانتفاضة انتفاضتين مميزتين، بل متعارضتين، واحدة بروتستانتية نخبوية مسرحها ما يُعرف اليوم بإيرلندا الشمالية، وأخرى كاثوليكية، شعبية وفلاحية، في ما هو الآن جمهورية الجنوب. ولئن ذهبت هذه الأخيرة أبعد من سابقتها، هي التي ارتكبت ذبح البروتستانت في ويكسفورد، تولت بريطانيا، بطريقتها، استكمال عناصر التمايُز داخل الانتفاضة، إذ مّيزت في درجة القمع التي اعتمدتها بين الجماعتين الأهليتين.

لكنْ بمرور قرن على الانتفاضة وهزيمتها، ظهرت روايتها في الأدب والفولكلور الشعبي وأعمال التأريخ القومي مما اعتبرها حجر زاوية التاريخ ذاك. وفي هذا لعب شاعر إيرلندا الكبير دبليو بي ييتس دوراً بارزاً من خلال مسرحيته «كاثلين إبنة هوليهن» (1902) التي مجّدت انتفاضة 1798 وعظّمت صوفية التضحية بالدم مستصرخةً المزيد منها. وظهر، كذلك، معظم الأغاني والأناشيد البلدية ballads التي كرست موقعها في الأسطورة المؤسسة للقومية الكاثوليكية والراديكالية الإيرلندية. ومن ناحيتها، رُفعت النزعة الجمهورية صنواً ثابتاً ودائماً للنزعة الاستقلالية، فيما رُد الإخفاق إلى مؤامرات الإمبريالية البريطانية وسياستها القائمة على مبدأ «فرق تسد».

على أنه بعد دمار الانتفاضة، وفرض حكومة لندن «الاتحاد الأنكلو إيرلندي»، ملغيةً الحكم الذاتي القائم، لم يعد للمسحوقين الكاثوليك من قيادة سوى الأكليروس، وهؤلاء جاء معظمهم من الأسر الكاثوليكية القليلة الثرية كما كانوا متحفظين عن النشاط الثوري للبعض من أبناء مذهبهم. والحال أن هذا الخط المعارض للعنف السياسي إنما بدأت الكنيسة تشقه عام 1798، حال هزيمة الانتفاضة، واجدةً صوتها السياسي في دانيال أوكونيل، المحامي والأريستوقراطي الذي دافع عن التسامح وانتقل من موقع راديكالي إلى معارضة المنتفضين. وهو انتقال كان مرده، في نظره، عدم توافر الاستعداد والتنور المطلوبين لدى الإيرلنديين. ولئن رأى، كما رأت الكنيسة، أن في وسع العمل السياسي والبرلماني إنجاز ما لا ينجزه العنف، مضى الإكليروس المحافظ في الجمع بين التصدي للنزعة الجمهورية الراديكالية والدفاع عن التراتبية الاجتماعية المعمول بها والتي هددتها أفكار الثورة الفرنسية.

وبالفعل نجح أوكونيل، مدعوماً من الكنيسة، في قيادة حركة ضغط آلت، عام 1829، إلى إتاحة المجال للكاثوليك كي يحظوا بعضوية مجلس العموم البريطاني، كما بات في وسعهم تولي بعض المناصب الحكومية، وفي الوقت نفسه ارتفع احتساب الحقوق تبعاً للمُلكية خمسة أضعاف ما كانه.

تلاشي «الغيلية» واعتناق الإنكليزية

في هذه الغضون، تولت انتفاضات المقاومة الإيرلندية دفع التطهير الطائفي بعيداً داخل «الشعب» المفترض واحداًً، وتحويل ذلك سُنّة من سُنّن النضال التحرري. فما بين 1861 و1936، تدنى وجود البروتستانت في جنوب إيرلندا بنسبة الثلثين، تاركاًً للاختلاط والاشتراك مساحات ضيقة وعرضة للاختناق، أهمها الطبقة العاملة. فنسبياً بقيت الأخيرة، الناشئة عن قطاع اقتصادي حديث، أكثر الفئات وحدوية. هكذا أنجزت، في 1907، إضراباً مشتركاً، بروتستانتياً- كاثوليكياً لعمال الموانىء بدا أشبه بالاستثناء الذي يبرهن القاعدة.

أهم من هذا ما أقدم عليه السياسيون الليبراليون والوطنيون الدستوريون الكاثوليك للحصول، عبر العمل البرلماني، على حكم ذاتي موسع. وكان ما تعنيه تلك الاستراتيجية السيطرةَ على توازنات الكتل البرلمانية من خلال التحالف مع حزب بريطاني هو الحزب الليبرالي. وفعلاً نجح هؤلاء، في 1912، في ضمان أكثرية مؤيدة لمطالبهم، واستصدار «مرسوم الحكم المحلي»، مدللين على أن الانخراط في اللعبة السياسية، لا الانتفاض، ما أتاح للنواب الإيرلنديين أن يمسكوا بالتوازن ويكونوا الأقلية المقررة في مجلس العموم البريطاني. أما مناضلو «الأخوية»، في المقابل، فكانوا يجنحون إلى عنف أقلي تجسدت ثماره في انتفاضة عيد الفصح عام 1916. ومثلما خدمت مجاعة أواسط القرن التاسع عشر انتفاضة 1848، كانت «الدينامية المحركة للعمل الوطني»، خلال مرحلة 1916-1921، ضغط السكان على الأرض. فالجوع للأرض، وقد فاقمه توقف الهجرة، هو ما ظل قوة محركة على أوسع نطاق.

آنذاك ظهر بادرايغ بيرز بوصفه تلميذاً نجيباً لسياسات ولف تون القومية الرومنطيقية. وبيرز، المثقف والشاعر الصوفي والمناضل، أضاف إلى مقاومته الاستقلالية، وتتويجُها الانتفاضة، مقاومة ثقافية جسدتها الدعوة إلى إيرلندا تكلم اللغة الغيلية، أو السلتية، التي كانت لغتها قبل وفادة الإنكليز. وهو ما كان جزءاً من منظومة تصورية تنطوي على وجود عرق غيلي وأمة إيرلندية موحدة ناطقة بالغيلية،

والخرافي في هذا كثير. ذاك أنه لم تنشأ «أمة» كتلك، بما تفترضه الكلمة من وجود عصر القوميات والأمم. أما «المجتمع»، وكان فعلاً ناطقاً بالغيلية، فكان قَبَلياً بقدر ما افتقر إلى سلطة مركزية واحدة. وباستثناء فترات عابرة أهمها حكما برايان بورو بين 1002 و1014، وإدوارد بروس بين 1315 و1318، ساد إيرلندا تعددُ الممالك الدموية الصغرى، وتنازعها، فلم تعرف الوحدة في ظل إدارة مركزية واحدة، وهنا المفارقة، إلا مع القرن السابع عشر في ظل الإنكليز. وأما الثقافة الغيلية القديمة فلم تنهض، تالياً، على وحدة سياسية ولا تطورت إلى ثقافة دولة- أمة وإن تلازمت مع ديانة ولغة موحدتين ومع أشكال فنية وأدبية تميز بها الإيرلنديون. وعموماً، لم تطل أواخر القرن التاسع عشر حتى كان التخلي الكاثوليكي عن الغيلية قد اكتمل وعم اعتناق الإنكليزية.

المجاعة الإيرلندية

نعرف من روبرت كي، صاحب الكتاب الضخم «العلم الأخضر»، أن الإيرلنديين لم يكونوا، في أي من حقب تاريخهم، قوميين بالقدر الذي ترسمه النزعة الجمهورية أو التقليد المسيطر بين المتعاطفين مع إيرلندا الكاثوليكية في الولايات المتحدة. فكتابه هذا، الذي ترك تأثيراً مهماً على الرأي العام هناك، في وقت كانت الأرثوذكسيات الجمهورية تتعرض لأسئلة متزايدة، يبين كيف أن قادةً تسوويين كدانيال أوكونيل، وكذلك تشارلز ستيوارت بارنيل، الليبرالي والقومي المعتدل في القرن التاسع عشر، كان لهما من المؤيدين، في زمنهما، أكثر مما حظي به، في زمنهما، القوميان الراديكاليان ولف تون وتلميذه بادرايغ (باتريك) بيرز، قائد انتفاضة 1916.

بيد أن هذا لم يعصم إيرلندا من شن انتفاضة أخرى، عام 1848، وهو سنة الثورات في سائر أوروبا. وهذه، بدورها، كانت بلا أفق أو أمل، لكنها قدمت مساهمة أخرى في بلورة النزعة الثورية الجمهورية، عبر عنها أحد أبرز رموزها، جيمس فينتان لالور. فالأخير رأى أنه ما دام غزو بلاده عملية مزدوجة من الإلحاق السياسي والمصادرة الاقتصادية، بات على الرد الإيرلندي ان يكون، بالضرورة، مزدوجاً مركباً، يجمع التحرر السياسي إلى مصادرة أراضي الملاكين وإعادتها إلى الفلاحين. وخلال تلك الفترة، وتحديداً بين 1845 و1849، احتدم الهم الطبقي على إيقاع المجاعة الشهيرة التي ضربت البلد وتسبب بها تسمم موسم البطاطا وفساده، فتأدى عنها موت مليون شخص، كما ترتبت عليها هجرة مليون آخر ونشأة ظاهرة الهجرة الإيرلندية.

غير أن المعادلة الاستقلالية-الاجتماعية لم تفض إلى إعادة نظر حيال البروتستانت، وإمكان التحالف مع فقرائهم، بل أعادت، من خلال مطلب استرجاع الأرض تحديداً، تكريس فكرة المقاومة بوصفها نشاطاً نضالياً للكاثوليك في مواجهة البروتستانت.

وإنما في السياق هذا صب التجذر الذي أحرزته المقاومة الاستقلالية. فانتفاضة 1848 عملت أيضاً على إدخال الحركة الجمهورية، شأنها شأن مثيلات كثيرات في أوروبا، طوراً جديداً مادته النشاط السري، الطقسي والتآمري. وهو ما عبرت عنه «الأخوية الجمهورية الإيرلندية» التي تأسست في 1858 والتي رعت التصور القائل، والمنسجم مع الأفكار الفوضوية الأوروبية عهدذاك، إن في وسع مجموعة سرية ونخبوية، أن تقيم، بإرادية الشجاعة والصمود، جمهورية إيرلندا المستقلة.

والأخوية تلك بدت وثيقة الارتباط بالإيرلنديين الأميركيين كما سمي أعضاؤها «الفينيين» إعلاناً منهم للاستمرارية مع الـ«فيينا» ‘Fianna’ أو المقاتل الإيرلندي القديم. ومن جهتهم، دان المطارنةُ الفينيين، بوصفهم حَمّلة إيديولوجيا غير دينية غريبة ومستقاة، هي الأخرى، من الثورة الفرنسية. لكن هذا لم يردعهم عن شن انتفاضة جديدة فاشلة، بدورها، في 1867.

back to top